Note: English translation is not 100% accurate
هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في قتال الأعداء
17 فبراير 2012
المصدر : الأنباء
حين بعث أبو بكر رضي الله عنه جيوشا إلى الشام خرج يتبع يزيد بن أبي سفيان فقال: «إني أوصيكم بعشر: لا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تغرقن نخلاً، ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن، ولا تقتلن صبياً، ولا امرأة، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً» وفي رواية: «وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له»لم تعرف الدنيا رئيسا لدولة مثل محمد صلى الله عليه وسلم، ولا غازيا أو فاتحا أرحم منه بمحاربيه ومن يقع في يديه من الأسرى، قد تبدو هذه الحقائق مبالغا فيها إذا لم نذكر لها البينات الشاهدة على صدقها.
لذا نتناول هدي النبي صلى الله عليه وسلم قبل القتال وأثناءه وبعده لنقرأ من ذلك أعظم دروس الإنسانية وأروع قيم الحضارة.
هديه صلى الله عليه وسلم قبل القتال
لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى مخالفيه جميعا نظرة عدائية لا تفرق بين معاهد ومحارب وأهل ذمة، ولم يكن ينقض العهود أو يغدر بأعدائه، بل كان يعامل كل فريق من هؤلاء بمقتضى ما يربط بينهما من علاقات السلم والحرب، وقد لخص العلامة ابن القيم مجمل هديه في ذلك في كتابه زاد المعاد فقال: «ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب وأهل ذمة، فأمر أن يتم لأهل العهد عهدهم، وأن يوفي لهم ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إلى عهدهم، ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل كل من نقض عهده، ولما نزلت سورة براءة ببيان حكم هذه الأقسام كلها فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره بجهاد الكفار فجاهد الكفار بالسيف والسنان والمنافقين بالحجة واللسان.
هذه هي الأحكام التي كانت تنظم علاقته بمخالفيه من مسالمين ومحاربين، المسالمة على شروط معينة، وإعلان للحرب وقبلها مقدمات موضوعية ترجح جانب السلم من دعوة إلى الدخول في الإسلام طواعية، أو دفع الجزية للدولة الإسلامية، فإن أبوا إلا القتال والاستمرار في العناد ومحاربة الدعوة كان لهم ما يريدون.
أثناء القتال
رغم كون القتال عملية تزهق فيها الأرواح وتجرح فيها الأبدان، ويقصد فيها إلحاق أنواع الأذية بالأعداء، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرع لأمته آدابا سامية وضوابط حاكمة على سلوك المقاتل المسلم، توجب عليه مخالفتها عقوبات زاجرة قي الدنيا والآخرة.
فلا يستخدم في الجهاد في سبيل الله إلا الوسائل المشروعة والأساليب النزيهة، فعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: «بعثني رسول الله في سرية فقال: اغزوا باسم الله في سبيل الله لا تغلوا ولا تغدروا».
وعن يحيى بن سعيد قال: حدثت أن أبا بكر رضي الله عنه بعث جيوشا إلى الشام فخرج يتبع يزيد بن أبي سفيان فقال: «إني أوصيكم بعشر: لا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تغرقن نخلا، ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن، ولا تقتلن صبيا، ولا امرأة، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا» وفي رواية: «وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له».
وهذه النصوص وغيرها من دستور العسكرية الإسلامية التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتمل على الأصول الأخلاقية للحرب، وهذه جملتها: الإخلاص والتجرد للأهداف الحقيقية للحرب وترك ما يخالف ذلك من غلول وغدر وثأر وانتقام، والمحافظة على البيئة واجتناب الفساد في الأرض بتحريق الأشجار وقتل الحيوانات لغير ضرورة، وعدم التعرض لغير المقاتلين من النساء والصبيان والشيوخ، والسماحة الدينية واحترام مقدسات الآخرين، بعدم قتل الرهبان والقسيسين ما لم يقاتلوا أو يعينوا على القتال، وعدم التعرض كذلك لبيعهم وكنائسهم بسوء.
أما الذين يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه بتهمة الدموية والهمجية فلا يعرفون هذه الأصول والآداب، ولا يراعونها في حروبهم، «فلقد عهدنا شرائع تعلن للناس أصدق آيات البر والخير والرحمة في تشريعها وفلسفتها وأدبها، حتى إذا حكمت نسيت ذلك كله، وانقلبت إلى أبشع صور الحقد والقسوة والاستهزاء لحقوق الشعوب، والإمعان في سفك الدماء وإثارة الحروب، ولعل أقرب الأمثلة على ذلك في العصر الحديث التناقض الواضح بين مبادئ الثورة الفرنسية وبين أعمال الفرنسيين في البلاد الواقعة تحت حكمهم كبلاد الشمال الأفريقي العربي التي ذاقت ولاتزال تذوق أمر صنوف الاضطهاد والتعسف والإذلال والنكال، ومثل ذلك يقال في الدول الكبرى التي أعلنت شرعة حقوق الإنسان في هيئة الأمم، ثم هي اليوم أول من يدوس حقوق الإنسان ويعتدي على حرماته وكرامته وسيادته، على أرضه ومقدراته.
وأين الحروب الاستباقية، والإبادات الجماعية التي تمارسها الدول الكبرى ضد مخالفيها بدعوى محاربة الإرهاب وتحرير الشعوب وتصدير الديموقراطية، وغيرها من الدعاوى، ولا ترحم فيها صغيرا ولا كبيرا، ولا شيخا ولا امرأة، وتهلك الحرث والنسل، وأين فضائح معتقل غوانتنامو وسجن أبو غريب؟! وغيرها.. نماذج صارخة من سلوكهم وأخلاقياتهم.
بعد القتال
وإذا وضعت الحرب بين الجيشين أوزارها، وصار الفريقان بين غالب ومغلوب، وإذا كانت الغلبة للإسلام ووقع المقاتلون من الأعداء وما بأيديهم في سيطرة المسلمين، وسقطت دولهم أمام جحافل الإسلام طبق الرسول صلى الله عليه وسلم أحكام الإسلام العادلة في أسرى الحروب، والتي تراعي فيها مصلحة الجماعة المسلمة ومعاني الكرامة الإنسانية وملف الأسرى الأمني تجاه المسلمين.
وقد بين فقهاء السيرة النبوية هدي الإسلام وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد القتال، فقالوا: «أما المغلوب عليهم فتحترم عقائدهم ودماؤهم وأموالهم ومعابدهم، وهم في حماية الدولة وحقوق المواطنين، ولا يكلفون إلا بالإخلاص للدولة ودفع مبلغ زهيد يسمى الجزية كانت الأمم الغالبة قبل الإسلام وبعده تفرضه على الأمم المغلوبة، ولاتزال الدول في عصرنا الحاضر تفرضه في كثير من الحالات على أبناء شعبها كضريبة شخصية على الرؤوس».
وقد لخص ابن قيم الجوزية الكلام في هديه صلى الله عليه وسلم في الأسرى فقال: «وكان يمن على بعض الأسرى، ويقتل بعضهم، ويفادي بعضهم بالمال، وبعضهم بأسرى المسلمين، وقد فعل ذلك كله بحسب المصلحة، ففادى أسارى بدر بمال، وقال لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له، وهبط عليه في صلح الحديبية ثمانون متسلحون يريدون غرته، فأسرهم، ثم من عليهم، وأسر ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، ثم أطلقه فأسلم».
وواقع معاملات الرسول صلى الله عليه وسلم مع الأسرى في غزواته مطابق لما قاله هؤلاء العلماء وإليك نبذ من مواقفه الحكيمة من الأسرى من سيرته العطرة:
ـ موقفه من أسرى بدر: وكان عدد أولئك الأسرى سبعين، ولقد استشار فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فاختلف الصاحبان في القضية، فقال أبوبكر رضي الله عنه بأخذ الفدية منهم لمكان قرابتهم، ورجاء دخولهم في الإسلام، وقال عمر رضي الله عنه بقتلهم لسابقتهم في اضطهاد المسلمين، وكان رأي رسول الله مع قول أبي بكر رضي الله عنه، وفي الغد أنزل الله قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ـ الأنفال: 67) ليرجح بذلك ما قاله عمر رضي الله عنه، وكان الفداء يومئذ بأربع مائة درهم إلى أربعة آلاف، وممن فاداهم المطلب بن حنطب، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبوعزة الجمحي.. ومن على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي زينب ويتركها لتهاجر إلى المدينة).
مع بني المصطلق
موقفه من أسرى غزوة بني المصطلق: حيث سبى المسلمون منهم نساء وذرية، كان من بينهم جويرية بنت الحارث بن أبي الحارث سيد بني المصطلق، وكان قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها رضي الله عنها.. فما هو إلا أن علم المسلمون بذلك فقالوا أصهار رسول الله بأيدينا؟ فأعتقوا كل من بأيديهم من الأسرى، وأسلم سائر بني المصطلق.
ـ حكمه على بني قريظة: كان بنوا قريظة في معسكر الأحزاب المتحالفة لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا من قبل في عهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد غزوة الأحزاب مباشرة ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاصرهم خمس وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء، قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة بن عبدالمنذر فأشار إليهم أنه القتل، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فوافقهم على ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي بسعد على حمار، فلما وصل جعلوا يستعطفونه في تخفيف الحكم عليهم، وحكم فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات: بأن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، وكان هذا الحكم في غاية العدل والإنصاف، فإن بني قريظة بالإضافة إلى ما ارتكبوا من جريمة الخيانة، كانوا قد جمعوا لإبادة المسلمين ألفا وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس وحجفة، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.
مع أهل مكة
ـ موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة يوم فتحها: لما فتح النبي مكة وتم سيطرته عليها، وتمكن من صناديدها الذين فعلوا به وبأصحابه ما فعلوا، أمن الناس على أموالهم ودمائهم، إلا طائفة منهم لجرائم ارتكبوها ضد المسلمين، وهم عبد العزى بن خطل، وعبدالله بن سعد ابن أبي سرح، والحارث بن نفيل بن وهب، وعكرمة بن أبي جهل، ومقيس بن صبابة، وهبار بن الأسود، وقينتان كانتا لابن خطل كانتا تغنيان بهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وسارة مولاة لبعض بني عبدالمطلب وهي التي وجد معها كتاب حاطب، فأما ابن أبي سرح فجاء به عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشفع فيه فحقن دمه، وكان قد أسلم قبل ذلك وهاجر، ثم ارتد ورجع إلى مكة، أما عكرمة بن أبي جهل ففر إلى اليمن فاستأمنت له امرأته، فأمنه النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته، فرجع معها وأسلم وحسن إسلامه، وأما ابن خطل فكان متعلقا بأستار الكعبة فجاء رجل إلى رسول الله فأخبره فقال: «اقتله»، فقتله، وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبدالله، وكان مقيس قد أسلم قبل ذلك، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله، ثم ارتد ولحق بالمشركين، وأما الحارث فكان شديد الأذى برسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فقتله علي رضي الله عنه، وأما هبار بن الأسود فهو الذي كان عرض لزينب بنت رسول الله رضي الله عنها حين هاجرت، فنخس بها حتى سقطت على صخرة وأسقطت جنينها، ففر هبار يوم فتح مكة، ثم أسلم وحسن إسلامه، وأما القينتان فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى فأسلمت كما استؤمنت لسارة وأسلمت، وبعد ذلك جمع أهل مكة وخطب فيهم فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده»، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط أو العصا ففيه الدية مغلظة مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها، يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم من تراب، ثم تلا (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ـ الحجرات: من الآية 13)، ثم قال: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم اليوم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم ابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ولا شك أنه لو قتلهم وأخذ أموالهم ما كان لهم بظالم، كيف وهم الذين اضطهدوه وأصحابه، وقتلوا من قتل منهم، وأخذوا أموالهم، وأخرجوهم من ديارهم بغير حق، وقاتلوهم في الدين، وأعانوا على قتالهم، وهجاهم شعراؤهم ونال منهم سفهاؤهم فما أرحمه بأمته وما أرفقه بأعدائه ومخالفيه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.
خضوع لله وشكر بعد النصر والتمكين
إن من عادة ملوك الأرض وسادة العالم أنهم إذا انتصروا في غزواتهم على أعدائهم ومكنوا في الأرض، افتخروا ببطولاتهم، وتلوا الخطب الرنانة في بيان قدراتهم القتالية، ومدحهم الشعراء بالقصائد الرنانة، وتحدثت عن مفاخرهم وسائل الإعلام المختلفة، وكل ذلك لما يعتريهم من نشوة الانتصار، ولما نسوا أو جحدوا بأن النصر بيد الله، ومن ينصره الله فلا غالب له.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سن للفاتحين والغزاة سنة التواضع لله والشكر له بعد نعمة النصر والتمكين، فقد دخل مكة مطأطئا رأسه وخاضعا لله سبحانه، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، وكان يضع رأسه تواضعا لله حتى ان شعر لحيته ليكاد يمس واسطة رحله.
قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري: «ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ دار أم هانئ بنت أبي طالب فاغتسل وصلى ثماني ركعات في بيتها، وكان ضحى، فظنها من ظنها صلاة الضحى، وإنما هي صلاة الفتح».
وكل ذلك امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في سورة النصر إذ يقول جل شأنه: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ـ النصر).