Note: English translation is not 100% accurate
الصحابة الرواة
حكيم الأمة.. أبوالدرداء الأنصاري
18 نوفمبر 2011
المصدر : الأنباء
هو أبوالدرداء المتعبد، الزاهد، الحكيم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال البخاري: اسمه عامر بن مالك، ولقبه: عويمر، وهو من الأنصار من الخزرج، قال عنه صلى الله عليه وسلم: «حكيم أمتي عويمر»، وكان الصحابة يقولون: «أرحمنا بنا أبو بكر، وأنطقنا بالحق عمر، وأميننا أبو عبيدة، وأعلمنا بالحرام والحلال معاذ، وأقرؤنا أبي، ورجل عنده علم ابن مسعود، وتبعهم عويمر أبوالدرداء بالعقل».
كان رضي الله عنه رجل علم وعمل، جمع الله له بين العلم والفقه وبين العمل والدعوة، وكان أبو ذر يقول له: «ما حملت ورقاء، ولا أظلت خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء»، وكان عبدالله بن عمر يضعه في خانة العاقلين فكان يقول: حدثونا عن العاقلين، فيقال: من العاقلان؟ فيقول: معاذ وأبوالدرداء، وكان معاذ يضعه على رأس أربعة حازوا العلم، ويروى انه لما حضرت معاذا الوفاة قالوا: أوصنا، قال: العلم والإيمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما قالها ثلاثا فالتمسوا العلم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، سلمان، وابن مسعود، وعبدالله بن سلام، الذي كاني هوديا فأسلم.
روى أبوالدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء ترتيبه رقم 22 فيمن رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته، كما روى عن زيد بن ثابت، وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم جميعا، وذكر صاحب كتاب: «أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد» ان أبا الدرداء من أصحاب المائة رضي الله عنهم وعد له مائة حديث وتسعة وسبعين حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حديثين منهما، وانفرد البخاري بثلاثة أحاديث، وانفرد مسلم بثمانية أحاديث، كما روى له أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وروى عنه من الصحابة نفر كثير وممن رووا عنه: أنس بن مالك وفضالة بن عبيد الأنصاري وعبدالله بن عباس، وأبو أمامة، وعبدالله بن عمرو بن العا، وجبير بن نفير، وزيد بن وهب، وأبو إدريس الخولاني، وعلقمة بن قيس، وقبيصة بن ذؤيب، وزوجته أم الدرداء العالمة، وابنه بلال بن أبي الدرداء، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، ومعدان بن أبي طلحة، وأبوعبدالرحمن السلمي.
تأخر إسلامه
جاء إسلام أبي الدرداء متأخرا، ولكنه جاء متدفقا مندفعا دافعا إلى محاولة تعويض ما فاته، فقد كان رضي الله عنه من آخر الأنصار إسلاما، وكان يعبد صنما، وضعه في أشرف مكان في بيته، يضمخه كل يوم بالطيب، ويلقي عليه أفخر الثياب وأغلاها، وذات يوم عزم عبدالله بن رواحة، وكان صديقا لأبي الدرداء في الجاهلية ومقربا إلى نفسه، على أن يحرك عقل وتفكير صاحبه الذي لايزال يعبد صنما رغم نور الإسلام الذي أضاء المدينة المنورة، وتلك من خصال الصحبة الصالحة ومن محاسنها، وظل يدعوه إلى الإسلام فيقول: يا عويمر، أترضى أن تكون آخر دارك إسلاما؟ وكان قومه قد أسلموا قبله، فيأبى أبوالدرداء، وذات يوم انطلق ابن رواحة قاصدا بيت أبي الدرداء، وقد بيت أمرا لعله يفيد في إثارة عقل صاحبه، وتحكي أم الدرداء فتقول: جاء عبدالله بن رواحة ودخل بيتي فسأل عن عويمر، فأخبرته أنه خرج آنفا، وكنت أمشط رأسي، فدخل ابن رواحة ومعه قادوم فأنزل الصنم وجعل يقدده «أي جعله قطعا»، وسمعت صوت القادوم وهو يضرب ذلك الصنم، فقلت: أهلكتني يا ابن رواحة، فخرج، وأقبل عويمر، فوجدني أبكي شفقا منه، فقال: ما شأنك؟ قلت: أخوك عبدالله بن رواحة دخل فصنع ما ترى، فنظر أبوالدرداء إلى الصنم المحطم، وغضب غضبا شديدا، ثم فكر وانكشف أمام عينيه فجأة زيف ما كان يفعل، وأحس للوهلة الأولى أنه أهان نفسه، وأهان عقله، وأهان إنسانيته، حين كان يعبد قطعة خشب، لا تضر، ولا تنفع، وأحس بنور الحقيقة يملأ قلبه، فجعل يجمع الصنم ويقول: ويحك هلا امتنعت؟ ألا دفعت عن نفسك؟ فقالت أم الدرداء: لو كان ينفع أو يدفع عن أحد لدفع عن نفسه ونفعها، فقال أبوالدرداء كمن استيقظ من سبات عميق: أعدي لي ماء في المغتسل، فاغتسل، ولبس حلته ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه ابن رواحة مقبلا، فقال: يا رسول الله هذا أبوالدرداء، وما أراه إلا جاء في طلبنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنما جاء ليسلم، إن ربي وعدني بأبي الدرداء أن يسلم».
عبادة التفكير
وقصة إسلام أبي الدرداء تبين ان الإنسان قد يكون في حاجة الى صاعق يفجر فيه القدرة على إعادة التفكير في حاله، وتدعوه إلى إعادة ترتيب أحواله، وإلى الكثير من التفكير والاعتبار، ولا شك أنه فكر طويلا في اللحظة الفارقة بين الحق الذي أصبح فيه، والباطل الذي كان عليه، ولا شك أيضا أنه عرف قيمة أن يعقل الإنسان أفعاله وأقواله، فقد كان يمكن أن يبقى لاهيا سادرا في غيه، مقبلا على صنمه، مدبرا عن ربه وخالقه، لو أنه لم يعمل عقله، ولو أن الله لم يهد قلبه إلى نور الإسلام، وهذا ما سيجعله فيما نظن يقبل على عبادة التفكر، ويتقن في الاعتبار، حتى صار صاحب باع طويل في التفكر والتدبر، وكان قد تملكه حب العلم واشتد شوقه الى الحقيقة، وعرف قيمة «فاعتبروا يا أولي الألباب»، فكان رضي الله عنه يحض نفسه وإخوانه على التعلم، والتفكر، وكان دائما يردد أمام سامعيه: «تفكُر ساعة خير من قيام ليلة»، حتي إن أم الدرداء حين سئلت: أي عبادة أبي الدرداء كان أكثر؟ قالت: التفكر والاعتبار.
حرص أبوالدرداء رضي الله عنه على العلم، وكان حرصه على العمل بما يعلم أقوى وأشد، وكان ملازما لسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال عنه الصحابة: «أتعبنا للعلم والعمل أبوالدرداء»، وكان يعلم الناس القرآن الكريم وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحثهم على طلب العلم، ويأخذ بأيديهم الى الصواب، ويقول لأحدهم: «ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وإن تبارى الناس في عبادة الله تعالى».
والذي يقرأ سيرة أبي الدرداء يلحظ أنه ربما لتأخر إسلامه آثر في إقباله على العبادات وإدباره عن الدنيا، كأنه يحاول أن يعوض ما فاته من فضل السبق الذي جازه الذين سبقوه، والقصة التي جرت وقائعها بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي يرويها البخاري لها دلالة واضحة على ما نقول، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد آخى بين أبي الدرداء وسلمان، وذات يوم جاءه سلمان يزوره، فرأى أم الدرداء متبذلة، يدل عليها ثيابها الرثة، ما دفع سلمان لأن يتساءل عن السبب وراء هذا المظهر، فقال سلمان لأم الدرداء: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبوالدرداء ليس له حاجة في الدنيا، وهي تشير الى ان أبا الدرداء يقوم ليله، ويصوم نهاره، وجاء أبوالدرداء مرحبا بأخيه سلمان، فصنع له طعاما، وقرب إليه الطعام، فقال سلمان: كل معي، فقال أبوالدرداء: فإني صائم، قال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل أبوالدرداء، ثم بات سلمان عنده، فلما كان الليل، ذهب أبوالدرداء يقوم فيتهجد ويصلي، فمنعه سلمان وقال: نعم، فنام ثم ذهب يقوم فقال نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن، فصليا، وكانت فرصة سلمان لكي ينصح أخاه النصيحة الغالية في عبادته وفي معاملته لأهله ولنفسه ولجسده فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، ولكن أبا الدرداء أبى إلا أن يستفتي رسول الله فيما قاله سلمان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يقص عليه ما كان من سلمان معه فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق سلمان».