Note: English translation is not 100% accurate
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)
3 يونيو 2011
المصدر : الأنباء
كان الرسول صلى الله عليه وسلم حليماً مع كل من أساء إليه حتى لو كان من أعدائهحلمه صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) آل عمران آية 134.
لقد كان المصطفى حليما مع أصحابه وأعدائه، فلم يكن يغضب إلا حين يكون هناك تساهل في إقامة حدود الله أو إساءة للدين الإسلامي أما لنفسه فلا.
وهناك كثير من المواقف التاريخية التي تؤكد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان حليما في معاملاته مع الناس حتى ولو كانوا أعداءه. ومن الوقائع الدالة على حلمه صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه إلى مكة في السنة السادسة من الهجرة لأداء العمرة فأحرم هو ومن معه من المسلمين وبعد أن وصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة لينقل إليه أخبار قريش وحالهم فرجع له وأخبره بأن قريشا قررت صده عن المسجد الحرام، فغير رسول الله طريقته في السير حتى إذا نزل بالحديبية جاء بديل بن ورقاء إلى رسول الله وأخبره بأن كعب بن لؤي سيقاتلونه ويمنعونه من دخول مكة، وبعد ذلك توالت الرسل من قريش إلى رسول الله ودارت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مناقشات حول رجوعه هو ومن معه عن مكة هذا العام وكان آخر هؤلاء الرسل سهيل بن عمرو الذي بعثته قريش لعقد صلح مع رسول الله بشرط أن يرجع بمن معه من المسلمين عن مكة هذا العام، فجاء سهيل إلى رسول الله وتكلم معه ثم اتفقا على عقد الصلح فدعى الرسول صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب ليكتب كتاب الصلح مع قريش في الحديبية، وكان الممثل لقريش في عقد الصلح هو سهيل بن عمرو، فلما أملى الرسول صلى الله عليه وسلم على علي الكتاب وأملى عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال سهيل: «أما الرحمن» فو الله لا ندري ما هو ولكن اكتب باسمك اللهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عليا بذلك. ثم أملى «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ولكن اكتب محمد بن عبدالله. فقال: «إني رسول الله وإن كذبتموني» وأمر عليا أن يكتب محمد بن عبدالله، ثم تمت كتابة الصحيفة.
موقفه مع الملوح
وموقف آخر يدل على حلمه صلى الله عليه وسلم وذلك حين كان صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة يوم فتح مكة وكان فضالة بن عمير بن الملوح قد فكر في قتله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف، فلما دنا من الرسول صلى الله عليه وسلم قال له صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله، قال: «ماذا كنت تحدث به نفسك؟» قال لا شيء كنت أذكر الله. فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال «استغفر الله» ثم وضع يده على صدر فضالة فسكن قلبه فكان فضالة يقول: والله ما وضع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه».
ويتجلى حلمه صلى الله عليه وسلم عندما يكون هذا الحلم مع ألد أعدائه وحامل لواء العداوة ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن العباس عم رسول الله خرج من عند الرسول صلى الله عليه وسلم قبل يوم الفتح يلتمس أحدا من قريش ليخبر قريشا بأن رسول الله خرج إليهم وذلك ليخرجوا إليه فيستأمنونه، فوجد أبا سفيان وبديلا فأخبرهما فقال أبو سفيان: فما الحيلة؟ فقال له: والله لئن ظفر بك رسول الله ليضربن عنقك فاركب حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك، فدخل العباس وأبو سفيان على رسول الله وعنده عمر بن الخطاب فقال عمر: يا رسول الله هذا أبو سفيان فدعني أضرب عنقه، قال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته فقال صلى الله عليه وسلم: اذهب به يا عباس إلى رحلك فإذا أصبحت فأتني به فذهبت فلما أصبحت غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله. قال بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، قبل أن تضرب عنقك، فأسلم.
مع أعدائه
وموقف آخر يبين حلم الرسول صلى الله عليه وسلم وأناته مع أعدائه وذلك حين أرسل مسيلمة الكذاب ابن النواحة وابن أثال إلى رسول الله فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «اشهد أني رسول الله» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالله ورسوله لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما».
إن المتأمل في الأحداث السابقة يجد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم تحلى بالحلم في التعامل مع من أساء إليه حتى لو كان من أعدائه فلم يتجاوز حد الحلم في القول والعمل، وكان من حقه أن يغضب ويثور عليهم إلا أنه كان خُلقه القرآن فلم يكن يغضب لنفسه، بل إنه في كثير من الأحيان يكظم غيظه ويعفو ويحسن إلى من أساء إليه. فكان مبدأ الحلم هو أحد المبادئ التي تعامل بها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أعدائه وأصحابه على السواء، فكسب الكثير من القلوب فأحاطت به ولم تكن ترضى بأن يصاب الرسول صلى الله عليه وسلم بمكروه حيا أو ميتا.
كرمه صلى الله عليه وسلم
ها هي خديجة ـ رضي الله عنها ـ تصف كرم رسول الله بقولها: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». فهذه الأخلاق كلها ناشئة عن بالغ الكرم وعظيم الجود، إذ هي كلها تعني البذل والعطاء.
كما وصف عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ كرم رسول الله فقال: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة».
حث رسول الله صلى الله عليه وسلمأصحابه على الكرم
لو تأملنا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البعثة لوجدناه دائما يحث الصحابة على الإنفاق والكرم، فالكرم طريق السعة، والسخاء سبب النماء، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته ومن بعدهم أمته تعليما لهم وتربية لنفوسهم: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا».
الكرم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
لقد كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها كذلك تطبيقا عمليا لما يؤمن به ويقوله، فنعم المسلمون في ظل تعاليمه بالأمن والأمان، وصور كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، فيروى عن سهل بن سعد، أنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة، فقالت: يا رسول الله، أكسوك هذه. فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فاكسنيها. فقال: «نعم». فلما قام النبي لامه أصحابه، قالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي أخذها محتاجا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه. فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، لعلي أكفن فيها. وفي رواية قال سهل: فكانت كفنه.
ومن خلال هذا الموقف ندرك معنى حديث جابر: «ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال: لا». إذ هو برهان عملي على عدم رد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشد الحاجة إلى ما يطلب منه للسائلين، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة والمثل في الكرم والعطاء فقد جاءه مال البحرين ـ وكان أكثر ما أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فقال: «انثروه في المسجد».
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما ما يبدأ بالعطاء قبل السؤال، وكان يسعد غاية السعادة بهذا الكرم والعطاء، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبا، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا شيئا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله: هكذا، وهكذا، وهكذا. عن يمينه وعن شماله ومن خلفه..».
فكان جوده وكرمه سببا من أسباب إسلام الكثيرين، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فعن أنس قال: «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه. قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة».
ومن صور كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الربيع بنت معوذ ابن عفراء ـ رضي الله عنها ـ قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب، وأجر من قثاء زغب، فأعطاني ملء كفه حليا. أو قالت: ذهبا. وقال: «تحلي بهذا». وهذا دليل على مبلغ كرمه صلى الله عليه وسلم، حيث يجود النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما أتى إليه من مال على المؤمنين رغم كونه يقبل هذه الهدية المتواضعة من امرأة مسلمة ويكافئها عليها تلك المكافأة العظيمة. فقيرا لا يملك شيئا من المال، بل إنه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا كل الحرص على الكرم والعطاء، حتى قبل وفاته وهو على فراش الموت فقد بلغ بهذا الفعل درجة من الكرم لا يدانيها كرم أحد في العالمين، فقد قالت عائشة ـ رضي الله عنها: اشتد وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده سبعة دنانير أو تسعة، فقال: «يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟» فقلت: هي عندي. قال: «تصدقي بها». قالت: فشغلت به، ثم قال: «يا عائشة، ما فعلت تلك الذهب؟». فقلت: هي عندي. فقال: «ائتني بها». قالت: فجئت بها، فوضعها في كفه، ثم قال: «ما ظن محمد أن لو لقي الله وهذه عنده؟». ثم ها هي أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ تدخل عليه فتجده صلى الله عليه وسلم وهو ساهم الوجه، فقالت: فحسبت أن ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله، ما لك ساهم الوجه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «من أجل الدنانير السبعة التي أتينا بها أمس، أمسينا وهي في خصم الفراش». وفي رواية: «أتتنا ولم ننفقها».
كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين
ومن أجمل المواقف التي نختم بها موقفه صلى الله عليه وسلم يوم حنين، والذي يدل دلالة واضحة على عظيم كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد غنم صلى الله عليه وسلم هو أصحابه مغانم ـ في هذا اليوم ـ فاقت الوصف، حتى إن جبير بن مطعم أثناء عودته من حنين قال: علقت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعراب يسألونه، حتى اضطروه إلى سمرة، فخطفت رداءه، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا». فلم يكتنز رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الأموال لنفسه، ويوزع الفتات القليل منها على جنوده، ولكنه صلى الله عليه وسلم يعلم جيدا ان المال وسيلة وليس غاية، فاستخدمه في تأليف قلوب زعماء مكة كأبي سفيان، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام أخو أبي جهل، والنضير بن الحارث أخو النضر بن الحارث شيطان قريش المعروف، والذي كان من ألد أعداء الرسول، وكما أعطى زعماء القبائل من الأعراب كعيينة بن حصن زعيم قبيلة بني فزارة، والأقرع بن حابس زعيم بني تميم، فكان جوده وكرمه سببا من أسباب رسوخ الإسلام في قلوب هؤلاء، وغدت كلمة أنس خير دليل على حالهم: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها».