Note: English translation is not 100% accurate
كلمة العدد
تأصيل معنى الوطن والوطنية في القرآن الكريم
7 مارس 2012
المصدر : الأنباء
الشيخ د.عجيل جاسم النشمي رئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي
ان من أخرج من وطنه يستحق نصرة الله له: وذلك في قوله تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) التوبة: 40.
فالأصل أن المرء يعيش في وطنه معززا مكرما، ولا يخرج منه إلا بسبب يحمله على ذلك حملا إما طلب الرزق أو السعة فيه بالتجارة أو طلب العلم ونحو ذلك، وأشد ما يكون ضررا وألما أن يخرج من وطنه جبرا وظلما، والنبي صلى الله عليه وسلم أخرج من بلده مكة جبرا وظلما، فخرج مهاجرا استجابة لأمر الله ونصرة لدينه، رغم ما في الهجرة من آلام نفسية، فاستحق تأييد الله له ونصرته، وهذه النصرة يستحقها كل من قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وامتثل فعله فأخرج أو خرج من أرضه نصرة وإعزازا للدين، متحملا ما في الهجرة من آلام نفسية ومادية في سبيل الله كما قال الشيخ السعدي: الهجرة: مفارقة المحبوب المألوف لرضا الله تعالى فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقربا إلى الله ونصرة لدينه. ومن المعاني القرآنية في الوطن والوطنية: أن حب الوطن والحفاظ عليه قرين حب النفس والخوف عليها من الهلاك: وذلك في قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) النساء: 66، واقترن في موضع آخر بالدين: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) الممتحنة:8، فانظروا كيف كادت درجة الإخراج من الأرض تصل الى درجة إزهاق الروح فلو أن الله أمرهم أن يقتلوا أنفسهم أو أنه أمرهم أن يخرجوا من ديارهم فهو ابتلاء متكافئ لما أقدموا على أي من الأمرين، ومن ذلك مكر الكافرين بالنبي صلى الله عليه وسلم في أمور متكافئة في الظلم والجبروت من الصلب حيا أو القتل أو الطرد من الوطن قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين). قال الطبري: فتأويل الكلام واذكر يا محمد نعمتي عندك بمكري بمن حاول المكر بك من مشركي قومك بإثباتك أو قتلك أو إخراجك من وطنك حتى استنقذتك منهم وأهلكتهم فامض لأمري في حرب من حاربك من المشركين وتولى عن إجابة ما أرسلتك به من الدين القيم ولا يرعبنك كثرة عددهم فإن ربك خير الماكرين بمن كفر به وعبد غيره وخالف أمره ونهيه.
ومن المعاني القرآنية أيضا: أن من حب الوطن الدعاء له بالأمن وسعة الرزق:
ومن ذلك قوله تعالى: )(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) ( البقرة: 126، والآية نص في مشروعية الدعاء وفي تعليم المسلمين والناس عامة الدعاء لأوطانهم فهذا من واجب الوطنية، وخير دعاء الدعاء بالأمن وسعة الرزق كما دعا إبراهيم عليه السلام.
وقوله تعالى: (بلدا آمنا) يعني مكة، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش. ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوة، فإن أمن البلاد والسبل يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبال على ما ينفع والثروة فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام.
قضايا معاصرة
د. وليد خالد الربيع الحكمة ضالة المؤمن (1)
لايزال الناس يحبون الحق والخير والجمال في الأمور المحسوسة والمعنوية، ومما تطرب له الآذان وتستلذ به العقول منطق الحكماء وكلام الأدباء لما فيه من المعاني الجميلة والآداب الرفيعة والمفاهيم العالية والأخلاق السامية.
فالحكمة هي إصابة الحق بالعلم والعقل، وهي العلوم النافعة والعقول المسددة وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال، وهي معرفة الحق والعمل به، قال بعضهم: الحكمة كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيحة.
قال الشيخ ابن سعدي: «الحكمة جمال العلم وآلة العمل، وأقرب الوسائل لحصول المقاصد، الحكمة تهون الصعاب، وبها تندفع العوائق، كم ندم عَجُول طائش وكم أدرك المطلوب متأن رفيق، لا تساس الولايات الكبار ولا الصغار بمثل الحكم، ولا تختل إلا باختلال طريقها.
الحكيم إذا لم يدرك جميع المطلوب تنازل إلى بعضه، وإذا لم يحصل له ما قصده من الخير قنع باندفاع الشر، وإذا لم يندفع كل الشر دفع بعضه وخففه، وإذا لم يكن الصعب الشديد وأمكنه تلطيفه لطفه، يسابر الأمور والأحوال فينتهز فرصها ويأتي الأمور مع كل باب ووسيلة، لا يمل السعي ولا يدركه الضجر والسآمة، قد تلقى الأمور بصدر منشرح وقلب ثابت يقلبها بفكره على كل وجه، ويستعين برأي أهل الخبرة من الناصحين على ما يريده، لا تستفزه البدوات وأوائل الأمور حتى ينفذ فكره إلى باطنها، ولا تغره الظواهر حتى يتغلغل في مطاويها وعواقبها، ومع كثرة تفكيره وتقليبه الأمور من جميع وجوهها ومشاورته عند التوقف والاشتباه لابد أن ينكشف له ما كان خافيا ويتضح له ما كان مشتبها». أهـ
وقد أثنى الله على صاحب الحكمة فقال: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا)، وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللهم علمه الحكمة» قال البخاري: «والحكمة الإصابة في غير النبوة».
وتطلق الحكمة في القرآن على معان منها الموعظة كما قال: (حكمة بالغة فما تغن النذر)، وتطلق على السنة كما قال: «واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة»، وتطلق على الفهم كما قال: (ولقد آتينا لقمان الحكمة)، وتطلق على النبوة كما قال تعالى: (وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب)، وتطلق على اللطف واللين كما قال: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).
وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها» متفق عليه، قال النووي: «معناه يعمل بها ويعلمها احتسابا، والحكمة: كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح».
وأما حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكلمة الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها» أخرجه الترمذي وابن ماجه فهو حديث لا يصح، قال عنه الشيخ الألباني: ضعيف جدا. وقد ضعفه غير واحد من علماء الحديث.
ونقل عن بعض الصحابة الكرام الحث على التماس الحكم والمواعظ والآداب من حيث خرجت والإفادة منها ما دامت صوابا ولا تقتضي باطلا شرعا ولا عقلا ولا عرفا، ففي «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر عن علي رضي الله عنه أنه قال: «العلم ضالة المؤمن فخذوه ولو من أيدي المشركين، ولا يأنف أحدكم أن يأخذ الحكمة ممن سمعها منه»، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: «خذوا الحكمة ممن سمعتموها، فإنه قد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرمية من غير رام»، وعند البيهقي في المدخل عن عكرمة: «خذ الحكمة ممن سمعت فإن الرجل يتكلم بالحكمة وليس بحكيم فيكون كالرمية خرجت من غير رام»، وعنده أيضا عن سعيد بن أبي بردة قال: «كان يقال الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها حيث وجدها»، وعن عبدالله بن عبيد بن عمير قال: «كان يقال العلم ضالة المؤمن يغدو في طلبها، فإن أصاب منها شيئا حواه حتى يضم إليه غيره».
ومعنى «الحكمة ضالة المؤمن» قال النووي: «أي لايزال يتطلبها كما يتطلب الرجل ضالته»، وقال المناوي: «الكلمة الحكمة ضالة المؤمن» أي مطلوبة، فلا يزال يطلبها كما يتطلب الرجل ضالته «فحيث وجدها فهو أحق بها» أي بالعمل بها واتباعها كما أن صاحب الضالة لا ينظر إلى خسة من وجدها عنده.
وقال بعضهم: الجوهرة النفيسة لا يشينها سخافة غائصها ودناءة بائعها.
وعن الإمام مالك أنه بلغه أن لقمان الحكيم أوصى ابنه فقال: «يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء».
من هذا المنطلق تأتي هذه المقالات الموجزة في بيان بعض الحكم التي وردت في كلام الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وما نقل عن بعض الحكماء من باب التناصح والتذاكر وقد قال عبدالرحمن الحبلي: «ليس هدية أفضل من كلمة حكمة تهديها لأخيك»، أسأل الله أن ينفع بها، وبالله التوفيق.
يتبع
أخبار العالم الاسلامي
مسلمو ميانمار.. صرخة من واد سحيق
لم يتصالح الإسلام بعد مع الدولة تماما في هذه البلاد التي تسمى ميانمار وكانت تدعى بورما، لكن المرء لا يحتاج إلى كبير جهد كي يجد بيتا من بيوت الله. أكثر من مائة مسجد تنتشر في أحياء يانغون ـ كما يؤكد أهلها ـ ومئات المدارس الملحقة بها، ولكل مسجد منها قصة وحكاية.
بعد يوم عمل شاق تحت شمس البلاد الحارقة، طلبنا من سائق الأجرة إيصالنا إلى أحد المساجد في العاصمة يانغون بحثا عن مطعم إسلامي، فقد اعتدنا في أسفارنا أن المسلمين يتخذون من جوار المساجد أماكن لسكناهم. وصلنا المسجد بعد صلاة العشاء.. كان بعض المصلين لايزالون في فناء المسجد يتبادلون أطراف الحديث.. استقبلونا بترحاب وحفاوة واصطحبنا أحدهم وهو عبد الغفور في جولة بالمسجد.
عبد الغفور يتكلم العربية ويتحدثها بلسان الزمخشري ويحفظ كتاب الله.. حدثنا عن تاريخ المسجد الذي يعود إلى أكثر من مائة عام، وأشار لنا إلى مقبرة للمسلمين ملحقة بالمسجد، ثم طلب أن نتبعه إلى ما سماه الجامعة التي نعتها بأنها أم الجامعات الإسلامية في يانغون.
قبل أن نهم بصعود درج ضيق للدور الثاني من المسجد، استوقفتنا لافتة كتب عليها باللغة العربية «مدرسة العلوم الإسلامية».. المدرسة عبارة عن قاعتين كبيرتين مفتوحتين على بعضهما، تنبعث من السقف إضاءة خافتة لا يكاد المرء يبصر فيها سطور الكتب. في كل قاعة عدة طاولات دائرية كبيرة بقوائم قصيرة، يتحلق حولها طلبة بأعمار مختلفة يفترشون الأرض، وكل واحدة منها تمثل مجموعة تضم قرابة عشرة أشخاص يمثلون صفا دراسيا. تتناثر على الطاولات نسخ من المصحف الشريف وبعض الكتب القديمة جدا بأوراقها الصفراء كتفسير الجلالين وابن كثير والسيوطي ومشكاة المصابيح.
مسجد السلطان ظفر شاه في يانغون (الجزيرة)
بقايا الخوف
تحدثنا قليلا مع الطلبة الذين لم يتقنوا لغة الضاد بعد، وإن كانوا حفظوا آيات كثيرة من كتاب الله. طلبنا من عبد الغفور السماح لنا بتصوير المدرسة، فأصر على استئذان المدير أولا، لكن المدير اعتذر دون أن يبدي الأسباب.. قدرنا أن بقايا خوف من حكم العسكر لاتزال في الصدور.. اتفقنا مع عبد الغفور وثلة من صحبه على العودة بعد يومين، حيث يصادف يوم الجمعة لتصوير وقائع أداء الصلاة.. ركبنا سيارة أجرة لتقودنا إلى ما تبين لنا أنه مأوى لكبار السن والعجزة من المسلمين.. قاعة كبيرة تنتشر فيها عشرات الأسرة حيث يستلقي كبار السن، وأمامها فناء كبير ومطعم ومصلى.. وعندما طلبنا السماح بالتصوير مرة أخرى اعتذر مدير المركز.
عدنا إلى المسجد يوم الجمعة قبيل أداء الصلاة، حيث بدأ الزميل المصور عمله بتصوير بعض من يتوضأون.. فوجئنا بشاب ملتح يضع نظارات طبية ويبدو عليه أنه على درجة جيدة من الثقافة.. قال بلغة إنجليزية طلقة حازمة وغاضبة: احملوا هذه الكاميرات واخرجوا من المسجد حالا فوجئنا بالأمر وبهذا السلوك الذي لا ينسجم مع طبيعة أهل البلاد بشكل عام، ولا مع ما لمسناه من مسلميها من رقة ولين.. حاولنا تهدئة الرجل والاستفسار منه عن السبب، لكنه ازداد ثورة وصراخا وتلويحا بسبابته في وجهنا قائلا «عندما يتعلق الأمر بالشريعة فلا مجال للنقاش.. التصوير حرام وانتهى الأمر.. اخرجوا الآن».
ارتبك عبد الغفور وصحبه دون أن ينبسوا ببنت شفه، مما يدل عل أن الرجل الغاضب يتمتع ببأس ونفوذ.. أومأ لنا عبد الغفور فتبعناه.. استوقف أول سيارة أجرة وقال: هيا بسرعة كي نذهب إلى مسجد آخر.. اعتذر بلطف واقتضاب متمتما: «إنه من المتشددين»، ولم يزد على ذلك. كان الطريق قصيرا.. وصلنا إلى مسجد «ظفر شاه» والمصلون يهمون بإقامة الصلاة.
الحاج يو.أي لوين أثناء درس وعظي (الجزيرة)
ظاهرة جديدة
وهنا حدثنا رئيس المجلس الإسلامي في ميانمار الحاج يو.أي لوين عما أسماه «ظاهرة جديدة تنتشر في أوساط المسلمين»، وهي «ظاهرة التشدد والتطرف الديني التي تتسرب إلينا من دول الجوار».
حدثنا الرجل ذو الثقافة الواسعة عن تاريخ المسجد الذي قال إنه أنشئ قبل نحو قرن ونصف، وإنه ملحق بضريح آخر سلاطين المغول في الهند، وعن تاريخ دخول الإسلام البلاد إبان حكم الخليفة هارون الرشيد «وفق وثائق تاريخية مؤكدة»، وذلك عبر بواخر التجار العرب التي كانت ترسو بموانئ منطقة أراكان جنوب البلاد، وفيها أقاموا مملكة استمرت ثلاثة قرون وتعاقب على حكمها 48 ملكا.
يسمونهم هنا الروهينغا ولايزال معظمهم يقطنون جنوب وجنوب غرب البلاد، خاصة في إقليم أراكان وراكين وفي مدينة ماندلاي، ويشكلون في بعض المناطق أغلبية. تقدر أعدادهم بنحو ستة ملايين نسمة (4% من عدد السكان)، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى أن نسبتهم قد تصل نحو 20%.
يعتقد بأن جذورهم تعود إلى أصول عربية من اليمن والحجاز، بالإضافة إلى أقليات فارسية وبنغالية وهندية.. تعرضوا للاضطهاد والقتل والتهجير الجماعي لدول الجوار كبنغلاديش وتايلند، لكن الحكومة تقول إن تلك النزاعات تقوم على أساس قومي لا ديني، وتتذرع بأن معظمهم ينحدرون من أصول بنغالية وتحاول إعادتهم قسرا إلى «بلادهم».. حملوا السلاح أحيانا للدفاع عن حقوقهم وعن وجودهم، وشكلوا جماعات مسلحة منها منظمة تضامن الروهينغا.
صرخوا كثيرا وظل صراخهم في واد سحيق وسط تجاهل تام من إخوانهم في الدين في شتى بقاع الأرض.. هاجر عشرات الآلاف منهم إلى الخارج وبعضهم إلى دول الخليج، وبرز منهم مقرئون معروفون، وغالبيتهم العظمى من السنة الأحناف. إلا أن العديد من التيارات والمدارس الفكرية بدأت تتسرب من دول الجوار وتنتشر بينهم. وهناك حضور ونفوذ قوي لجماعة التبليغ.
بدأت بعض المنظمات العربية والإسلامية مؤخرا تمد يد المساعدة لهم، حيث يقدم لهم الأزهر ست منح دراسية سنويا، وتقدم لهم بعض الجمعيات الخليجية منحا للحج، لكنهم يشتكون من أن مثل هذه المنظمات ترهقهم بطلب أطنان من الأوراق والوثائق الرسمية، متجاهلة أوضاعهم وطبيعة نظام الحكم في بلادهم، كما يقولون.
المصدر: الجزيرة نت
فقه النوازل في الفقه الإسلامي وضوابطه (2 - 2)
د.عصام خلف العنزي
انتهينا من تحديد مفهوم النوازل لغة واصطلاحا ولنا في المعنى الثاني بعض الوقفات.
الاجتهاد: هو بذل الوسع في نيل حكم شرعي علمي بطريق الاستنباط.
والفرق بين الإفتاء والاجتهاد: ان الإفتاء يكون فيما علم قطعا أو ظنا، أما الاجتهاد فلا يكون في القطعي. كما ان الاجتهاد يتم بمجرد تحصيل الفقيه الحكم في نفسه، ولا يتم الإفتاء إلا بتبليغ الحكم للسائل، والذين قالوا إن المفتي هو المجتهد، أرادوا بيان ان غير المجتهد لا يكون مفتيا حقيقة، وان المفتي لا يكون إلا مجتهدا، ولم يريدوا التسوية بين الاجتهاد والإفتاء في المفهوم.
لذلك كانت كتب الفتاوى تمثل الناحية التطبيقية العملية من الفقه، وتظهر نتائج المبادئ النظرية والأحكام المقررة، ومدى ملاءمتها للمصلحة التطبيقية عند وقوع الحوادث غير المتوقعة، وهي أيضا مصدر صالح للوقوف على النصوص الفقهية في الحوادث المتوقعة كل وقت، لأن الحوادث المتأخرة كثيرا ما تتشابه مع وقائع الماضي.
المعنى الثالث للنوازل عند الفقهاء المعاصرين: من خلال مدارسة الموضوع، وتتبعه في الكتب المعاصرة التي صنفت في فقه النوازل اتضح ان النازلة عند العلماء المعاصرين تطلق على المسألة التي تتصف بالآتي:
1 - ان يكون شأنا عاما، أي يتعلق ويمس عددا كبيرا من المجتمع، أحيانا يمس عموم الأمة، لذلك كان هذا الأمر نازلة، لما فيه من الشدة على الأمة حاجتها لمعرفة الحكم الشرعي فيه، أما ما كان شأنا خاصا فإنه لا يسمى نازلة، وانما يكون هذا الشخص طالب فتوى يريد جوابا على مسألته. ومن تتبع قرارات المجامع الفقهية وجدها تناقش أمورا عامة يحتاج اليها العدد الكبير من الناس.
2 - إن كون الأمر يسمى نازلة يحتاج الى جهد جماعي للوصول الى الحكم الشرعي فيه، فالنازلة تحتاج الى مجامع فقهية وعقد مؤتمرات لكي يناقش الأمر من جميع جوانبه الفنية والشرعية، ولا مانع من ان يسبق هذا القرار بفتاوى فردية مما يستدعي النظر في الأمر بشكل أعمق، لأن عادة ما تكون هذه الفتوى متعارضة فيحتاج الناس الى قول ورأي فصل في الموضوع.
3 - ان تكون النازلة متكررة الحدوث، لذلك يحتاج الناس الى معرفة الرأي الشرعي فيها، حتى لا يقع الناس فيما يخالف أمر الله، مما يستدعي بحث الموضوع وآثاره التي تترتب عليه.
4 - أحيانا تكون النازلة قد تم بحثها عند العلماء السابقين، والأحكام الفقهية واضحة فيها، إلا أن ما صدر عن العلماء السابقين كان نتيجة ظروف معينة وأعراف مستقرة في زمانهم، فتختلف تلك الظروف والأعراف، كما تختلف حاجات الناس تبعا لتطور المجتمع وتأثره بالبيئة التي تحيط به، مما يستدعي تغيير الحكم في تلك المسألة التي نظر فيها الفقهاء السابقون وفق ظروفهم وحاجتهم.
5 - أحيانا تكون النازلة طارئة أي ليست مستمرة، وإن كان هذا الطروء متكررا، ونقصد بهذا ان الأمر الطارئ يحتاج في الغالب الى أحكام استثنائية تخص هذا الظرف أو هذه الواقعة، وهذا مقرر في الشرع كما في الجوائح إذا أصابت الثمر أخذت حكما استثنائيا، وهو ان يضع عن المشتري جزءا من الثمن كما عند المالكية والحنابلة، وكذلك فسخ عقد الإجارة للأمر الطارئ عند الحنفية.
فالنازلة في هذه الحالة تحتاج الى النظر في المصالح والمفاسد ومآلات الأفعال والقواعد العامة للشرع بسبب الوضع الاستثنائي للنازلة. وهذا كله في الغالب يترتب حكما استثنائيا يخص النازلة ينتهي هذا الحكم بانتهاء النازلة أو لا يتعدى هذا الحكم ظروف وشروط تلك النازلة.
6 - لا يشترط في النوازل المعاصرة ان تكون واقعة، بل أحيانا تكون النازلة متوقعة، ولها أثر أو ضرر على عموم الناس، فتحتاج الى أحكام استثنائية لمعرفة الحكم الشرعي إن وقع، أو الحكم الشرعي في الوسائل الاحترازية التي تتخذها الدول أو المنظمات لمسألة قد تقع في المستقبل كالأوبئة مثلا للحد من انتشارها، وهذا يخضع للقواعد العامة، فالوسائل تأخذ أحكام المقاصد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا كان حفظ أنفس الناس خشية انتشار الأمراض واجبا، فالوسائل تأخذ هذا الحكم، إلا أنه يجب النظر في هذه الوسائل هل هي مشروعة أم لا، وهذا النظر يعتبر نظرا في أمور لم تقع بعد.
هذه بعض صفات النازلة التي يتحدث عنها العلماء المعاصرون، فالنازلة تطلق على «بيان الحكم الشرعي في مسألة عامة تتطلب اجتهادا جماعيا».
وقد ذكر بعض الأفاضل ان من شروط النازلة ان تكون مستجدة وواقعة غير متوقعة، وقد بينت ان هذا ليس بشرط، فالنازلة قد تكون وقعت فيما مضى إلا أن بعض الظروف المحيطة بهذه النازلة قد تغيرت مما يستدعي تغيير الحكم الشرعي فيها، كما ان بعض النوازل المتوقعة أهم أحيانا من بعض النوازل الواقعة، فكان النظر فيها ومعرفة الحكم الشرعي فيها مهما جدا وأولى بالنظر من غيره، وأحيانا يطلق العلماء المعاصرون على النوازل المستجدات.