Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة»
د.الرخيص يكتب عن «رحلة الهجرة 4».. ود.الربيع يتكلم عن «الحكمة ضالة المؤمن (13) ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله»
5 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء


قضايا معاصرة
رحلة الهجرة 4
د. بدر الرخيص
انطلاق رحلة الهجرة:
لما مضت الأيام الثلاثة التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في الغار وسكن عنهما الناس أتاهما صاحبهما الذي استأجراه، قال صلى الله عليه وسلم: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. قال: فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، فركبا وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه ليخدمهما في الطريق.
وعند البخاري في غزوة الرجيع كان عامر بن فهيرة غلاما لعبدالله بن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها - وأخذ بهما الدليل طريق الساحل أسفل من عسفان ثم أجاز بهما حتى عادا من الطريق على أمج.
فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ودليله طريق الهجرة:
وفي الطريق وقعت حوادث أذكر منها:
قصة أم معبد رضي الله عنها:
روى ابن سعد والبيهقي والطبراني وأبو نعيم والحاكم وصححه، عن أم معبد رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة هو وأبو بكر، ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهم الليثي عبدالله بن الأريقط، مروا على خيمة أم معبد الخزاعية، وهي لا تعرفه، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تسقي وتطعم فسألوها لحما وتمرا ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون مسنتون.
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزناكم. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة - وفي لفظ في كفاء البيت - فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد»؟
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. قال: «هل بها من لبن»؟
قالت: هي أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها»؟
قالت: بأبي أنت وأمي نعم إن رأيت به حلبا فحلبها فوالله ما ضربها فحل قط فشأنك بها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمى الله عز وجل ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء - وفي لفظ الثمال - ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب صلى الله عليه وسلم آخرهم، وقال: «ساقي القوم آخرهم شربا».
ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها. فبايعها وارتحلوا عنها.
وروى ابن سعد وأبونعيم عن أم معبد قالت: «بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير».
وقال هشام بن حبيش: «أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أم معبد وجميع صرمتها»، أي أهل ذلك الماء.
ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل. فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت؟
قالت: «لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا».
قال: «صفيه لي يا أم معبد».
وصف أم معبد للنبي صلى الله عليه وسلم:
قالت: «رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل - أو قالت صهل - وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج، أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود لا عابس ولا مفند».
فقال أبومعبد: «هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا».
قالت أسماء رضي الله عنها: «لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش فيهم أبوجهل بن هشام فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟
فقلت: والله لا أدري أين أبي».
فرفع أبوجهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، فمكثنا ثلاثة أيام ما ندري أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وتبعه الناس يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به
فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيا لقصي ما زوى الله عنكم
به من فعال لا تجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مقام فتاتهم
ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت
له بصريح ضرة الشاة مزبد
فغادرها رهنا لديها لحالب
يرددها في مصدر ثم مورد
فلما سمع ذلك حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال يجاوب الهاتف:
لقد خاب قوم غاب عنهم نبيهم
وقدس من يسري إليهم ويغتدي
ترحل عن قوم فضلت عقولهم
وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به بعد الضلالة ربهم
وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا
عمى وهداة يهتدون بمهتد؟
لقد نزلت منه على أهل يثرب
ركاب هدى حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله
ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب
فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد
ليهن أبا بكر سعادة جده
بصحبته من يسعد الله يسعد
وعند البيهقي بسند حسنه والحافظ ابن كثير عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: فأهدت إليه شيئا من أقط ومتاع الأعراب، فكساها وأعطاها، قال - ولا أعلمه إلا قال: «أسلمت».
وعن ابن إسحاق قال: «فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد، واسم أم معبد عاتكة بنت خالد بن خليف بن منقذ بن ربيعة بن أصرم الخزاعية.
وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا خيمة أم معبد فسألوها عنه فقالوا: أرأيت محمدا من حليته كذا وكذا؟ فوصفوه لها، فقالت: ما أدري ما تقولون فقد ضافني حالب الحائل؟
قالت قريش: فذلك الذي أردنا.
قصة سراقة رضي الله عنه:
وروى الإمام أحمد والشيخان عن سراقة بن مالك بن جعشم رضي الله عنه: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر دية كل واحد منهما مائة ناقة من الابل لمن قتله أو أسره، فبينا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أسودة بالساحل - وفي لفظ: ركبة ثلاثة - أراها محمدا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فأومأت إليه بعيني أن أسكت، فسكت، ثم قلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا يبتغون ضالة لهم. ثم لبثت في المجلس ثم قمت فدخلت بيتي فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فحططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي حتى رأيت أسودتهما، فلما دنوت منهم عثرت بي فرسي فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها أضرهم، أم لا أضرهم، فخرج الذي أكره: أني لا أضرهم، وكنت أرجو أن أرده فآخذ المائة ناقة، فركبت فرسي وعصيت الازلام فرفعتها تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغت الركبتين فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالازلام فخرج الذي أكره، ألا أضرهم.
قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه قد منع مني وأنه ظاهر، فناديتهم بالأمان وقلت: أنظروني فوالله لا آذيتكم ولا يأتيكم مني شيء تكروهونه.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: قل له وما تبتغي منا؟ فقلت: إن قومك قد جعلوا فيكما الدية وأخبرتهما أخبار ما أريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني شيئا ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، قال: اكتب له يا أبا بكر.
وفي رواية: فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم رجعت فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرغ من حنين والطائف خرجت لألقاه ومعي الكتاب الذي كتب لي، لقيته بالجعرانة.
قال: فبينا أنا عامد له دخلت بين ظهري كتيبة من كتائب الأنصار، فطفقوا يقرعونني بالرماح ويقولون: إليك إليك حتى إذا دنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة.
قال: فرفعت يدي بالكتاب. ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي وأنا سراقة بن مالك.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوم وفاء وبر أدنه، فدنوت منه فأسلمت، ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه فما أذكره، إلا أني قلت: يا رسول الله الضالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر في أن أسقيها؟
قال: نعم في كل ذات كبد أجر.
قال: ثم رجعت إلى قومي فشقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقتي.
وعند ابن سعد أن سراقة لما رجع قال لقريش: قد عرفتم بصري بالطريق وقد استبرأت لكم فلم أر شيئا، فرجعوا.
وقال ابن سعد والبلاذري: عارضهم سراقة بقديد يوم الثلاثاء.
مروره بالجحفة وأمانه من طلب قريش:
وروى أبو نعيم عن أنس بن مالك قال: لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مروا بإبل لنا بالجحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن هذه الإبل؟
فقالوا: لرجل من أسلم فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال: سلمنا إن شاء الله. فأتاه أبي وحمله على فحل من إبله وبعث معه غلامه مسعود.
وروى أبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي وأبونعيم عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر مستخفين مروا بعبد يرعى غنما فاستسقياه اللبن فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وقد أخدجت وما بقي لها من لبن فقال: ادع بها، فدعا بها، فاعتقلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح ضرعها حتى أنزلت. ودعا أبوبكر بمجن، فحلب وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، فقال الراعي: من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط. قال: أوتراك تكتم علي حتى أخبرك؟ قال: نعم. قال: فإني محمد رسول الله.
قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك.
قال: فأشهد أنك نبي الله وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي.
إسلام بني سهم في طريق الهجرة:
وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر مدخله المدينة: أله عني الناس فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب. فكان أبوبكر إذا سئل: من أنت؟ قال: باغ، وإذا قيل: من الذي معك؟ قال: هاد يهديني.
وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مردف أبا بكر، وأبوبكر شيخ، والنبي صلى الله عليه وسلم شاب لا يعرف، فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا بين يديك؟
فيقول: هذا الذي يهديني السبيل فيحسب الحاسب إنما يعني الطريق وإنما يعني سبيل الخير.
ولما شارف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبو عبدالله بريدة بن الحصيب الأسلمي في سبعين من قومه من بني سهم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: بريدة، فقال لأبي بكر: برد أمرنا وصلح. ثم قال: ممن؟ قال: من أسلم. فقال لأبي بكر: سلمنا. ثم قال: من بني من؟ قال: من بني سهم. قال: خرج سهمك يا أبا بكر.
فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: أنا محمد بن عبدالله رسول الله.
فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فأسلم بريدة وأسلم من كان معه جميعا. قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سهم طائعين غير مكرهين، فلما أصبح قال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء.
فحل عمامته ثم شدها في رمح ثم مشى بين يديه حتى دخلوا المدينة.
الحكمة ضالة المؤمن (13) ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله
د. وليد خالد الربيع
تقرر هذه الآية الكريمة حكمة قرآنية، وسنة ماضية، وحكما عادلا من الله عز وجل وهو «الجزاء من جنس العمل»، فمن عمل صالحا مخلصا لله لقي جزاء ذلك في الدنيا والآخرة بإذن الله تعالى، ومن عمل سيئة استحق العقوبة في الدنيا والآخرة إلا أن يعفو الله عز وجل عنه.
والمكر بالناس وخديعتهم من جملة الأعمال السيئة التي نهى الله عز وجل عنها وبيّن سوء مآلها وخطورة آثارها، وأكد أن عقوبتها من جنسها.
«فالمكر» في لغة العرب يدور حول الاحتيال والخداع كما قال ابن فارس، وقال الطبري: «وأما المكر فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر ليورطه الماكر به مكروها من الأمر» اهـ.
وأما في الاصطلاح فقد فرق كثير من العلماء بين المكر المضاف إلى الله عز وجل والمكر الواقع من الخلق، كما قال الجرجاني في التعريفات: «المكر من جانب الحق تعالى: هو إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، ومن جانب العبد: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر» اهـ.
وقال الراغب مبينا أقسام المكر: «وذلك ضربان: مكر محمود وذلك أن يتحرى بذلك فعل جميل وعلى ذلك قال عز وجل: (والله خير الماكرين)، ومذموم وهو أن يتحرى به فعل قبيح قال عز وجل: (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، (وإذ يمكر بك الذين كفروا)، وقال في الأمرين: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا) اهـ.
وقال عز وجل مبينا أن الجزاء من جنس العمل (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
يوضح الشيخ ابن سعدي المراد بالمكر في هذه الآية فيقول: «الذي مقصوده مقصود سيىء ومآله وما يرمي إليه سيئ فمكرهم إنما يعود عليهم»، ويؤكد ابن كثير هذا المعنى بقوله: «ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم».
ويشير الشيخ الطاهر بن عاشور إلى ما اشتملت عليه هذه الآية من مواعظ وآداب فيقول: «فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية ومعجزات قرآنية ومعجزات نبوية خفية»، ثم يفصل ذلك مبينا أن إضافة «مكر» إلى «السيئ» من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل: عشاء الآخرة. وأصله: أن يمكروا المكر السيئ بقرينة قوله عز وجل (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
ويوضح أن المكر هو إخفاء الأذى، وهو سيئ، لأنه من الغدر، وهو مناف للخلق الكريم، فوصفه بالسيئ وصف كاشف، ولعل التنبيه إلى أنه وصف كاشف هو مقتضى إضافة الموصوف إلى الوصف لإظهار ملازمة الوصف للموصوف فلم يقل: «ومكروا سيئا»، ويبين سبب كون المكر هنا سيئا، وذلك لأنه مكر بالنذير وأتباعه، وهو مكر ذميم لأنه مقابلة المتسبب في صلاحهم بإضمار ضره، وجملة (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) تذييل أو موعظة.
ومعنى كلمة يحيق: أي: ينزل بشيء مكروه، يقال: حاق به، أي: نزل وأحاط إحاطة سوء، أي لا يقع أثره إلا على أهله، وفيه حذف مضاف تقديره: ضر المكر السيئ أو سوء المكر السيئ كما دل عليه فعل «يحيق».
فإن كان التعريف في «المكر» للجنس كان المراد بأهله كل ماكر. وهذا هو الأنسب بموقع الجملة ومحملها على التذييل ليعم كل مكر وكل ماكر، فيدخل فيه الماكرون بالمسلمين من المشركين، فيكون القصر الذي في الجملة قصرا ادعائيا مبنيا على عدم الاعتداد بالضر القليل الذي يحيق بالممكور به بالنسبة لما أعده الله للماكر في قدره من ملاقاة جزائه على مكره، فيكون ذلك من النواميس التي قدرها القدر لنظام هذا العالم، لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضا تنكر بعضهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيبلى بظالم». قال الشاعر:
لكل شيء آفة من جنسه
حتى الحديد سطا عليه المبرد
وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى (والله لا يحب الفساد) وفي كتاب ابن المبارك في الزهد بسنده عن الزهري بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن الله يقول) ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) ومن كلام العرب: «من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا»، ومن كلام عامة أهل تونس يا حافر حفرة السوء ما تحفر إلا قياسك» اهـ
وأما نتيجة ذلك المكر الباطل فهو العقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة كما قال عز وجل: (والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) قال الطبري: «والذين يكسبون السيئات لهم عذاب جهنم»، وقال ابن سعدي: «أي: يهلك ويضمحل ولا يفيدهم شيئا لأنه مكر بالباطل لأجل الباطل».
وقال محمد بن كعب القرظي: «ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به مكر أو بغي أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله)، )إنما بغيكم على أنفسكم)، (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه)».
وقد وردت بعض الأحاديث في التحذير من المكر السيئ، فعن قيس بن سعد بن عبادة قال: «لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النار» «لكنت من أمكر الناس» قال الشراح: «أي تدخل أصحابها النار»، وقيل: لا يكون صاحبهما تقيا ولا خائفا لله، لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وذا لا يكون في تقي، وكل خلة جانبت التقى فهي في النار».
عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة خب، ولا منان، ولا بخيل» أخرجه الترمذي، قال الشراح: «الخب بفتح الخاء وكسرها أي مخادع يفسد بين الناس بالخداع، أي: لا يدخل الجنة مع هذه الصفة حتى يجعل طاهرا منها إما بالتوبة في الدنيا، أو بالعقوبة بقدرها تمحيصا، أو بالعفو تفضلا وإحسانا» اهـ
وبعد، فينبغي للمسلم أن يكون برا، وفيا، وثيق الذمة، صادق الوعد، كريم العهد، ثابت العقد، لا يخون ولا يغدر ولا يخفر، ويتجافى عن كل رذيلة ودنيئة، ولاسيما المكر والخداع وإيذاء الناس وانتهاك حرماتهم وأكل حقوقهم بغير حق، والله الموفق.