Note: English translation is not 100% accurate
قالوا عنه
توماس: محمد الرحمة والحنان
4 فبراير 2011
المصدر : الأنباء
يقول الكاتب الإنجليزي المعروف توماس كارلايل في كتابه «الأبطال» والذي عقد فيه فصلا رائعا عن النبي صلى الله عليه وسلم: «.. هل رأيتم قط.. أن رجلا كاذبا يستطيع أن يوجد دينا عجبا.. إنه لا يقدر أن يبني بيتا من الطوب فهو إذا لم يكن عليما بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلباته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيلوه حقا.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوبا وأمما بهذه الأضاليل.
«.. إن محمدا – صلى الله عليه وسلم - لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا وكانت صناعة الخط حديثة العهد آنذاك في بلاد العرب، ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمدا - صلى الله عليه وسلم- لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية. إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب، ولم يضره. إنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنيا عن كل ذلك. ولم يقتبس محمد - صلى الله عليه وسلم- من نور أي إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يكن في جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء - أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور- من كان بين محمد - صلى الله عليه وسلم- وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش وحده في أحشاء الصحراء بين الطبيعة وبين أفكاره.
رجل الصدق
لوحظ على محمد -صلى الله عليه وسلم- منذ صباه أنه كان شابا مفكرا وقد سماه رفقاؤه الأمين - رجل الصدق والوفاء- الصدق في أفعاله وأقواله وأفكاره. وقد لاحظوا أنه ما من كلمة تخرج من فيه إلا وفيها حكمة بليغة. وإني لأعرف عنه أنه كان كثير الصمت يسكت حيث لا موجب للكلام، فإذا نطق فما شئت من لب.. وقد رأيناه طول حياته رجلا راسخ المبدأ صارم العزم بعيد الهم كريما برا رؤوفا تقيا فاضلا حرا، رجلا شديد الجد مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب لين العريكة، جم البشر والطلاقة حميد العشرة حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامة مشرقة من فؤاد صادق. وكان ذكي اللب، شهم الفؤاد، عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة ولا هذبه معلم وهو غني عن ذلك.. فأدى عمله في الحياة وحده في أعماق الصحراء.
«.. ومما يبطل دعوى القائلين أن محمدا - صلى الله عليه وسلم- لم يكن صادقا في رسالته.. أنه قضى عنفوان شبابه وحرارة صباه في تلك العيشة الهادئة المطمئنة - مع خديجة رضي الله عنها- لم يحاول أثناءها إحداث ضجة ولا دوي، مما يكون وراءه ذكر وشهرة وجاه وسلطة.. ولم يكن إلا بعد أن ذهب الشباب وأقبل المشيب أن فار بصدره ذلك البركان الذي كان هاجعا وثار يريد أمرا جليلا وشأنا عظيما.
الرحمة
«.. لقد كان في فؤاد ذلك الرجل الكبير - صلى الله عليه وسلم - ابن القفار العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحنانا وبرا وحكمة وحجى ونهى، أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه. وكيف وتلك نفس صامتة كبيرة ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا مخلصين جادين؟! فبينما نرى آخرين يرضون بالاصطلاحات الكاذبة ويسيرون طبق اعتبارات باطلة، إذ ترى محمدا - صلى الله عليه وسلم- لم يرض أن يلتفع بالأكاذيب والأباطيل. لقد كان منفردا بنفسه العظيمة وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سر الوجود يسطع لعينيه بأهواله ومخاوفه ومباهره، ولم يكن هنالك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكأنه لسان حال ذلك السر يناجيه: هاأنذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية وكل القلوب واعية، وكل كلام ما عدا ذلك هباء وكل قول جفاء.
شخصية فذة
«إني لأحب محمدا - صلى الله عليه وسلم- لبراءة طبعه من الرأي والتصنع. ولقد كان ابن القفار هذا رجلا مستقل الرأي لا يعول إلا على نفسه ولا يدعي ما ليس فيه ولم يكن متكبرا ولكنه لم يكن ذليلا، فهو قائم في ثوبه المرقع كما أوجده الله وكما أراده، يخاطب بقوله الحر المبين قياصرة الروم وأكاسرة العجم يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة وللحياة الآخرة. وكان يعرف لنفسه قدرها، وكان رجلا ماضي العزم لا يؤخر عمل اليوم إلى غد.