Note: English translation is not 100% accurate
رحابة صدر الرسول صلى الله عليه وسلم في السؤال والجواب
25 مايو 2012
المصدر : الأنباء
كان النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المسؤول الذي يقصده المسلمون، يسألونه، ويستفتونه صلى الله عليه وسلم في أمور دينهم ودنياهم، وكثيرا ما كان القرآن الكريم يتكفل بالإجابة، كما نرى في الآيات الآتية:
٭ (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين.. ـ المائدة: 4).
٭ (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو.. ـ الأعراف: 187).
٭ (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول.. ـ الأنفال: 1).
ونلاحظ أن أغلبية آيات «السؤال» مدنية، وأن سورة البقرة ـ وهي أولى السور المدنية نزولا ـ هي أعمر السور بالأسئلة والأجوبة، إذ كان المسلمون يتطلعون إلى معرفة الكثير في المجتمع الإسلامي الجديد، الذي كان يمثل الأساس القوي للدولة الإسلامية الوليدة.
وإذا لم يقدم القرآن الكريم الجواب على ما يطرحه المسلمون من أسئلة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وكان يعطي لكل سؤال حقه من الإجابة: إيجازا، أو تفصيلا، صراحة أو ضمنا، تبعا لمقتضيات الحال، وتأتي الإجابة دائما شافية كافية، بحيث لا يترك النبي صلى الله عليه وسلم من يسأل، وفي نفسه أثارة من حرج، أو أثارة من جهل لأي جانب من جوانب الموضوع الذي يسأل عنه:
سأله رجل ذات مرة: يا رسول الله: أستأذن على أمي؟ فقال: نعم. قال الرجل: إني معها في البيت. قال: استأذن عليها. قال الرجل: إني خادمها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استأذن عليها، أتحب أن تراها عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها».
هكذا بصدر رحب، وإنسانية ضافية، يقنع الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل مثيرا فيه عاطفة «البنوة» التي تكره، وترفض أن ترى من الأم ما يسيء إليها وإليه.
فكان اتساع صدره صلى الله عليه وسلم لأسئلة المسلمين ـ أيا كان نوعها ووجهتها ـ وحرصه على الإجابة عنها، معلما من أهم معالم منهجه في تربيتهم.
تجاهل العارف!
وكان صلى الله عليه وسلم أحيانا يضع نفسه موضع السائل، على سبيل ما يسمى «بتجاهل العارف»، والمسلمون يجيبون، فإن كانت الإجابة سديدة أقرها، وإن كانت غير سديدة قومها، وأبان عن الصواب، وإن كانت ناقصة جبر ما فيها من نقص، ومن الأمثلة في هذا المقام:
٭ روى معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن قال له: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. قال معاذ: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله».
ومن الأسئلة التي وجهها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين، وجاءت إجاباتها غير سديدة، فطرح عليهم الجواب الصحيح: سؤاله عن الصرعة، فكان الجواب: انه ذلك الذي يغلب هذا ويصرع ذاك. فقال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب».
وكانت إجابتهم عندما سألهم عن المفلس: انه من لا درهم عنده ولا متاع، فيدلهم على الجواب السديد بقوله: «إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار».
الأسئلة المنتجة!
والسنة الشريفة حافلة بهذا اللون الذي يقوم على طريقة «السؤال والجواب»، وسواء أجاءت إجابة المسلمين كاملة شافية، وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم ناقصة وأكملها، أو غير سديدة وطرح البديل الصحيح، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يخلص من ذلك إلى القيمة الدينية، أو الخلقية، أو الحقيقة الاجتماعية، أو الدرس النفسي الذي حرص على أن يعيه المسلمون بهذه الطريقة في التعليم والتربية.
ومن أسس هذه الطريقة «طرح الأسئلة المنتجة»، التي يصل بها المعلم ـ عن طريق تلاميذه ـ إلى حقائق الدرس ودلالاته، سواء أكانت حقائق جزئية تفرزها كل مرحلة من مراحل الدرس المختلفة، أم حقائق كلية يخلص إليها بعد انتهاء الدرس.
ومن أهم قواعد هذه الطريقة كذلك أن يحرص المعلم على إثارة كوامن المعارف والخبرات المختزنة عند التلاميذ، للانتفاع بها في الوصول إلى الحقائق المطلوبة.
نعم كانت «الطريقة الاستنباطية» جزءا مهما في المنهج التربوي المحمدي، ذلك المنهج الذي كان يهدف ـ دون تعنت أو تعسف ـ إلى خلق المسلم الصالح الذي يجمع في حياته بين الدين والدنيا، وبين العلم والعمل، وبين الحق والواجب.