Note: English translation is not 100% accurate
حياة فقيه
محدث الشام العلامة الألباني
7 أغسطس 2012
المصدر : الأنباء
إعداد: ليلى الشافعي
خبر الوفاة
وفي اليوم التالي، وبعد صلاة الجمعة بنحو ساعتين اتصلت من الرياض ببيت شيخنا مطمئنا عليه، فجاءني الخبر من حرمه الوالدة الكريمة أم الفضل ـ ألهمها الله الصبر وكتب لها الأجر ـ تخبرني ان الشيخ على ما هو عليه مما رأيته فيه قبل أقل من يومين!
وجاء اليوم الموعود (إذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون).
وصلينا المغرب في «جامع الديرة» في مدينة الرياض، وأمنا في الصلاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي بلاد الحرمين، والتقيت في المسجد عددا من الاخوة الأفاضل، منهم الشيخ عبدالعزيز السدحان ـ بارك الله فيه ـ فعرفني بعد الصلاة بسماحة المفتي وسلمت عليه، ورحب بي، ثم سألني الاخ السدحان عن الشيخ ناصر ـ كعادة جل من يراني سفرا وحضرا ـ فأجبته بأن وضع شيخنا مستقر ـ على ما فيه من مرض ـ ونسأل الله له القوة.
ولم نكن لندري ـ هذه اللحظات ـ ان شيخنا الآن يموت.. أو مات.
وكان بين العشاءين ـ قريبا من المسجد ـ مجلس علمي جمع بعض الاخوة الأفاضل من طلاب العلم، ومن حسن توفيق الله سبحانه ان هذا المجلس كان حول شيخنا وجهوده العلمية، وكان السؤال الأول من صاحب المنزل متعلقا بما يثيره البعض من اتهام شيخنا بالارجاء، ومخالفة أهل السنة في مسألة الإيمان، فأجبت عن ذلك ـ بفضل الله ـ أجوبة قوية مستقاة من كبار أئمة العلم قديما وحديثا، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم، ومن سار على مثل ما هما عليه من العلم والإيمان، مبينا ان منهج شيخنا مؤتلف معهم غير مختلف، ومتفق غير مفترق.
وما ان أنهيت السؤال الأول.. وقبل البدء بالسؤال الثاني اذ بالخبر العاصف يأتي عبر الهاتف ـ وذلك بعد صلاة المغرب بنصف ساعة فقط ـ ان الشيخ الألباني قد توفاه الله.
لا إله إلا الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد كانت ـ والله ـ صدمة، ولكننا صبرنا وما جزعنا.
وفي أقل من ساعة من الزمن كانت ـ أو كادت ـ الرياض ـ كلها ـ تعلم بوفاة الشيخ، ثم مكة والمدينة، و... و... وكأن العالم كله في سويعة واحدة عرف خبر وفاة الشيخ وحزن عليه وبكاه.
ولقد كان حزني في قلبي أشد، وجرحي في فؤادي أنكى.
قد كان ما خشيت ان يكونا
إنا إلى الله لراجعونا
«ما حرصت عليه وقع عكسه، وما اجتنبته وتحاشيته وقع بنفسه» (حكمة بالغة)، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولئن توفي الشيخ ودفن وأنا بعيد عنه وهذا شديد عليّ فلقد كانت سلواي والفضل لله انني كنت آخر من تكلم مع الشيخ ودعا له، وصافحه، والتقاه من اخواننا طلاب العلم ـ سوى أهل بيته ـ فالحمد لله على ما قدره ويسره.
وفي صبيحة يوم الأحد، وقبل الظهر بقريب من ساعتين وصلت طائرة الرياض الى عمان، وسارعت الى قبر الشيخ، مطبقا لسنن كان يحرص الشيخ عليها ـ اذا فاتته الصلاة على جنازة حبيب أو قريب ـ فصليت عليه ـ عند قبره ـ تسع تكبيرات داعيا له بالرحمة ورفعة الدرجة، وصحبة الأخيار من عباد الله الأبرار.
لقد سافرت من عمان يوم الخميس مسلما على شيخنا ـ قبل ذلك بيوم ـ ورجعت اليها يوم الأحد، وقد اختاره الله الى جواره قبل ذلك بيوم واحد.
ثامنا: كانت وصية شيخنا المكتوبة مؤرخة بتاريخ 27 جمادي الآخرة 1410هـ أي قبل عشر سنوات كاملة، وقد كان عمره كله سنة.. حياته ومماته.
جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم
بعد الممات جمال الكتب والسير
فهذه ثمانية مواقف في ثمانية أشهر، أولها هو الأغلى في حياتي، وآخرها هو الأصعب على نفسي.
رحم الله شيخنا رحمة واسعة، وألحقنا به في الصالحين من عباده، إنه ـ سبحانه ـ سميع قريب مجيب (أ.هـ.).
وصية العلامة الألباني لعموم المسلمين
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. وبعد..
فوصيتي لكل مسلم على وجه الأرض وبخاصة اخواننا الذين يشاركوننا في الانتماء الى الدعوة المباركة دعوة الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح.
أوصيهم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى أولا، ثم بالاستزادة من العلم النافع، كما قال تعالى (واتقوا الله ويعلمكم الله)، وان يعرفوا علمهم الصالح الذي هو عندنا جميعا لا يخرج عن كونه الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح، وان يقرنوا مع علمهم هذا والاستزادة منه ما استطاعوا الى ذلك سبيلا العمل بهذا العلم، حتى لا يكون حجة عليهم، وإنما يكون حجة لهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ثم احذرهم من مشاركة الكثير ممن خرجوا عن الخط السلفي بأمور كثيرة.. وكثيرة جدا، تجمعها كلمة «الخروج» على المسلمين وعلى جماعتهم، وإنما نأمرهم بأن يكونوا كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث الصحيح: «وكونوا عباد الله اخوانا كما أمركم الله تبارك وتعالى» وعلينا ـ كما قلت في جلسة سابقة وأعيد ذلك مرة أخرى، وفي الإعادة إفادة ـ وعلينا ان نترفق في دعوتنا المخالفين اليها، وان نكون مع قوله تبارك وتعالى دائما وأبدا (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، وأول من يستحق ان نستعمل معه هذه الحكمة هو من كان أشد خصومة لنا في مبدئنا وفي عقيدتنا، حتى لا نجمع بين ثقل دعوة الحق التي امتن الله عز وجل بها علينا وثقل سوء أسلوب الدعوة الى الله عز وجل، فأرجو من اخواننا جميعا في كل بلاد الإسلام ان يتأدبوا بهذه الآداب الإسلامية، ثم ان يبتغوا من وراء ذلك وجه الله عز وجل، لا يريدون جزاء ولا شكورا، ولعل في هذا القدر كفاية. والحمد لله رب العالمين.