Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة»
د.الرخيص يتكلم عن «الهجرة النبوية (4 - 4)».. ود.بسام الشطي يكتب عن «الاستقرار الزوجي»
12 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء




قضايا معاصرة
الهجرة النبوية (4 - 4)
د. بدر الرخيص
نتابع مع قرائنا الكرام مقالتنا عن الهجرة النبوية الميمونة حيث وصلنا إلى تهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر لدخول المدينة وتهيؤ الأنصار لاستقبالهم:
أثواب بيض للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لدخول المدينة
وروى البخاري عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم ثيابا بيضا.
ترقب الأنصار بقدومه
فلما قربا من ديار الأوس والخزرج، تطلع الصحابة الأنصار إلى وصوله صلى الله عليه وسلم إليهم بعدما بلغهم خبر خروجه صلى الله عليه وسلم بسلام من أهل مكة، فكانوا يخرجون كل صباح إلى الحرة لاستقباله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا ارتفعت الشمس واشتد حرها رجعوا إلى بيوتهم.
ويروي الإمام البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم: قال: «ان المسلمين انقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من اليهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه مبيضين». أي لابسين ثيابا بيضا، وهي الثياب البيض التي أهداها الزبير وطلحة بن عبيدالله لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حين لقيهما في الطريق قرب المدينة، وكانا قافلين من تجارة الشام.
فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف».
استقبال الأنصار للنبي
وكان فرح أهل المدينة بالنبي صلى الله عليه وسلم عظيما، فقد روى الإمام أحمد في المسند بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: إني لأسعى في الغلمان يقولون: جاء محمد فأسعى فلا أرى شيئا، ثم يقولون: جاء محمد، فأسعى فلا أرى شيئا، قال: حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر، فكنا في بعض حرار المدينة، ثم بعثنا رجلا من أهل المدينة ليؤذن بهما الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمسمائة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه بين أظهرهم، فخرج أهل المدينة، حتى إن العواتق لفوق البيوت يتراءينه، يقلن: أيهم هو؟ قال: فما رأيت منظرا مشبها به يومئذ.
قال أنس: ولقد رأيته يوم دخل علينا ويوم قبض، فلم أر يومين مشبها بهما» اهـ.
واتجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان كلما مر على حي من الأنصار دعوه للنزول عندهم.
في رواية الإمام مسلم: «فتنازعوا أيهم ينزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم».
وفي رواية: قالوا: هلم يا رسول الله إلى العز والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرا ويدعو لهم، ويقول: «خلوا سبيلها فإنها مأمورة».
قال ابن إسحاق: فقام إليه عتبان بن مالك، ونوفل بن عبدالله بن مالك بن العجلان وهو آخذ بزمام راحلته، فقال: «يا رسول الله انزل فينا، فإن فينا العدد والعشيرة والحلقة، ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدرك، يا رسول الله، قد كان الرجل من العرب يدخل هذه الشجرة خائفا فيلجأ إلينا فنقول له: قوقل حيث شئت، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: خلوا سبيلها فإنها مأمورة. فقام إليه عبادة بن الصامت وعباس بن نضلة بن مالك، فجعلا يقولان: يا رسول الله، انزل فينا. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: بارك الله عليكم، إنها مأمورة اهـ.
واستقبل الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح، ويبدو أنها عادة منهم، تعظيما له صلى الله عليه وسلم ووفاء لعهد البيعة بالنصرة والمنعة، وخوفا عليه من اليهود والمشركين. فالله أعلم.
وروى البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عائشة قال: لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن:
طلع البدر علينا
من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا
ما دعا لله داع
اختلف العلماء في الوقت الذي قيلت فيه هذه الأبيات اختلافا كبيرا هل قيلت عند قدومه من الهجرة أو عند قدومه من غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة وهي ما تميل إليه النفس.
قال أنس رضي الله عنه: «لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء من المدينة كل شيء «مسند الإمام أحمد.
بدأ تاريخ المسلمين بيوم الهجرة
وكان وصوله صلى الله عليه وسلم إلى قباء في شهر ربيع الأول، يوم الاثنين نهارا، وجزم النووي، وتبعه جمع من العلماء، فقالوا: كان بين ابتداء هجرة الصحابة بعد العقبة الثانية وبين هجرته صلى الله عليه وسلم شهران وبعض شهر على التحرير، وكانت هجرته صلى الله عليه وسلم في نهاية شهر صفر أو بداية شهر ربيع الأول، سنة ثلاث عشرة من البعثة.
روى الإمام أحمد عن ابن عباس أنه قال: ولد نبيكم صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وتوفي يوم الاثنين.
قال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: «إنه صلى الله عليه وسلم خرج من مكة يوم الخميس»، ربما يعني خروجه من جبل ثور.
أهمية الهجرة
لم يكن اختيار الصحابة رضي الله عنهم بعهد الخليفة المهدي الراشدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الهجرة هو بدء تاريخ المسلمين إلا لأنه أعظم حدث في حياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته وذلك لميلاد دولة الإسلام في العهد النبوي، وتكوين أول مجتمع إسلامي، أقام رسالة الله وشريعته الإسلامية التي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم.
وقد أفاد السهيلي في الروض: أن الصحابة رضي الله عنهم أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى: (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم) (108) من سورة التوبة.
فيوم دخوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من قباء سالما جدير بأن يكون اليوم الأول في تاريخنا نحن المسلمين.
وأكتفى بهذا البيان لبعض معالم أحداث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم الميمونة المباركة.
والله أعلم وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
قضايا معاصرة
الاستقرار الزوجي
كتب د. بسام الشطي
غاية ما يسعى إليه الزوج مع زوجته هو الاستقرار حتى يشعر بالأمن والأمان والسعادة والإنجاب والراحة ولكن ثمة أمور تمنع ذلك أهمها:
٭ الغيرة المتنطعة والشك المخيف: فالمرأة أحيانا تزيد من الغيرة ولا تهذبها بصورة مقبولة محببة فتزيد من وتيرة اصطناع الخلافات وتشكيل الأزمات وإذكاء روح العداوة.. وكذلك الزوج لأنه ربما وقع في مخالفات أو تكوين علاقات أو ربما وظيفته أثرت عليه حتى بدأ يشك ويشكك حتى أصيب بذلك المرض الذي يهلك ويقضي على العلاقة الزوجية.
٭ عدم الاحترام: فالزوجة تريد من زوجها الاحترام والتقدير وكلمة الشكر والثناء العطر وإبداء الاعجاب وزرع الحب وإعطاءه الوقت الكافي معها، أما الإهمال والشتائم والطعن وعدم التقدير ففورا يقابلها نفرة وألفاظ لا تقل عنها، وكذلك عدم اهتمام الزوجة بلبسه وشكله ورائحته وعلاج «شخيره» وإزعاجه، فهذا يؤثر سلبا، وعدم احترام زوجته فيضع الهاتف النقال ويتحدث مع النساء وأيضا يتكلم الليل مع النهار على حساب هذه الزوجة التي تنتظره بشغف للحديث معه.
٭ المال: فيكون الرجل لا يصرف على المرأة بل يطمع في مالها ويتحايل عليها كيف يأخذ أموالها أو قد يشكك في تصرفات الزوجة فيريد أن يراقب صرفها ولا شك أنها حرة في مالها ولكن أحيانا الأخبار ليس من باب الوجوب بل من باب المحبة والألفة.. فالمال من مسببات الفتن والقطيعة في الغالب.
٭ عدم معرفة الحقوق والواجبات: فالمرأة أحيانا لا تعرف حقوقها ولا واجباتها فتتعدى على مسؤولية الزوج والعكس أيضا، فالأطفال ليسوا مسؤولية الزوج وحده، والنظافة والطعام ومتابعة الأبناء في الدراسة هي مسؤولية مشتركة فمن خلال ما أتلقاه من اتصالات أكاد أجزم بأن هذه عقبة كبيرة في حياة الزوجين.
٭ العمل: فعمل المرأة أحيانا يؤثر سلبا على العطاء داخل البيت فالرجل عندما يرجع يريد الراحة والسعادة والاهتمام به، ويفاجأ بأن زوجته تشعر بإرهاق شديد وتريد أيضا أن ترتاح ومن يهتم بها، ويكون ربما في ذلك الوقت الأبناء يسببون الإزعاج فهذا يجلب القلق وينعكس سلبا في ردود الأفعال التي قد تكون قاسية، أو الزوجة تعمل في الليل والزوج لما يصل إلى البيت بعد عناء العمل تذهب الزوجة إلى عملها فهذا الأمر يسبب عزلة وعدم الشعور بالراحة.
٭ عدم الرضا بحل مشاكلهما بأنفسهما: فكلما ازداد عدد من يتدخل في الحل زادت العقد إلا عند التقليل فما أجمل أن يجلسا سويا وكل منهما يثني على الآخر وكل يطلب ما يريده من الآخر حتى تتغير الأمور للصالح العام ويلتزم الجميع به، ويكون هناك مقدار كبير من التضحية والتنازل وعدم التشبث بالرأي وإلى العناد والمكابرة وهذا يفسد العلاقة الحميمة ويفترها ويضعفها إلى أدنى المستويات.
لذا أصلح ما بينك وبين الله عز وجل يصلح ما بينك وبين زوجك: وانظر إلى مواطن التقصير والخلل في العبادات وأكثر من قراءة القرآن والنوافل فهذا حتما سيؤثر إيجابا إذا عالجته بعزيمة وإخلاص.
وعليك بالصدق وعدم الكذب وتحمل الأمانة والصبر: فالكذب داء خطير يفقد الترابط والتماسك الأسري، ولابد من تحمل أمانة الحياة الزوجية، والتخلق بالأخلاق الفاضلة والابتعاد عن الأخلاق السيئة التي تدخل الشيطان الرجيم الذي لن يهدأ له بال حتى تصل الأمور إلى الطلاق، وكذلك أن يصبر الزوجان على بعضهما فلا شك أن الحياة داخل بيت الوالدين ليس فيها مسؤولية ولكن داخل الحياة الزوجية تتطلب مزيدا من التعاون والمشاركة.
وعليك بالتواصل الأسري: فالأسرة تحتاج إلى زيادة الأرحام وتوثيق الصلات والخروج في رحلات ترفيهية وتغيير نمط الحياة، والخروج للألعاب مع الأطفال والالتزام بالزيارات الأسرية هذه تزيد من الترابط والمحبة، لاسيما مع الدعاء لله عز وجل أن يؤلف على الخير والمحبة.
هل بيوتكم مطمئنة: أي هل فيها القرآن والصلاة والابتعاد عن التماثيل والصور وبها الطرف والابتسامة والاحترام أم كأنها في سجن من أوامر أو فندق للنوم أو يشعر الطرفان بأنه صابر من أجل الأولاد، لابد من اصطناع الابتسامة وذكر الحسنات والتفاهم لا يكون أمام الأطفال ولا يجوز أن نشركهم في مشاكل الزوجين حتى تنعم الأسرة بالاستقرار.
الحكمة ضالة المؤمن
شجرة الكسل تثمر الجوع
د.وليد خالد الربيع
يحث الإسلام على النشاط والهمة والحرص على كل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وآخرته، ويحذر من الكسل والتراخي والغفلة والقعود عن السعي في مصالح الدارين، فقال عز وجل: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) وقال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين)، وقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات) وقال:) لمثل هذا فليعمل العاملون) وقال: )وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
وقال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» أخرجه مسلم، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «وأسألك العزيمة على الرشد»، وكان يقول لأصحابه: «إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها» أخرجه الطبراني وصححه الألباني.
ولا شك أن الكسل من الآفات الاجتماعية الخطيرة، والصفات الشخصية الرذيلة، فما أقبح أن يوصف الإنسان بأنه كسل وكسلان، ساقط الهمة، متخاذل العزم، بليد الحركة، عيال على الناس، خبال على أهله، قد ألف القعود، وأخلد إلى الكسل، واستنام إلى الراحة، وغيرها من الأوصاف التي تدل على الخمول والكسل، فهذا مذموم عند جميع العقلاء وسليمي الطباع.
والكسل في اللغة: هو التثاقل عن الشيء والقعود عن إتمامه، قال المناوي: الكسل: التغافل عما لا ينبغي التغافل عنه، ولذلك عد مذموما، وضده النشاط.
وقد ذم الله تعالى الكسل والتباطؤ وجعلهما من صفات المنافقين فقال عز وجل: (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) وقال عنهم: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون).
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» أخرجه مسلم، ومن يتأمل حقيقة ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها أبواب الرذائل، ومفاتيح الشر، فالعجز والكسل يقعد بالإنسان عما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، والجبن يمنع من الإقدام في مواطن الشجاعة، والبخل يمنعه من الإنفاق في مواطن البذل، وغلبة الدين تجعل الرجل يحدث فيكذب، ويعد فيخلف.
ويوضح الراغب الأصفهاني أن الكسل خروج من دائرة الحياة إلى عداد الموتى فيقول: «من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى، وذلك أنه أخص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها.
فإن فضيلة القوة الشهوانية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدة التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلم الذي يهديه، فحقه أن يتأمل قوته ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة، ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة، وإن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة، فحب الهوينا يكسب التعب، وقيل: إن أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب، وقيل: إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق.
وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني اني كفيت أمر الدنيا لكله لئلا أتعود العجز.
وإن الفزع يبطل الهيئة الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل، كالعين إذا غمضت، واليد إذا عطلت، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء، ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي ما منه
وتأمل حال مريم عليها السلام وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤنة الطلب، وفيه أعظم معجزة فإنه لم يخلها من أن أمرها بهزها فقال تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة)، وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك التفكر والنظر فتتبلد وتتبله وترجع إلى رتبة البهائم، فحق الإنسان أن لا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه وموصلاته إلى آخرته، مراعيا لها، قال الحجاج: إن امرؤ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ويستغفر من ذنبه أو يتفكر في أمر معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة». اهـ
الأحكام الجنائية الشرعية والمواثيق الدولية
بقلم د.حاكم المطيري
لم يكتف السياسيون الرافضون للأخذ بالأحكام الجنائية الشرعية بدعوى عدم دستورية الأخذ بأحكام الشريعة الجنائية بل تجاوزوا ذلك إلى الإدعاء بأن هذه الأحكام تصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية التي تحظر التعذيب والعقوبات الوحشية
وبالرجوع إلى اتفاقية الأمم المتحدة المناهضة للتعذيب عام 1984 وجدنا المادة الأولى منها تنص على معنى التعذيب المحظور دوليا وأنه «أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد جسديا كان أو نفسيا يصدر عن موظف رسمي... ولا يشمل هذا الاصطلاح الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها» (انظر مجلة الحقوق ديسمبر 1987 ص 73) فالمحظور بموجب هذه الاتفاقية الدولية هو تعذيب المتهمين وسجناء الرأي وأسرى الحرب أما المجرمون الذي صدرت بحقهم أحكام بعقوبات قانونية فلا تشملهم هذه الاتفاقية ولا تعتبر هذه العقوبات التي صدرت بحقهم من القضاء من قبيل التعذيب المحظور دوليا ولهذا تقوم الولايات المتحدة بالإعدام عن طريق الصعق الكهربي أو بواسطة الشنق لكونها عقوبة قانونية لا تشملها الاتفاقية.
ولاشك أن للشريعة الإسلامية فضل السبق في تحريم وحظر جميع أنواع التعذيب سواء للمتهمين أو سجناء الرأي أو أسرى الحرب وكل ما يقع من تجاوزات خطيرة في سجون الدول العربية والإسلامية في هذا المجال هو مما تحرمه وتحظره الشريعة قبل المواثيق الدولية كما أكدت ذلك وثيقة ندوة حقوق الإنسان في الإسلام الصادرة في الكويت 1980 والتي صاغها د.عثمان عبد الملك الصالح بل إن الشريعة حرمت تعذيب أو إهانة من أجرموا وصدرت بحقهم أحكام قضائية وأمرت بالإحسان والرفق بهم حتى عند تنفيذ العقوبة وأن تقع بأسهل ما يمكن وأسرع طريقة لا يطول معها الألم وأن تراعي حال المحكوم عليه الصحية عند تنفيذ العقوبة.....الخ.
ثم على فرض وجود أحكام شرعية جنائية تصطدم بالمواثيق الدولية فإن الواجب شرعا التحفظ على ما جاء في هذه المواثيق معارضا للشريعة الإسلامية لا العكس ولهذا جاء في «وثيقة ندوة حقوق الإنسان في الإسلام): (توصي الندوة الحكومات الإسلامية بالعمل على إقرار مشروع المعاهدة الخاصة بمنع التعذيب وملحقها الاختياري المعروض على لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة ما اتفقت مع أحكام الشريعة الإسلامية» فاشترطوا ألا تتعارض مع الشريعة ومعلوم أن جميع دول العالم تتحفظ على البنود التي قد تصطدم بدساتيرها الوطنية بل إن أكثر دول العالم تحفظا هي الولايات المتحدة (فمن بين المجموعة الدولية لحقوق الإنسان التي تضم سبعا وأربعين اتفاقية دولية عالمية لم تصدق الولايات المتحدة إلا على خمس فقط) كما أكد ذلك د.عبدالعزيز سرحان أستاذ القانون الدولي في بحثه المنشور في مجلة الحقوق ديسمبر 1981 فالولايات المتحدة ونظامها القضائي يقدمان مبادئ الدستور على أي اتفاقية دولية تتعارض مع الدستور الأميركي ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في بعض أحكام اتفاقية منع التمييز العنصري التي تحرم الترويج للأفكار العنصرية مع أن هذا يتعارض مع حرية التعبير عن الرأي التي نص عليها الدستور الأميركي ولهذا صارت الولايات المتحدة تلجأ إلى التحفظ على البنود الواردة في مواثيق حقوق الإنسان التي تصطدم مع الدستور مع توقيعها على هذه المواثيق إجمالا (انظر مجلة الحقوق عدد 3سنة 1981 ص 110، 114) ثم على فرض وجود تعارض بين أحكام الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية أو إعلان حقوق الإنسان فإن المشكلة حينئذ ستكون في ميثاق ومبادئ حقوق الإنسان ذاته حيث ينص على حماية واحترام الحريات الدينية وفي الوقت ذاته قد يدعو إلى رفض أحكام هذا الدين أو ذاك بدعوى حماية حقوق الإنسان؟ فالتناقض في هذه الحال ليس بين الشريعة الإسلامية وميثاق حقوق الإنسان بل التناقض واقع بين بنود الميثاق نفسه ولا ريب أن في إلزام المسلمين وإكراههم على تعطيل أحكام دينهم ما يصطدم بمبدأ الحرية الدينية التي نصت المواثيق الدولية على حمايته؟
والمقصود هو بيان مدى الزيف الذي يمارسه السياسيون الرافضون لمشروع القوانين الجنائية الإسلامية احتجاجا بمواثيق حقوق الإنسان وبأنه لا يمكن لذلك إقرار مثل هذا المشروع ولا أدل على بطلان هذا الإدعاء من تضمن أكثر قوانين دول الخليج العربي الجنائية للأحكام الشرعية كما في قانون العقوبات الاتحادي لدولة الإمارات العربية لسنة 1987 الذي نص في المادة الأولى منه على أنه (تسري في شأن جرائم الحدود والقصاص والدية أحكام الشريعة الإسلامية) وجاء في المادة (66) من هذا القانون (العقوبات الأصلية) هي:
أ: عقوبات الحدود والقصاص والدية.
ب: عقوبات تعزيزية.
دون أن تتعرض عند صدوره لضغوط دولية.