Note: English translation is not 100% accurate
أحياء عند ربهم
زيد بن حارثة.. حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
20 يناير 2012
المصدر : الأنباء
رجل أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه الرسول صلى الله عليه وسلم حبا جعله ينسبه اليه، وهو الصحابي الوحيد الذي ذكر بالاسم في القرآن الكريم لعظم شأنه والمناسبة التي ذكر فيها، وهي مناسبة تشريع يلغي عادة تعارف الناس عليها قبل الاسلام وآن الأوان لإبطالها ووضع علاقات الأبوة والبنوة في وضعها الصحيح.
انه زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب من قبيلة بني كعب، وكانت سعدى بنت ثعلبة في زيارة لأهلها من بني معن بن طيء، وما ان وصلت بابنها الى ديار أهلها حتى أغارت خيل لبني القين بن جاسر على أبيات بني معن وأخذوا زيدا معهم وهو في الثامنة من العمر أو أقل قليلا وباعوه في سوق عكاظ بمكة لحكيم بن خزام ابن أخي السيدة خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
حب ووفاء
أهدى حكيم بن خزام زيدا لعمته خديجة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي وهبته بدورها لزوجها فتقبله منها وأعتقه وأفاض عليه في عطفه وحنانه الكثير، ولم يكن الوحي قد نزل بعد على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان يتنسك في غار حراء وكان زيد يرى من صفات النبي صلى الله عليه وسلم وسجاياه ما يزيده به ارتباطا وحبا.
وفي احد مواسم الحج التقى زيد ونفر من قومه في مكة، فنقلوا اليه حزن والديه ولوعة أهله لفراقه فحملهم سلامه وحنانه وأشواقه لوالديه وقال لهم: أخبروا أبي اني هنا مع أكرم والد.
ولكن أباه ما ان سمع بوجوده وعلم بمكانه حتى صحب أخاه وذهب يجد السير الى منزل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شجعهما على ذلك ما سمعها عن محمد الصادق الأمين، ولما التقيا به قالا: يا بني عبدالمطلب، يا بني سيد قومه أنتم أهل حرم تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سنرفع لك أي سنزيدك في الفداء حتى ترضى.
قال صلى الله عليه وسلم: وما ذاك؟
قالوا: زيد بن حارثة.
قال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟
ثم قال صلى الله عليه وسلم: ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء.
فدعوه، فلما حضر قال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل تعرف هؤلاء؟
قال: نعم هذا أبي وهذا عمي.
قال صلى الله عليه وسلم: فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتي فاخترني او اخترهما.
قال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والأم.
فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟
قال: قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا.
فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحب، وذلك الوفاء أخذ بيده الى حجر الكعبة وقال: اشهدوا ان زيدا ابني يرثني وأرثه.
فلما رأى أبوه وعمه ذلك طابت نفساهما وانصرفا وقد لمسا مقدار ما يلقاه ابنهما من رعاية وتكريم، ومنذ ذلك الحين ظل زيد بن محمد حتى حرّم الله التبني بقوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم) (الأحزاب: 5) وقوله عز وجل: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما) (الأحزاب: 40)، فعاد لزيد اسمه الأصلي: زيد بن حارثة.
طليعة المؤمنين
بعث النبي صلى الله عليه وسلم فكان زيد رضي الله عنه في مقدمة من آمنوا به واتبعوه، وقيل انه اول من أسلم على الاطلاق، وقيل ان اول من أسلمت من النساء خديجة رضي الله عنها ومن الرجال أبوبكر رضي الله عنه ومن الفتيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومن الموالي زيد بن حارثة رضي الله عنه.
هذا الرجل الأسمر شديد السمرة أفطس الأنف الذي تربى في حجر نبي الانسانية صلى الله عليه وسلم، كانت له سجاياه الحميدة التي ارتقت وتهذبت بما أضيف اليها من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ازدادت ارتقاء وسموا بالإسلام، وكان زيد بإجماع من عايشوه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ذا قلب عقول ونظر ثاقب وشجاعة نادرة، وكان أهلا للريادة والقيادة، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدره حق قدره ويقدمه في السرايا والغزوات، (د.محمد بكر اسماعيل: رجال أحبهم الرسول وبشرهم بالجنة، ص76).
زواج موثق بالقرآن
ومن شدة محبة النبي صلى الله عليه وسلم لزيد ورغبته في تكريمه، زوّجه زينب بنت جحش رضي الله عنها وهي ابنة عمته: «ويبدو ان زينب رضي الله عنها قد قبلت هذا الزواج تحت وطأة حيائها ان ترفض شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم او ترغب بنفسها عن نفسه» (خالد محمد خالد، رجال حول الرسول، ص166) او كان في نفسها غضاضة من كون زيد من الموالي بينما هي من الأشراف.
وأيا كان الأمر فإن الحياة الزوجية أخذت تتعثر وتستنفد عوامل بقائها فانفصل زيد عن زوجه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بمسؤوليته نحو الاثنين، زيد وزينب، ويرغب في ان يواسيهما ويتحرج في الوقت ذاته من ان يتزوج زينب فنزل قول الله تعالى (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) (الأحزاب: 37)، فلما تساءل بعض المرجفين: كيف يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من مطلقة ابنه نزل قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم).
القائد المجاهد
وتقديرا من النبي صلى الله عليه وسلم لمواهب زيد وقدراته كان يقدمه في السرايا والغزوات، روى أبوبكر بن شيبة من السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: ما بعث رسول الله زيد بن حارثة في سرية إلا أمّره عليهم ولو بقي ـ أي زيد ـ لاستخلفه ـ أي يجعله خليفة على المسلمين ـ من بعده.
وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات ومع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمّره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن السرايا التي قادها زيد بن حارثة سريته الى قردة في نجد في السنة الثالثة للهجرة في أعقاب غزوة بدر، وهي أول سرية أمّر فيها زيد، وبلغت مغانم المسلمين منها مغانم كثيرة، وفيها قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير أمراء السرايا زيد بن حارثة، أعدلهم بالرعية وأقسمهم بالسوية».
ومن هذه السرايا سريته الى بني سليم في السنة السادسة للهجرة، وسريته في العام ذاته الى العيص على بعد اربع ليال من المدينة، وسريته الى الطرف في العام ذاته ايضا وهي تقع على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة، ثم سريته الى مسمي وهي وراء ذات القرى وكانت بعد الحديبية ثم سريته في العام ذاته الى أم قرنة بناحية وادي القرى على بعد سبع ليال من المدينة ثم كانت سريته الى مدين.
فكل هذه السرايا انما كانت تنطلق من حب جارف لله عز وجل ولدينه ورسوله صلى الله عليه وسلم ورغبة أكيدة في خدمة هذا الدين الحنيف والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وشوق للشهادة في سبيل اعلاء راية التوحيد.
طريق الشهادة
بهذه الروح كان زيد بن حارثة رضي الله عنه جديرا بثقة النبي صلى الله عليه وسلم وبحبه وكان جديرا بأن يكون في مقدمة الثلاثة الكبار الذين اختارهم لقيادة جيش المسلمين في مواجهة جيش الروم في غزوة مؤتة.
كان الروم بإمبراطوريتهم الهرمة قد بدأوا يتوجسون من الإسلام خيفة بل صاروا يرون فيه خطرا يهدد وجودهم، لاسيما في بلاد الشام التي يستعمرونها وتتاخم بلاد هذا الدين الجديد المنطلق في عنفوان واكتساح، وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية وبلاد الشام (رجال حول الرسول، ص167).
وكانت سرية مؤتة حلقة في سلسلة التحديات التي واجهتها الدعوة الاسلامية التي تشق طريقها في ارجاء الجزيرة وكانت هذه السرية في جمادي الأولى سنة ثمان للهجرة، فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لهب الى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة وهي بأدنى البلقاء وهي دون دمشق عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله ولم يقتل لرسول الله رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهو موضع قريب من المدينة، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن أصيب أو قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبدالله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فيجعلوه عليهم»، (الشيخ محمد متولي الشعراوي، غزوات الرسول، ص495).
وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض ودفعه الى زيد بن حارثة وأوصاهم ان يأتوا مقتل الحارث بن عمير وان يدعوا من هناك الى الإسلام فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم وخرج معهم حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم، فلما ساروا في معسكرهم نادى المسلمين: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين.
ومضوا الى مؤتة ووافاهم المشركون فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب، والتقى المسلمون وهم ثلاثة آلاف فقط والمشركون والروم 200 ألف، وقاتل الأمراء على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة رضي الله عنه فقاتل أشد وأشجع ما يكون القتال حتى قتل بالرماح، فحمل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الراية وعرقب فرسه وقاتل حتى قتل، ثم حمل الراية عبدالله بن رواحة وقاتل ببسالة حتى لحق بهما في الشهادة.
وكما أحب النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضي الله عنه فإنه غمر بحبه ورحمته ابنه أسامة بن زيد رضي الله عنه، وكان ينظر اليه كما ينظر الى سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما.