Note: English translation is not 100% accurate
السيدة خديجة رضي الله عنها أول من أسلم من النساء
19 أكتوبر 2012
المصدر : الأنباء
في قلب المحنة كانت هي المنحة، وفي خضم الشدة كانت هي نسمة الروحة، ومع قسوة طول الرحلة كان حبها معين دفء الصحبة..
كانت هي المحضن.. كانت هي المأمن.. كانت هي الملجأ.. كانت هي الواحة ومستودع الراحة وحنو أمن السكن..
كانت أول المصدقين.. وأول الشاهدين.. وأول الساجدين.. وأول الناصرين.. كانت أول ركن من أربعة أركان قامت عليها وبها رسالة الإسلام.
كانت هي خديجة رضي الله عنها وأرضاها.. وكان هو محمد صلى الله عليه وسلم أشرف المرسلين وخاتم النبيين.. وكان بيتهما أعظم بيت في الأرض بدأ منه وفيه كفاح الدعوة فأصبح معلما ومسجدا.. وجزءا من تاريخ الامة وتراثها النير المجيد.
نسبها
خديجة بنت بن أسد بن عبد العزى بن قصي، صاحبة النسب والحسب، والجمال والمال، التي تهاوت أمام قدميها قلوب سادة قريش رغبة في الزواج منها، لكنها بعد أن جربت حظها بالزواج مرتين، عافت الرجال حزنا على من فقدتهم، وعكفت على تربية بنتها من عتيق وابنها من أبي هالة، غير أن المال الذي امتلكته وما أكثره من مال أوجب عليها كعادة أهل مكة أن تستثمره في التجارة فاحتاجت لرجل قوي أمين يتاجر لها بمالها، وكانت خديجة تبحث عن ذلك الرجل حتى رأته في شخص الصادق الأمين محمد بن عبدالله الذي ملأت رائحة سموه وعظيم أخلاقه رياحين مكة، فدفعت بأموالها إليه ليتاجر فيها..
اختيارها
كانت خديجة قد نظرت إلى الصادق الأمين بمنظار المرأة الناضجة التي ترى الرجال بمعادنهم، لا بظواهرهم، وتستطيع بثاقب بصرها أن تميز بين خيارهم.. فعرفت فيه الأمانة والقلب السليم وغنى النفس وثراء الضمير، وكمال الرجولة وشرف المروءة وسلامة الطبع.. وعرف فيها الفطنة ورجاحة العقل وشريف الخصال، وحميد الفعال، وعفة المئزر، وسلامة الجوهر، وعراقة المنبت. ليختار كل منهما الآخر زوجا ورفيقا للدرب...
البعثة
عاش النبي عليه الصلاة والسلام معها خمسة وعشرين عاما كانت له فيها زوجا ولودا ودودا أنجبت له اثنين من الأبناء هما القاسم وعبدالله وأربعا من البنات هن زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة.. ولم تكن هكذا فحسب بل كانت له أما حين احتاج لحنان الأم التي حرم منها صغيرا، فمسحت جراحه التي صنعتها أيام الحرمان والفقر والتنقل بين دار جده عبد المطلب وعمه أبي طالب..
وها قد آن الأوان لبعثة خاتم الأنبياء، فالأرض تغط في سحب الظلام، وصيحات المعذبين تتعالى في الآفاق، والطغيان يملأ رحاب الأرض، ودعوة التوحيد قد حرفت معالمها، فارتد الناس إلى الجهل والخرافة..إلى عبادة الأوثان، إلى الشرك والجاهلية..إلى القول بأن الله ثالث ثلاثة.. إلى الاعتقاد بأن عزيرا ابن الله.. وأن المسيح ابن الله، إلى عقيدة التجسيم والحلول..
وكانت خديجة تشهد بداية الحدث العظيم يجري في بيتها.. الحدث العظيم الذي سيغير مجرى التاريخ ويحول مسار خطى الإنسانية، كانت تشهد التحول في حياة زوجها النبي صلى الله عليه وسلم، تشاهد ميله إلى الوحدة وحب الانفراد، والانفتاح على عالم الغيب، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، كانت تراه يبقى على تلك الحال الليالي والأيام، يتعبد ويتحنث، ويتزود من القرب والتكامل، ويتهيأ لاستقبال البشارة وحمل الأمانة، فتوفر له الأجواء العائلية المنسجمة، وتعينه على أداء المهمة. كانت تهيئ له الزاد كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، ولو كان الأمر لعاطفتها لما رضيت – كامرأة – أن يغيب عنها ليلة، فكيف بالليالي العديدة، لكنها ساعدته وآزرته وشاركته بتوفير الهدوء والراحة والإشراف على الأولاد.. ولم تشعره بضيق ولا ضجر مدة حياة التأمل والتجرد والانقطاع عن الناس..
فعن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: «فيما بلغنا أول ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها لامرأته خديجة، فعصمها الله عن التكذيب، وشرح صدرها للتصديق، فقالت: أبشر فان الله لم يصنع بك إلا خيرا».
وفاء نادر
لقد كانت خديجة المرأة الوحيدة التي تقف إلى جانب محمد صلى الله عليه وسلم وتشهد أوضاعه والتحولات المتواصلة في حياته باتجاه الرسالة، وقد تجلت عظمتها حين نزل الوحي على النبي لأول مرة في غار حراء، وعاد إلى داره يرتعد وجلا من هول ما رأى، لتستقبله الطاهرة كأم رؤوم تمتص عنه ارتجافه الذي تملك جسده، فتدثره وتزمله وتهدئ من روعه بحنان الأم، فلما حكى لها ما حدث معه في الغار، بادرته بمقولتها الشهيرة: «والله ما يخزيك الله أبدا، أبشر واثبت فإنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم وتصدق الحديث، وتعين على نوائب الدهر، وإني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة» تلك هي العظمة حين تتوج عقل المرأة بفهم زوجها وتثبيته على الحق لا على رغبات الدنيا.
لقد شهدت خديجة هذه المواقف كلها، فلم تستقبل ذلك الحدث العظيم بالاستغراب، أو التعجب، أو التشكيك، فهي تعرف حقيقة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد خبرتها عن قرب، خبرتها من خلال العلاقة الزوجية التي مضى عليها خمسة عشر عاما.. إنه الصادق الأمين، والفذ في رجاحة العقل، وكمال النفس، ودقة الذكاء.
ولم تلبث أن صحبت النبي الكريم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل والذي تنصر في الجاهلية لينفض عن نفسه غبار الأوثان، وتخبره خديجة بما حدث مع النبي صلى الله عليه وسلم ليطمئنها بأنه جبريل الناموس الذي ينزله الله على أنبيائه، فتزداد نفسها يقينا بما بشرت به زوجها، ويقبل ورقة رأس النبي الكريم ويخبره بأنه نبي هذه الأمة ويقول: ليتني أكون حيا فأنصرك، ويطرب قلبها فرحا بأن الدين الجديد الذي جاء ليعم نوره أرجاء المكان سيكون على يد زوجها وحبيبها محمد.
قال ابن إسحاق: «كانت خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء به، فخفف الله بذلك عن نبيه فكان لا يسمع شيئا يكرهه إلا فرج الله عنه بخديجة إذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه، وتهون عليه أمر الناس»
مواقف مؤلمة
ومنذ ذلك اليوم الذي نزل فيه جبريل على نبينا في الغار تبدلت حياة الرغد وهدوء البال التي نعم بها الزوجان طيلة خمسة عشر عاما، لتبدأ الصعاب بسيلها الجارف تنهال على النبي منذ أن جهر بالدعوة، لكن خديجة المرأة التي أصبحت عجوزا لم تهن ولم تضعف، فكان النبي يعود إليها وقد انهال التراب عليه أو تعلقت بعض الأشواك بثوبه ليجد صدرها الحنون بانتظاره وابتسامة الزوجة المؤمنة تستقبله، مشعلة بريق الأمل والصبر في نفسه.