Note: English translation is not 100% accurate
خالد الخراز لـ «الأنباء»: مفهوم «التقاعد» السلبي لم يتسرب إلى عقول آبائنا وأجدادنا
29 نوفمبر 2010
المصدر : الأنباء

يجوز الدعاء للإنسان بطول العمر كأن يقول «أطال الله عمرك بالخير» خلافا لتحريم بعض العلماء له
شيوخنا ركبـوا مـع الشبـاب متن البحار والصحاري تجارا
حذر الخطيب في وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية الداعية خالد الخراز من الاستسلام للقعود والخنوع والتواني أمام نظام «التقاعد»، داعيا الى اعتباره نقطة بداية لمرحلة جديدة تجدد فيها الطاقات وتستثمر فيها كنوز الخبرات. وأوضح في لقائه مع «الأنباء» ان مفهوم «التقاعد» السلبي لم يتسرب الى عقول آبائنا وأجدادنا، ولطالما ركب شيوخنا مع الشباب متن البحار والصحاري تجارا، لافتا الى ان الاسلام حدد للانسان برامج عمل من لحظة دخوله سن البلوغ الى الموت ولم يستثن فترة معينة من حياته. وأضاف أنه يشرع للانسان ان يسأل الله لغيره طول العمر بالخير، ففي الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال «ألا أنبئكم بخياركم من شراركم؟» قالوا: بلى، قال: «خياركم أطولكم أعمارا، وأحسنكم عملا»، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم لخادمه أنس بن مالك قوله «اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر له». وللخراز كتاب بعنوان «حركة الحياة» في هذا الاطار، وهو في طور الطباعة، وفيه حث للجميع بعلو الهمة في حركة الحياة منذ البلوغ حتى الوفاة، وخطوة في سبيل استنهاض وايقاظ العزائم، وازاحة القعود واستسلام بعض النفوس تأثرا منهم بحرفية لفظ «التقاعد»، سعى من خلاله الكاتب أيضا الى اسداء النصيحة الامينة والتوجيه الرشيد للجميع، ثم ذيله بذكر صور مشرقة من التاريخ الاسلامي ممن واصلوا العطاء والمداومة على الطاعات رغم كبر سنهم،
وفيما يلي تفاصيل الحوار:
هل للانسان سن معينة لا يحاسب فيها على ما يعمله ويعفى عنه، أو مرحلة محددة يسمح فيها بالراحة والانصراف عن العمل وعدم الانتاج؟
يعلم الجميع ان الله عز وجل خلق الناس، وجعل لهم الآجال طويلها وقصيرها، وكتب أقوالهم وأعمالهم، وهو سبحانه وتعالى الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، فالانسان يولد صغيرا، ثم يكبر حتى يبلغ أشده، ثم يكتهل، ثم تبدأ علامات الشيخوخة بالظهور على كل ذي عينين، اذ تطل من أعلى الجسد منبهة لامر لابد منه، ولا يحول دونه حائل، ألا وهو الموت الذي يوافينا في موعد محدد غيب الله سبحانه عنا علمه، وهذا قانون الحياة.
وما بين الموت والولادة رحلة قد تقصر أو تطول، فان قصرت فالله أولى بصاحبها، وان طالت فلابد من المرور بالمحطات المرسومة التي وضعت للبشرية جمعاء، قال تعالى (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون).
ولنعلم ان الله سبحانه أنزل من أجل ذلك ديانات سماوية، تتالت على مر الزمان حتى آن أوان ختامها برسالة الاسلام، التي حددت للانسان برامج عمل من لحظة دخوله سن البلوغ الى ان يرجع الى بارئه، ولم تستثن فترة معينة من حياته، فهي برامج تنفيذية مصاحبة للانسان ما دام قادرا على القيام بها، فلا تتوقف عند عمر معين، بل تزداد أهمية تنفيذها مع امتلاء العقل بالخبرة، وقدرته على حسن التدبير والتمييز بين خير الامور وشرها.
ثلاثة أقسام
كيف ترى الناس في تعاملهم مع أوقاتهم وفي وظائفهم خاصة؟
ملاحظتنا لحركة الحياة ان فئة من الناس ممن يعمل في هذه الحياة في الوظائف العامة رأيناهم ينقسمون الى ثلاث فئات، الاولى فئة ناجحة في ادارة وقتها، ومفلحة في متابعة مسيرة الحياة البناءة، لم يقعدها طول العمر، ولا مرور السنين، فهم شيوخ في روح الشباب. ولا عجب في ذلك، فقد يكون الانسان شارف على التسعين وروحه شبابية، وآخر في مقتبل العمر وروحه هرمة يسير سير المخرفين.
أما الثانية فهي على النقيض من سابقتها، فتراها مهزومة مأزومة، مال أفرادها الى ملذات الحياة، فقعدوا مع القاعدين، وأخلدوا إلى الدنيا، وليست المصيبة أنهم لا يستطيعون العمل، ولكن المشكلة أنهم عالة، ولا يأتون بخير، والثالثة فئة فيها خير، ولكنها تحتاج إلى نصيحة وإرشاد وتبصير حتى تنهض من قعودها، وتنشط في مسيرها، وتسارع في خطاها إلى الله تعالى.
البعض ممن يبلغ الستين عاما أو ما يسمى بسن التقاعد يعاني من الفراغ، فبماذا تنصحه؟
مصطلح التقاعد ومفهومه لدى الكثيرين هو «ترك الشخص وظيفته بسبب طبي، أو حين يصل إلى مرحلة عمرية معينة يحددها القانون»، وهو مفهوم لم يتسرب إلى عقول آبائنا وأجدادنا قط، ولم تعرف هممهم وعزائمهم القعود مادامت أرجلهم قادرة على حملهم، بل عاشوا في كبرهم كما كانوا في شبابهم، ولطالما ركب شيوخنا مع الشباب متن البحار تجارا وأهل غوص باحثين عن الكسب الشريف، حتى سموا المراكب بأسمائهم وعرفوا البحر كما عرفهم، فما أقعدهم السن كما يقعدنا الآن، كما طافوا الصحارى سعيا في طلب الرزق والعلم.
وهكذا كان الحال عند الرعيل الأول من رجال الأمة الإسلامية، فلم يكن المرء يعزل من عمله إلا بسبب يتعلق بدينه وأمانته أو نزاهته، أو للعجز التام الذي لا يستطيع معه القيام بما أوكل إليه من مهام.
والسؤال الذي يجب أن يطرحه كل منا على نفسه الآن هو: ما موقفنا من الحياة أمام ما يعرف بنظام التقاعد، هل نعتبره النهاية الحتمية التي فرضتها نظم الإدارة الحديثة، فنستسلم للقعود والخنوع والتواني، وننتظر لحظة النهاية الحقيقية، أم انه قد يكون نقطة بداية لمرحلة جديدة من مراحل حياتنا نجدد فيها طاقاتنا ونستثمر كنوز خبراتنا؟
فإن كانت النهاية، أو اقترابها، فماذا فعلنا من أجل هذا الانتقال من عالم الأحياء إلى عالم الأموات؟ ولو أننا أحصينا ما قدمنا لدنيانا ودنيا غيرنا، لعادل عمرنا وزيادة. ولو أجرينا مقارنة بين ما قدمناه لدنيانا، وبين ما قدمنا لآخرتنا، لرأينا التفاوت الذي لا يخفى على أحد، فجميعنا مقصر.
ولابد لنا الآن وبعد دخولنا هذه السن من وقفة ننظر فيها إلى من حولنا في كل مجال، وسنجد أن كثيرين قد استمروا في العمل بجد واجتهاد، من خلال وضع هدف جديد انطلقوا في سبيل تحقيقه، لا يوقفهم ثقل حركة الجسم ولا كبر السن، فهم بالروح الوثابة سائرون، وبالهمم العالية ماضون، أداروا ظهورهم إلى العجز وانطلقوا متسلحين بالعزيمة الصلبة والإرادة الصادقة إلى مجال رحب في الحياة فأنسوا به.
من المحبرة إلى المقبرة
هل يمكن أن يتصور أن يشغل الإنسان وقته بطلب العلم مثلا في سن متأخرة كسن الخمسين والستين؟
بالطبع يمكن، ولذلك كثيرا ما نسمع أن فلانا ذهب بعد التقاعد لتحصيل درجة علمية ما، فلا يسأل ما حاجته إليها؟ بل يسأل عن مدى نفعها، فيجيب كما قال أحد العلماء «من المحبرة إلى المقبرة»، والعلم لا يهرم، بل يجدد همة حامليه، وقال رجل من بني العباس للمأمون «أيحسن بمثلي طلب العلم اليوم؟» فقال «نعم، والله لأن تموت طالبا للعلم، أزين بك من أن تموت قانعا بالجهل» فقال «إلى متى يحسن بي وقد جاوزت الستين؟» قال «ما حسنت بك الحياة»، والمهم في هذا الحيز من بحثنا أن نرفض التقاعد، ولا نعترف به إلا كمسمى لا أثر له في حياتنا، وندرك أنه منحنا وقتا ثمينا، يجب أن نغتنمه في تدارك ما فاتنا من أمل وعمل يرضي الله.
العمر رأس المال
ماذا تقول لمن يخشى الكبر ويتحرج من المشيب؟
العمر رأس المال، فعن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله». قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله»، وعن عبدالله بن بسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله»، وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخياركم من شراركم؟» قالوا: بلى، قال: «خياركم أطولكم أعمارا، وأحسنكم عملا»، وعن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة».
مشروعية تمني طول العمر
هل تمني طول العمر مشروع؟
قال البخاري في الصحيح: «باب دعوة النبي لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله»، عن أنس بن مالك قال: انطلقت بي أمي إلى رسول الله فقالت: يا رسول الله، خويدمك فادع الله له. فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره واغفر له»، قال: فكثر مالي، وطال عمري حتى قد استحييت من أهلي، وأينعت ثماري. وقال العلامة الألباني رحمه الله «ففيه جواز الدعاء للإنسان بطول العمر، كما هي العادة في بعض البلاد العربية، خلافا لقول بعض العلماء، ويؤيده أنه لا فرق بينه وبين الدعاء بالسعادة ونحوها، إذ إن كل ذلك مقدر، فتأمل»، قلت: ومن أراد أن يدعو لغيره بطول العمر ينبغي عليه أن يقيد دعاءه بالخيرية، فيقول: «أطال الله عمرك بالخير».
ما ذكرته من فوائد قيمة في هذا الشأن نرى فيه حسن الإعداد والترتيب، فهل يمكن أن نرى لك بحثا أو كتابا جديدا في هذا الصدد؟
بإذن الله تعالى، فقد انتهيت من إعداد بحث بعنوان «حركة الحياة» قبل عام تقريبا، وهو في طور الطباعة، وسيرى النور في القريب العاجل، وفيه حث للجميع على علو الهمة في حركة الحياة منذ البلوغ حتى الوفاة، وهو خطوة في سبيل استنهاض وإيقاظ العزائم، وإزاحة القعود واستسلام بعض النفوس تأثرا منهم بحرفية لفظ «التقاعد»، ونسعى من خلاله إلى إسداء النصيحة الأمينة والتوجيه الرشيد للجميع.
همم لا تعرف الشيب
طلبنا من ضيف اللقاء الشيخ خالد الخراز أن يسوق لنا بعض الصور الموجزة من حياة المؤمنين الذين لم تؤثر في عزائمهم الظروف من تقدم سن أو غيره، ولم يتوقف نشاطهم إلا بالموت الذي هو بداية لحياة برزخية تؤنسهم فيها أعمالهم الجليلة، فأجاب قائلا: إن الرجال ذوي الهمم العالية لا يحد من نشاطهم عمر، ولا يقعدهم ملل، بل يجدون في طلب ما يبتغون، وإن نالوه تجددت لديهم الهمة إلى مطلوب آخر يرضي الله سبحانه، وتراث الأمة زاخر يشهد بذلك.
أبو بكر الصديق رضي الله عنه «ثاني اثنين»
ونبدأ مع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثاني اثنين، والذي تولى قيادة الأمة، وهي في أحلك ظروفها، وانطلق بعزيمة لم تعرف بغيره بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يودع جيش أسامة ماشيا، والناس ركوب، ويرجع لإعداد الجيوش بعد أن نقضت كثير من القبائل عهد الإسلام، وارتدت، كل ذلك وسنه جاوزت الستين، فلم يضعف همته كبر، ولا يدنو من عزيمته خور.
عثمان بن عفان «ذو النورين» رضي الله عنه
ثم يأتي عثمان بن عفان رضي الله عنه «ذو النورين»، الذي هاجر إلى الحبشة مع رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهز جيش العسرة بألف بعير وستين فارسا، وهو أحد القراء الذين جمعوا القرآن الكريم أيام خلافته، قتل وهو يتلو القرآن سنة 35 هـ، وعمره أكثر من ثمانين سنة، وكان يقرأ القرآن في ركعة، ثم يوتر بها، وعن ابن سيرين قال: قالت امرأة عثمان حين قتل: لقد قتلتموه، وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن في ركعة.
أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه
ثم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، قاتل وهو ابن ثمانين على أسوار القسطنطينية، وهي آخر معاركه، ولم يمض غير قليل على منازلته العدو، فمرض، ثم مات، ومازال قبره إلى اليوم، فابن الثمانين يقاتل، وابن الستين يعجز ولا مرض فيه، وإنما هي الهمة الإيمانية، قال تعالى: )انفروا خفافا وثقالا).
أنس بن مالك رضي الله عنه
وأنس بن مالك بن النضر بن النجار الأنصاري صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم الصحبة، ولازمه أكمل الملازمة منذ هاجر، وإلى أن مات، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة، فعنه أنه قال: جاءت بي أمي أم أنس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أزرتني بنصف خمارها، وردتني بنصفه، فقالت: يا رسول الله هذا أنيس ابني أتيتك به يخدمك، فادع الله له. فقال: «اللهم أكثر ماله، وولده»، قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم. أخرجه مسلم.
أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين
ولا يتوقف علو الهمة على الرجال فللمرأة نصيب كبير، ومن ذلك أسماء بنت أبي بكر الصديق ذات النطاقين، وزوج الزبير بن العوام، والدة الخليفة عبدالله بن الزبير، وأخت أم المؤمنين عائشة لأبيها، وآخر المهاجرات وفاة، أسلمت - رضي الله عنها- بعد إسلام سبعة عشر إنسانا، وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم وآمنت به إيمانا قويا، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبدالله بن الزبير البطل، فوضعته بقباء.
وهي، وأبوها، وجدها، وابنها ابن الزبير، أربعتهم صحابيون، وشاركت في معركة اليرموك مع زوجها الزبير، عاشت وطال عمرها، وعميت، وبقيت إلى أن قتل ابنها عبدالله سنة ثلاث وسبعين، وماتت ولها مائة سنة. وليس هذا فحسب، فتاريخ الأمة مليء بالنماذج العطرة من الرجال والنساء في القديم والحديث ما يصعب حصره، وحسبنا من القلادة ما يحيط بالجيد، والخلاصة أن العمل لله لا يتوقف على مرحلة عمرية ولا زمن محدد، ولذلك قيل لابن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ فقال: «إلى الممات إن شاء الله». قال الزرنوجي: «دخل حسن بن زياد في التفقه وهو ابن ثمانين سنة، ولم يبت أربعين سنة على فراش»، والإمام القفال طلب العلم بعد الأربعين، وأصبح إماما فيه.
نصائح للمتقاعدين
هذه نصائح موجزة ذكرها ضيفنا الشيخ خالد الخراز، وخص بها المتقاعدين قال فيها:
النصيحة الاولى: أعمل عقلك
العاقل هو الذي يرى الاشياء قبل وقوعها، والانسان العادي هو الذي لا يرى الاشياء الا بعد وقوعها، والاحمق هو الذي لا يدري عن شيء، فهو واقع في المصائب والمشكلات، وغارق في بحر ظلماته، وهو يحسب أنه سالم من البلل، والعاقل هو الذي يعلم أنه في دار انتقال، وهو في مركب الارتحال.
النصيحة الثانية: جدد ايمانك
لا يفوت المتقاعد ان يجدد ايمانه بالطاعات، فالايمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله: «ان الايمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى ان يجدد الايمان في قلوبكم»، فالايمان يبلى كما يبلى الثوب الذي لا يستمر على هيئته، فالمرء ربما يدنس لسانه بلفظ غير لائق، فيتوب بعد ذلك، ويجدد ايمانه باللفظ الحسن، والعمل ربما يتدنس بالمعاصي والغفلة، فيجب عليه ان يجدد ايمانه بالتوبة والعمل الصالح، ومن أراد تجديد ايمانه فعليه ان يعمل في كل يوم عملا طيبا، وتأمل معي الاعمال اليومية من الصلوات الخمس، والضحى، والوتر، والصلوات الرواتب، وقراءة القرآن، وأذكار الصباح والمساء، والاعمال الاسبوعية صلاة الجمعة والغسل قبلها، وصيام الاثنين والخميس، وقراءة سورة الكهف، والاعمال الشهرية من ذكر رؤية الهلال، وصيام الايام البيض، والاعمال السنوية من أداء الزكاة، وصيام شهر رمضان، والحج والعمرة، وصيام ستة من شوال، ويوم عرفة، وعاشوراء.
النصيحة الثالثة: إياك والتسويف
كثيرون هم الذين ركبوا مراكب سوف، فسارت بهم في بحر لا ساحل له، فعاشوا على أمل الوصول، وهم في وهم التسويف والتمني، كل يوم يمر يقولون غدا نصل، وغدا نتوب، وغدا نعود الى الاستقامة، ورياح التمني تبحر بأشرعتهم عن جزيرة النجاة، على الرغم من رؤيتهم أعلام الجزيرة، ولكن أمل الوصول لها بعيد، وهكذا عاشوا على أمل «سوف» حتى مرت بهم الايام، ودارت بهم السنون في بحر التمني، فبينما هم في أملهم يسوفون فجأهم الموت، وضرب الله سناهم فاذا هم ميتون.
قال تعالى: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون)،
وقال الناظم:
انتبه من رقدة الغفلة فالعمر قليل
واطرح سوف وحتى فهما داء دخيل
النصيحة الرابعة: عد إلى ربك
أيها الودود عد الى ربك بالطاعة، وأنب اليه، ولست محددا لك طريق العودة، فأنت تعرف كيف تعود الى الله تعالى، فالطريق واضح وضوح الشمس وهو واحد فقط طريق مستقيم وهو صراط الله المستقيم، قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون).
النصيحة الخامسة: دع أحلام الغفلة
قال الناظم:
الناس في غفلة والموت يوقظهم
وما يفيقون حتى ينفد العمر
يشيعون أهاليهم بجمعهم
وينظرون الى ما فيه قد قبروا
ويرجعون الى أحلام غفلتهم
كأنهم ما رأوا شيئا ولا نظروا
النصيحة السادسة: تأمل جزاء المتخلفين
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : «والمتخلف في ظل الشجرة نائم، فو الله ما كان الا قليل حتى ذوت أغصان تلك الشجرة، وتساقطت أوراقها، وانقطع ثمرها، ويبست فروعها، وانقطع مشربها، فقلعها قيمها من أصلها، فأصبح أهلها في حر السموم يتقلبون، وعلى ما فاتهم من العيش في ظلها يتحسرون، أحرقها قيمها فصارت هي وما حولها نارا تلظى، وأحاطت النار بمن تحتها فلم يستطع أحد الخروج منها».
النصيحة السابعة: كن متزنا في أداء الحقوق
عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال لي رسول الله: «يا عبدالله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل»؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فان لجسدك عليك حقا، وان لعينك عليك حقا، وان لزوجك عليك حقا، وان لزورك عليك حقا، وان بحسبك ان تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فان لك بكل حسنة عشر أمثالها فان ذلك صيام الدهر كله»، فشددت، فشدد علي قلت: يا رسول الله اني أجد قوة. قال: «فصم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تزد عليه». قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر». فكان عبدالله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي». وعند الترمذي من حديث أبي جحيفة مرفوعا: «ان لنفسك عليك حقا، ولربك عليك حقا، ولضيفك عليك حقا، وان لاهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه».
النصيحة الثامنة: ابتسم، ودع الهموم واستمتع بحياتك
ابتسم فان التبسم سنة، وصدقة، ولا تدع الهموم تقتل طموحك، وتقضي على سعادتك، ابسط وجهك واحمد ربك.
النصيحة التاسعة: اياك والانتكاسة
نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن المعصية بعد التوبة، ومن الضلال بعد الهدى، وأنت فيك خير كثير، فلا تفرط فيه، واني أعيذك ان تكون بطالا. نزر يسير لم يستجب لشريعة ربه فركب الشطط، وصار من جند ابليس يلهو مع اللاهين، ويعبث مع العابثين، ويصدق فيه حديث «وشر الناس من طال عمره وساء عمله». ومن العجب امرأة شمطاء ومازالت متبرجة، وشيخ فان لا يصلي ولا يصوم ولا يستدل على طريق مكة، ولا زال يزني ويشرب الخمر، عقيدته يباب، وأخلاقه خراب، أما ان له ان يتوب قبل أفول شمس الحياة، وتوقف مركب العمر، قال تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون). وختاما فان ما تقدم من آراء ونصائح ما هي الا وجهة نظر استيقنتها من تجارب الحياة، ومن مطالعاتي، ذكرتها راجيا ان تعيها أذن واعية، فمن المعيب ان يسمع الانسان نجاح غيره في المضي في ميدان الحياة ولا تصيبه الغيرة، ونحن مأمورون ان نحقق العبودية لله ما دمنا على قيد الحياة.
وقلت:
ان القعود لو علمت معيب
فانشط وجدد فالمعاد قريب
عند الغروب قد تعض أناملا
لا لم يفدك اللوم والتأنيب
مادام في نبض العروق بقية
هيا اغتنمها لا يفتك نصيب
وانظر الى الاقران راقب سعيهم
فلديك عزم ان قصدت عجيب