Note: English translation is not 100% accurate
شخصيات لا تنسى
الإمام الأوزاعي.. صراحة تفحم «السفاح»
18 مايو 2012
المصدر : الأنباء
حين سقطت الدولة الاموية وابتدأ عهد بني العباس، تطلع المسلمون الى عصر مشرق بالعدالة، وقد قام الدعاة في كل مكان يعددون مثالب الامويين وفظائعهم على الاسماع، لاعنين ومبشرين بزمان صالح يتزعمه رجال يهدون الى الحق وهم به يعدلون.
لكن سرعان ما اصبح الذين اعطوا الناس ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ان يحكموا بما انزل الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمعنون في الغدر وسفك الدماء.
وكان اشد بني العباس عصفا بالأرواح وهيجانا للشر، وزلزلة للسكن «عبدالله بن علي» عم امير المؤمنين ابو العباس عبدالله بن محمد بن علي حتى وصفته بعض الروايات التاريخية بالسفاح اذ انه احق بهذا اللقب من ابن اخيه.
هذا العم اعتقد انه ظل الله في ارضه، يعز من يشاء ويذل من يشاء، وقد انهزم آخر الخلفاء الأمويين مروان بن محمد على يده في معركة الزاب، فعد ذلك مبعث فخر متطاولا، ورأى نفسه صاحب الامر الحقيقي.
خريج مدرسة الصحابة
وعز على أهل الشام ان يفتك بالناس لمجرد الشبهة، فكل من كانت له صلة ما ببني امية لقي حتفه من عبدالله، وتهامس المتهامسون مستائين، وجاءت الأنباء لعبدالله بن علي، فرأى ان يسكت الناقدين باسم الدين، وان يكون ذلك على رؤوس الاشهاد، وذلك بأن يستفتي فقيه الشام وعالمها الإمام الكبير الاوزاعي في دماء بني امية واموالهم، ولن يجرؤ الفقيه، في ظن الطاغية، على ان يفتي بما يخالف هواه، وهو يرى السيوف تبرق، والدماء تسيل.
كان الإمام الأوزاعي صاحب مهابة وجلال، وله في الفقه امامة ذات صدارة، فقد تخرج في مدرسة الصحابة من امثال ابي عبيدة بن الجراح وبلال وشرحبيل رضي الله غنهم، ممن كان لهم بديار الشام مقام، واخذ العلم عن عطاء وابن سيرين ومكحول والثوري، وروى عنه جماعة من مشيخة الفقهاء ممن كانوا في طبقة اساتذته كقتادة والزهري.
هو عبدالرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي من قبيلة الاوزاع.. ولد في بعلبك سنة 88هـ ونشأ في البقاع، وسكن بيروت وتوفي فيها.
ويعتبر الامام الاوزاعي امام اهل الشام حيث لم يكن بالشام اعلم منه، ومن بيروت انتشر مذهبه في بلاد الشام، ثم في المغرب والاندلس حيث ظل الفقهاء يأخذون به مدة اربعين سنة، وكان قاضي الجماعة على مذهب الامام الاوزاعي، وقد ادخل صعصعة بن سلام هذا المذهب الى الاندلس اثناء انتقاله اليها، ثم ادخل زياد بن عبدالرحمن القرطبي الملقب بـ «شبطون» المذهب المالكي في ايام الامير هشام الأول بن عبدالرحمن، واخذ المذهب المالكي ينتشر في الاندلس على حساب مذهب الاوزاعي، حتى اصبح القضاء والفتوى في الاندلس على المذهب المالكي زمن الامير الحكم بن هشام.
حوار غاضب
احضر عبدالله بن علي كبير علماء الشام وإمام الفقه في الاقليم فهش للقائه حين اقبل، واجلسه في صدر المجلس وكأنه يحاول بالترحيب به ان يميله الى حاشيته، ثم بدأ فتكلم عن مآثم بني امية وما صنعوه بالحسين وآل البيت، عليهم السلام ثم ما قام به ولاتهم من امثال الحجاج وعمر بن يوسف وعبدالله بن زياد من ارهاب وطغيان، واتجه بالسؤال الى الإمام الأوزاعي فقال: يا اوزاعي ما تقول في ثورتنا على الامويين؟ فرد الشيخ في صرامة قائلا: قال صلى الله عليه وسلم «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فتغير وجه عبدالله وظهر الغضب عليه، ولكنه كظم غيظه وسأله متجهما: وما قولك في دماء بني أمية؟ فلم يلبث ان هتف الشيخ بالرأي الصريح: قد كانت بينك وبينهم عهود، وكان من الواجب شرعا ان تفي بها، فلم يتمالك الطاغية ان صاح وقد اشرأبت اعناق القوم: اجعلني وإياهم لا عهد بيننا.
فنظر الإمام الأوزاعي في حدة ثم صاح: دماؤهم عليك حرام، فثارت ثائرة عبدالله وهمّ ان يبطش بالشيخ لكنه فضل ملاينته ليتراجع قليلا، فاصطنع الهدوء وقال للأوزاعي وما دليلك يا شيخ الشام؟ فلم يمهله الإمام الأوزاعي ان هتف في اعتداد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه: المفارق للجماعة».
تعقد المأزق واسود وضاقت الدنيا في وجه عبدالله، ثم رأى ان يتراجع عن الدماء ويسأل عن الأموال، فقال في استخذاء: وما رأيك في أموالهم؟
وهنا أجاب الإمام الأوزاعي في هدوء مستقر واطمئنان لا يتزعزع: ان كانت اموالهم في ايديهم حرام فهي حرام عليكم ايضا، وان كانت حلالا فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.
انتشر في الناس حوار الإمام الأوزاعي، لكن الطاغية شغل عنه بالعبء الفادح، اذ جاءه النبأ موت امير المؤمنين ومبايعة ابي جعفر المنصور، وكان يرى لنفسه الامر، فيهيج هائجه ويهيئ الجنود لمقاتلة المنصور زاحفا بكتائبه المتراصة، ويرميه ابوجعفر بأبي مسلم الخراساني، وتدور الدائرة على طاغية الشام.
مضت الأيام وعاش الإمام الأوزاعي مبجلا مهيبا في دمشق، ثم ارتحل الى بيروت فأقام فيها حيث جاءه اليقين فنفر الناس الى تشييع جنازته متزاحمين، وتطلع عامل المدينة ليرى الجند المتزاحم خلف نعشه فيقول في تعجب: رحمك الله يا أبا عمرو، فقد كنت أخافك أكثر من أمير المؤمنين.