Note: English translation is not 100% accurate
أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمشركين
19 أكتوبر 2012
المصدر : الأنباء
كان يوم فتح مكة فتح أخلاق ورحمة، يوم نصرة المظلوم، ويوم الوفاء والبر، ويوم التمكين والعزة، وقد ازدحمت في هذا اليوم مشاهد الأخلاق الكريمة التي تربى عليها خير جيل.
نصرة المظلوم
أول دروس الأخلاق الجلية في يوم الفتح هو درس نصرة المظلوم. فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ـ حلفاء المسلمين ـ وأعملوا فيها القتل، وخرقوا العقد، أرسلت خزاعة رسولا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتباره شريك عقد وأخا حلف، فخرج عمرو بن سالم الخزاعي سراعا يجوب الحزون ليلا ونهارا، حتى قدم المدينة، فوقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجلس حتى أخبره الخبر، فلخص له الأحداث في قصيدة تاريخية شهيرة، قال فيها:
يا رب إني ناشد محمدا..
حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا..
ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا..
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا..
إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا..
إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك الموكدا..
وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا..
وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا..
وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم» ( ابن هشام2/393)، واستبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاءل، فعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: «إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب» (ابن هشام 2/393). لقد اعتمل فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيظا من هذا الظلم الصريح، فلم يقر حتى انتدب لنصرة حلفائه، والتجهز للتنكيل بأعدائه، الذين انتهكوا الحرمات، وسفكوا الدماء.
إنها نصرة المظلوم، وإغاثة المكلوم، تلك الخصلة الإسلامية الكريمة، والخلة العربية الأصيلة، وليس من المسلمين من لم يهتم بأمرهم، فيناصرهم ويذود عنهم.. وملعون ذلك الذي شهد موقفا يظلم فيه المظلوم وانقلب خسيئا سلبيا لم ينصر أخاه ببنت شفة ـ وهو يقدر.
وفي الأثر: لعن الله من رأى مظلوما فلم ينصره. من أذل عنده مؤمن وهو قادر على أن ينصره فلم ينصره أذله الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا (وشبك بين أصابعه)» (البخاري: 2266) فالمؤمن لأخيه كالبنيان، يقويه ويمنعه من ظلم الظالمين، وبغي الباغين، وغشم الغاشمين.
وقد شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، ممثلا لتلك العلاقة التي تربط بين الإخوان وبعضهم، فهي كالأصابع المتضاغمة، كتلك الشبكة التي لا غناء لها عن عقدة من عقدها. وقد خاب من حمل ظلما.
أما والله إن الظلم لؤم..
ومازال الظلوم هو الملوم
نبذ الهدنة مع الخونة
والإبقاء على عهد الخائن الهوجل ليس من الخلق في شيء، بل الأخلق نبذ عهده وشق موادعته، وخليق بإمام المسلمين ألا يحول عهد الغدرة دون نصرة البررة، وحقيق أن بنود صلح الحديبية تسقط فور إخلال أحد الأطراف ببند من البنود.
وقد استند رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصرته لخزاعة، إلى أصل أصيل، مفاده أن العدو إذا حارب من هم في جوار المسلمين أو في حلفهم أو في ذمتهم، صار العدو بذلك محاربا لسلطان المسلمين، وبذلك يصبح المسلمون في حل من أي اتفاقات مبرمة أو معاهدات سابقة، وذلك لسبب وجيه أن العدو نفسه نقضها باعتدائه على حلفاء المسلمين، وما على إمام المسلمين إذا باغت العدو حينئذ في عقره، ودخل عليهم بغتة، أما إذا شك إمام المسلمين في كون العدو على العهد أو تحول إلى النقض، فلا يجوز للإمام في هذه الحالة مباغتة العدو، إلا بعد إعلامهم بنبذ العهد، وذلك حتى لا يؤثر عن المسلمين الغدر، ودليل ذلك قول الله تعالى: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين ـ الأنفال: 58).
العفو عن صاحب السبق إذا ذل
فهذا حاطب، ذل، وتخابر مع العدو، فأرسل إليهم كتابا يخبرهم فيه بمقدم جيش المسلمين، وأرسل هذا الكتاب إليهم مع «مطربة» تجوب بين القبائل تغني، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في إثر هذه المغنية، وتمت مصادرة خطاب حاطب، ورفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليفصل في هذه القضية، فدليل التخابر موجود، والمتهم معترف، بل قال ـ مبررا: «يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش.. كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام» (البخاري: 3939) وكانت مبررات حاطب هذه كلها محض شعبذة وهراء.
وكان حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم العفو وذلك لسبب استثنائي دامغ: أن حاطبا قد شهد بدرا، وأن الله قد تاب على حاطب، فقال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وحاشا أن يكذب الله، وأن عملية التخابر لم تتم ولم تنجح.. ولقد أكلت هذه الفعلة الشنعاء قلب عمر رضي الله عنه ـ فأراد أن يستئذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل حاطب ـ فقال: «يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق».
فقال: «إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا.. فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»..
فأنزل الله السورة: (يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق.. إلى قوله: (فقد ضل سواء السبيل) (البخاري: 3939).
وفي عفوه صلى الله عليه وسلم عن حاطب، يدل على أهمية العفو عن أصحاب السبق والفضل في الإسلام إذا ما وقعوا في خطيئة أو ذلت أقدامهم في مصيبة.
وفي هذا الموقف ـ أيضا ـ دلالة على عدم جواز التخابر لصالح العدو، ولا يجوز للمسلمين أن يتخذوا من أعداء الله أولياء يلقون إليهم بالمودة.
حظر الشعارات والهتافات غير الأخلاقية
وفي نشوة الفتح، وشذى النصر الفواح، صاح قائد الأنصار سعد بن عبادة: «اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الكعبة» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» (صحيح البخاري 3944) وأمر بالراية ـ راية الأنصار ـ أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال: إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد. (ابن كثير: 3/559).
وفيه، دلالة على حظر فحش القول وهجره في الشعارات والهتافات، خاصة في المؤتمرات والتظاهرات، فليس من أخلاقنا، أن نتخلق بأخلاق الغوغاء ممن يهتفون بأفظع الهجاء.
فإذا هتفنا أو شعرنا أو نظمنا الشعارات، أو نثرنا الأسجاع، في تظاهرة أو مؤتمر، فإنما يكون بأطايب الكلام، وبأحاسن الألفاظ، فديننا دين مكارم الأخلاق. والله يكره الفاحش البذيء، واللعان الطعان.
تواضع الفاتحين الإسلاميين
كأنه وهو فرد من جلالته
في عسكر حين تلقاه وفي حشم
ودخل نبي الله صلى الله عليه وسلم مكة، شاخص الطرف، باسط الكف، شاكرا حامدا ربه، خفيض الرأس، معتما بعمامة سوداء، وهو واضع رأسه تواضعا لله، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن ذقنه ليكاد يمس واسطة الرحل..
ويلهج صوته بالقرآن، قارئا سورة الفتح.
يتراءى للناس رويدا رويدا، كالكوكب المشبوب رونقا وبهاء.
يشق بجحافله البيداء شقا، شامخا باذخا، في جلجلة وصلصلة، يحفه خير أجناد الله، عليهم وقار البطولة، ومخايل الظفر.. كلهم، كلهم في انتظار إشارة منه لتتحول مكة إلى حمام دم، ومذبحة يشيب لها الأمرد، وخسف وهدم، ليدمدموا مكة على رءوس المشركين، فهم الذين عذبوا المسلمين أيام عهد مكة، وسجنوهم وحصروهم وأخرجوهم.
ولكن ما حدث ليس ذلك، بل أصدر العفو العام.
العفو العام عند المقدرة
وماذا عن العفو العام، الذي أطنب فيه المفكرون عبر حقب التاريخ؟ بعدما أمن الجميع، في بيوتهم ومساجدهم، وقال: «كفوا عن القوم إلا أربعة» (الترمذي: 3054)، وقال: «لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة» (مسلم: 3334).
يقول «واشنجتون ايرفنج»، في كتابه «حياة محمد»، معلقا على قرار العفو العام: «كانت تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم في أعقاب فتح مكة تدل على أنه نبي مرسل لا على أنه قائد مظفر. فقد أبدى رحمة وشفقة على مواطنيه برغم أنه أصبح في مركز قوي. ولكنه توج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو» (واشنجتون ايرفنج: حياة محمد 72).
ويقول: إميل درمنغم: «فقد برهن محمد صلى الله عليه وسلم في انتصاره النهائي، على عظمة نفسية، قلّ أن يوجد لها مثال في التاريخ، إذ أمر جنوده أن يعفوا عن الضعفاء والمسنين والأطفال والنساء، وحذرهم أن يهدموا البيوت، أو يسلبوا التجار، أو أن يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم بألا يجردوا السيوف إلا في حال الضرورة القاهرة، بل رأيناه يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحا ماديا ويقول لهم: إن نفسا واحدة خير من أكثر الفتوح ثراء» (انظر: بشرى زخاري ميخائيل: محمد رسول الله هكذا بشرت به الأناجيل، ص50).
إن أخلاقيات العفو العام، هي أخلاقيات تمخضت عن نفوس أشربت الربانية، وشربت من كأس التربية ثمالتها، وإن أمثال هؤلاء ممن تربوا على التراحم فيما بينهم والتآخي والتغافر، لخليق بهم أن يحملوا راية التمكين في الأرض، فما أعظم هذه النفوس التي ذاقت ويلات التعذيب في رمضاء مكة، حتى إذا أمكنهم الله من رقاب أعدائهم، أعطوا العفو، وجنبوا القود، فمسألة التمكين عند هؤلاء الإسلاميين ليست حكاية تصفية حسابات، وليست حكاية غرس أعواد المشانق لمن شنقوهم، فشنقا بشنق وتنكيلا بتنكيل، وليست قضيتهم قضية مطالبات وترات، وثارات وديات، بل يعتبرون الإيذاء ضريبة التمكين، ووسام على صدور المؤمنين.. فهؤلاء الإسلاميون لا يحملون بين جنباتهم جذوة الثأر، إنما يحملون بميامينهم شعلة القرآن، وبميامينهم الأخرى شعلة السنة، وبين ذلك يحملون قلبا خالصا للرب، صادقا في الغاية.
انتماء القائد لأنصاره
ويكأن الناظر ظن، أن رسول الله ضن بأهله المكيين، فأصدر عفوه، وأمن عدوه، فقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن» (مسلم: 3332).
فقال بعض الأنصار: أما الرجل ـ يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته فنبأه العليم الخبير..
فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، وقال: «قلتم أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذن؟ ألا فما اسمي إذن؟ ألا فما اسمي إذن؟ أنا محمد عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم» فبكوا، وأرسلوا عبرات الحب، وزفرات الضن بقائدهم، قائلين: «والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله».
وتفهم القائد هذه المشاعر النبيلة، وكأنه لامس مشاعرهم الصادقة في سويداء قلوبهم، فقال: «فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم» (مسلم: 3332).
يا صاحب الفتح صلى الله عليك
لقد قيض الله لك أنصارا لا يطمعون في شيء بين الخافقين إلا في رضاك عنهم وقربك منهم. ولا يبغون لعاعة من الدنيا، إنما يأملون أن يعودوا إلى ديارهم في المدينة المنورة ـ وقد رجعوا بك في رحالهم.
يوم بر ووفاء
وجاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع له شرف الحجابة مع السقاية، وقد كان مفتاح الكعبة مع عثمان بن طلحة، وقد طلب النبي منه تسليم المفتاح ليصلي في جوف الكعبة، ثم رده إليه قائلا: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم بر ووفاء» (ابن هشام 2/412) ولم يكن يوم ظلم وعدوان. أو مكر وختل.
وقد كان في استطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضع مفتاح الكعبة في بني هاشم أو في يد زعيم من زعماء الصحابة.
فقد كان إعلاء قيم البر والوفاء أولى من الاستئثار بمفتاح الكعبة، ولم يكن من شيم الفاتحين الإسلاميين سلب الأملاك وكرائم الأموال ونفائس الآثار، إن ذلك من شأن الانقلابيين الفاسدين الذي إذا وصلوا إلى سدة الحكم ـ جبرية ـ أكلوا كل شيء عنوة، قصور ومجوهرات، ومال وعقارات ـ كما فعل أصحاب الثورات النكدة السوداء، حيث يتحول فريق الانقلاب من أبطال كفاح ونضال، إلى لصوص كبار، ومعربدين فجار، وخونة غدار، فلا يتركون صادحا ولا باغما، ولاخفا ولا حافرا، ولا شيئا مما تنبت الأرض من قثائها وفومها وعدسها وبصلها إلا أتو عليه، حتى لعاعة الفقير اللابط بالأرض، الذي يبيت طاويا، لا يجد أكسار بقرة.. يشتهي ظلفا يمسك رمقه، أو عرقوبا يطفئ لوعته، ولا يجده.