Note: English translation is not 100% accurate
فاعتبروا يا أولي الابصار
ذو القرنين.. الملك الصالح: ما مكني فيه ربي خير
28 يوليو 2012
المصدر : الأنباء
ليلى الشافعي
قصص معبرة وحكايات مؤثرة ليس الغرض من ذكرها مجرد التسلية والاستمتاع بما فيها من غرائب وعجائب انما المقصود الاعتبار بها والاتعاظ منها والانتفاع بما فيها من دروس وفوائد.
اتخاذ الاسباب والتمكين في الارض، هما السمة البارزة في قصة الحاكم الصالح ذي القرنين. وان كنا لا نعرف من هو تحديدا الا انه عبد اعطاه الله تعالى العلم والحكمة، وألبسه الهيبة والوقار، فما يخبرنا القرآن عنه انه رجل مؤمن، مكن له الله في الارض، وهيأ له اسبابه، ويسر فتوحاته. لقد بلغ ملك ذي القرنين تمام القدر المعمور من الارض، فوصل الى اقصى المغرب بدليل قوله تعالى: (حتى اذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة) «الكهف: 86» وأيضا بلغ ملكه اقصى المشرق بدليل قوله عز وجل: (حتى اذا بلغ مطلع الشمس) «الكهف: 90».
بدأ ذو القرنين التجوال بجيشه في الارض، ليس طلبا للملك، ولا استعلاء على خلق الله، ولا سحقا للشعوب الضعيفة، بل داعيا الى الله، مطبقا لمعاني الحق والعدل والمساواة، فاتجه غربا، حتى وصل الى المكان الذي تبدو فيه الشمس وكأنها تغيب من ورائه، وربما يكون هذا المكان هو شاطئ المحيط الاطلسي، حيث كان يظن الناس ألا يابسة وراءه. وهنا اوضح الملك الصالح منهجه في الحكم، والذي يقوم على اعلاء شأن الصالحين وتقريبهم فأعلن انه سيعاقب المعتدين الظالمين في الدنيا، اما من آمن فسيكون محل اكرامه.
يأجوج ومأجوج
بعد ان انتهى ذو القرنين من امر الغرب، توجه الى الشرق فوصل الى اول منطقة تطلع عليها الشمس، وكانت ارضا مكشوفة لا اشجار فيها ولا مرتفعات تحجب الشمس عن اهلها، فحكم ذو القرنين في المشرق بحكمه في المغرب نفسه، ثم انطلق ووصل في رحلته، الى قوم يعيشون بين جبلين او سدين بينهما فجوة، (حتى اذا بلغ بين السدين): اي الجبلين، (وجد من دونهما) اي السدين: قال ابن كثير: «هما جبلان متناوحان ـ متقابلان ـ بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادا ويهلكون الحرث والنسل». (قوما لا يكادون يفقهون قولا): اي امة من الناس لا يفقهون اقوال ذي القرنين لقلة فطنتهم، وبعدهم عن لغات غيرهم، (قالوا ياذا القرنين ان يأجوج ومأجوج مفسدون في الارض) اي اشتكوا الى ذي القرنين من ظلم هذين الشعبين الظالمين يأجوج ومأجوج الذين افسدوا ارضنا بالقتل والتخريب وسائر وجوه الافساد المعلوم من البشر. (فهل نجعل لك خرجا على ان تجعل بيننا وبينهم سدا) اي: اجرا عظيما ومالا جزيلا تأخذه منا بطيب نفس بغرض ان تبني لنا سدا بيننا وبين اعدائنا المفسدين، ولتأدبهم في عرضهم المال على ذي القرنين استخدموا اسلوب الاستفهام. قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على اتخاذ السجون، وحبس اهل الفساد فيها، ومنعهم من التصرف لما يريدونه. فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح: (قال ما مكني فيه ربي خير) اي ان الذي اعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان عليه السلام (أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم. بل انتم بهديتكم تفرحون) «سورة النمل: 36» وهكذا قال ذو القرنين: الذي انا فيه خير من الذي تبذلونه. (فأعينوني بقوة): اي ساعدوني بالايدي العاملة.
بناء السد
استخدم ذو القرنين وسيلة هندسية مميزة لبناء السد، فقام اولا بجمع قطع الحديد ووضعها في الفجوة حتى تساوى الركام مع قمتي الجبلين، ثم اوقد النار على الحديد وسكب عليه نحاسا مذابا ليلتحم وتشتد صلابته، فسدت الفجوة، وانقطع الطريق على يأجوج ومأجوج، فلم يتمكنوا من هدم السد ولا تسوره، وأمن الضعفاء من شر الآثمين الاقوياء. بعد ان انتهى ذو القرنين من هذا العمل، لم يسكن الغرور قلبه، فنظر الى السد وحمد الله على نعمته، ورد الفضل والتمكين والتوفيق الى الله وحده. نعم خاض ذو القرنين حروبا، لكنها استهدفت كرامة الانسان وتخليصه من الشرك والخرافة، وازالة الظلم واقامة العدل في دنيا الناس. جاء في تفسير الظلال «وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي القرنين، الانموذج الطيب للحاكم الصالح، يمكنه الله في الارض، وييسر له الاسباب، فيجتاح الارض شرقا وغربا، ولكنه لا يتجبر ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ من الفتوح وسيلة للغنم المادي، واستغلال الافراد والجماعات والاوطان، ولا يعامل البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخر اهلها في اغراضه وأطماعه، انما ينشر العدل في كل مكان يحل به، ويساعد المتخلفين، ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم القوة التي يسرها الله له في التعمير والاصلاح، ودفع العدوان واحقاق الحق، ثم يرجع كل خير يحققه الله على يديه الى رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في ابان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع الى الله.