Note: English translation is not 100% accurate
جند الله
أسد بن الفرات الفقيه الذي أصبح أمير البحار
27 يوليو 2012
المصدر : الأنباء
ليلى الشافعي
قصة هذا الفقيه الذي تحول الى أمير من أمراء البحار، لولا انها تقوم على وقائع تاريخية ناصعة لقلنا انها أسطورة نسجتها تهاويل الخيال فلم يحدثنا التاريخ عبر عصوره المختلفة عن قاض قام بعمليات عسكرية في البحر أو البر وخاض المعارك مخططا ومنفذا دون ان يأبه بالمنايا، أو يعبأ بالأهوال أو يهاب المخاطر.
ولكن أسد بن الفرات مفتي القيروان في عهد حكومة الأغالبة في تونس جعل من عبقريته العسكرية آية تبهر القادة العسكريين وتأخذ ألبابهم بالدهشة والإعجاب لذكائه وبراعته ولوذعيته في ادارة المعارك والتفوق في فنون القتال.
نشأ أسد في نيسابور، ووالده محمد بن الأشعث الخزاعي من القادة العسكريين العظام، وقد ولد أسد بحران البلدة التي ولد فيها الإمام أحمد بن تيمية، وكان مولد أسد في سنة اثنين وأربعين ومائة، وبعد سنتين من مولده أصدر أبوجعفر المنصور قرارا بتعيين والد أسد واليا على تونس، فانتقل اليها من حران هو وأسرته.
ونما أسد في رعاية والد مشغولا بالفتوحات واعداد الجند والتخطيط لفتح الجزر القريبة من تونس، وقد سمع من أبيه الكثير عن خطط الفتح مما رسب في وجدانه الغض حب الجندية والاشتراك في المعارك، ولكن والده أراد ان يكون ابنه فقيها، فأرسله الى المدينة المنورة ليتتلمذ على الإمام مالك رضي الله عنه فكانت أول مدرسة انتظم فيها أسد بن الفرات هي مدرسة مالك فقد حفظ القرآن ثم حفظ الموطأ وعايش التابعين وأخذ منهم، أو تلقى عليهم تاريخ العصر النبوي وبطولات الصحابة وتضحياتهم، وكان حاضر البديهة سريع الحفظ لماح الفهم تختزن واعيته الباطنة كل يوم رصيدا ضخما من المعارف والبدائع.
بعد ذلك قام برحلة علمية طاف خلالها ببلاد كثيرة في مقدمتها بغداد ومصر، وهل من روافد علمائها ما زاده معرفة بالفقه والأحكام الشرعية، ثم صنف كتابا من فقه مالك سماه «الأسدية» وكان أول منصب تولاه هو قضاء القيروان، فقد أسند اليه هذا المنصب ابراهيم بن الأغلب ثم عينه زيادة الله بن الأغلب قاضي القضاة أي مفتي تونس.
وكان أسد بن الفرات رغم هذه المناصب القضائية، وما تنطوي عليها من تبعات يخرج الى البحر ويلتقي بربابنة السفن ويتدرب على عمليات القتال في البحر، مما جعل زيادة الله يتوسم فيه عبقرية عسكرية فكلفه بالقيام بحملة عسكرية لفتح قوصرة وحققت الحملة نجاحا ساحقا، وتم فتح قوصرة على يد المفتي أسد بن الفرات أما العمل العسكري الكبير فقد كان فتح صقلية وكانت هذه الجزيرة تتبع الدولة الرومانية الشرقية، وقد أسند زيادة الله بن الأغلب الى أسد بن الفرات هذا العمل، وذلك في ربيع الأول سنة 212 هـ - 827م، وللمرة الثانية يخرج أسد بن الفرات على رأس حملة عسكرية تتكون من 900 فارس، و10 آلاف راجل وصل الأسطول في الهزيع الأخير من الليل الى ثغر مازر بالقرب من الجزيرة، وما كادت الشمس تطلع من الأفق وترسل أشعتها الذهبية على ماء البحر، حتى كبر اسد بن الفرات، وكبّر المسلمون ورفرفت الأعلام حاملة عبارة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وبدأ القتال عنيفا شرسا، الروم بقيادة زعيمهم «بلاطه» يذودون عن الجزيرة والمسلمون بقيادة أسد بن الفرات يتدافعون كأمواج البحر مكبرين ومهللين وكأنهم يتعجلون الشهادة. وقد استطاع المسلمون حصار الجزيرة من كل جانب وكانت خطة أسد بن الفرات ان يقطع الامدادات عن «بلاطه» وجيشه. ونفذ هذه الخطة ببراعة فائقة، ولكن حدث شيء لم يكن في الحسبان، فقد أصيب المسلمون بالطاعون بعد مرور سنة من القتال، وقضى أسد بن الفرات نحبه بعد ان خلف سيرة زكية تفوح بعطر البطولة والتضحية والفداء.