Note: English translation is not 100% accurate
في العدد الجديد من صفحة «رابطة علماء الشريعة»
د.العنزي يكتب عن «ولاية الدولة في الرقابة على الأوقاف (2)».. ود.الربيع يتكلم عن «شجرة الكسل تثمر الجوع»
26 ديسمبر 2012
المصدر : الأنباء


قضايا معاصرة
ولاية الدولة في الرقابة على الأوقاف (2)
د.عصام خلف العنزي
أولا: الرقابة لغة:
للرقابة في اللغة معان كثيرة منها:
1- الحفظ فمن أسماء الله تعالى الرقيب وهو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء.
2- وتأتي الرقابة بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: (ولم ترقب قولي) أي لم تنتظر قولي.
3- ومن معانيها الحارس ومنه رقيب القوم أي حارسهم الذي يشرف على مرقبة ليحرسهم. والمرقب والمرقبة الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب، وارتقب المكان، علا وأشرف ورقبه يرقبه رقبة ورقبانا ورقوبا، وترقبه، وارتقبه: انتظره ورصده.
وهذه المعاني كلها قريبة من بعضها البعض إذ تؤدي في النهاية إلى حفظ الشيء، فالإنسان إنما ينتظر لكي يعلم مآلات الأمور مما يمكنه من اتخاذ الإجراءات المناسبة فيحفظ نفسه، وما كلف به، وكذا الحارس إنما يقوم بالحراسة لكي يحفظ ما كلف بحراسته.
ولذلك عرف مجمع اللغة العربية الرقابة في الاقتصاد بأنها: تدخل الحكومة أو البنوك المركزية للتأثير في سعر الصرف، وتسمى رقابة الصرف.
إلا أن هذا التعريف قصر الرقابة على نوع واحد، فالرقابة أوسع من ذلك بكثير كالرقابة على الائتمان وذلك بتحديد نسبة النقود السائلة التي يجب أن تحتفظ بها البنوك مقابل مجموع الائتمان الذي تمنحه لعملائها، وهناك أيضا الرقابة على الميزانية وهي نظام يتبع للرقابة على الإيرادات والمصروفات الفعلية ومقارنتها بالتقديرات المدرجة في الموازنة.
ثانيا: الرقابة اصطلاحا:
جاءت عبارة الرقابة في العديد من الكتب التي تتحدث عن العلوم الإدارية والمالية العامة مما أدى إلى الاختلاف في تعريفها بسبب نظرة كل كاتب حيث نظر بعضهم إلى الرقابة من زاوية تختلف عن الآخر، فبعض الكتاب نظر إلى مفهوم الرقابة على أساس ما تسعى إلى تحقيقه من أهداف، وفي نظر فريق آخر تعني الرقابة تلك المجموعات من الإجراءات والعمليات، وعند فريق ثالث تعني الأجهزة التي تقوم بعملية الرقابة.
وفيما يلي سنستعرض بعض التعريفات للرقابة ثم نتبعها بمعنى الرقابة الشرعية.
1- جاء في تعريف الرقابة أنها «مجموعة من عمليات التفتيش والفحص والمراجعة يقصد منها الوقوف على أن كل مشروع من المشروعات الاقتصادية العامة يعمل في الحدود التي تؤكد أنه يحقق الغرض الذي أنشئ من أجله، ولاقتراح الحلول المناسبة التي تقضي على الأسباب التي تعوق تنفيذ هذا الغرض وتحديد المسؤول في حالة الخطأ والتلاعب وإحالته إلى السلطة القضائية المختصة».
2- هي الإشراف والفحص والمراجعة من جانب سلطة أعلى لها هذا الحق للتعرف على كيفية سير العمل داخل الوحدة والتأكد من حسن استخدام الأموال العامة في الأغراض المخصصة لها، ومن أن الموارد تحصل طبقا للقوانين واللوائح والتعليمات المعمول بها، وللتأكد من سلامة تحديد نتائج الأعمال والمراكز المالية، وتحسين معدلات الأداء وللكشف عن المخالفات، والانحرافات، وبحث الأسباب التي أدت إلى حدوثها، واقتراح وسائل علاجها لتفادي تكرارها سواء في ذلك وحدات الخدمات أو الأعمال».
3- منهج علمي شامل، يتطلب التكامل بين المفاهيم القانونية والاقتصادية والمحاسبية والإدارية، ويهدف إلى التأكد من المحافظة على الأموال العامة، ورفع كفاءة استخدامها، وتحقيق الفعالية في النتائج المحققة، على أن يقوم بهذه المهمة جهاز مستقل ينوب عن السلطة التشريعية، وغير خاضع للسلطة التنفيذية».
4- الرقابة التي تستهدف ضمان سلامة التصرفات المالية، والكشف الكامل عن الانحرافات، ومدى مطابقة التصرفات المالية مع القوانين والقواعد النافذة».
أنواع الرقابة التي تقوم بها الدولة
تنقسم الرقابة إلى عدة أقسام لعدة اعتبارات فهي تنقسم إلى:
أولا: الرقابة المالية:
تتمثل الرقابة على العمليات المالية في مجموعة الإجراءات اللازمة للتحقق من أن عمليات الصرف والتحصيل للنفقات والإيرادات العامة تتم طبقا لما هو مقرر في الموازنة من ناحية وفي حدود التعليمات والقواعد والأحكام الموضوعة من ناحية أخرى والغرض من ذلك اكتشاف الانحرافات والأخطار أو نقاط الضعف والعمل على علاجها وتفادي تكرار حدوثه، وهي تنقسم إلى:
1- الرقابة المالية من حيث الزمن الذي تمارس فيه:
ونعني بهذه الرقابة الرقابة المتلازمة مع مراحل تنفيذ العمليات المالية، وهي بهذا المعنى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ - الرقابة المسبقة: وهي حق يخوله القانون لشخص للقيام بهذا الدور وذلك لتجنب الأخطاء قبل وقوعها، ولهذا فقد أطلق عليها اسم «الرقابة الواقية» لأنها تعمل على تلافي الوقوع في الأخطاء والانحرافات، فهذه الرقابة تقع في البداية قبل اتخاذ الإجراءات الخاصة بالتصرف المالي، وتتم هذه الرقابة عن طريق إصدار القرارات القانونية، والأحكام المتعلقة بجباية الإيرادات قبل تحصيلها، وتدريب الموظفين على كيفية القيام بهذه الأعمال مسبقا قبل تكليفهم بها، وإصدار القرارات المتعلقة بصرف الأموال وإنفاقها في الوجوه المستحقة قبل التنفيذ، وتعيين المسؤولين المشرفين على الأعمال وتحديد صلاحياتهم ومسؤولياتهم، والحصول على الموافقات اللازمة من جهات الإشراف الحكومية.
ومن عيوب هذه الرقابة:
1- تأخير تنفيذ الأعمال بسبب الوقت الذي تتطلبه الرقابة السابقة.
2- تحكم القائمين بالرقابة السابقة في الجهات والمصالح الحكومية مما يزيد من نفوذهم.
3- في كثير من الأحيان تكون هذه الرقابة شكلية فقط وليست موضوعية.
ب - الرقابة أثناء التنفيذ (المرافقة): وهذا النوع من الرقابة تقوم به الأجهزة والإدارات المختلفة للتأكد من سلامة ما يجري عليه العمل داخلها، ومن أن التنفيذ يسير وفقا للخطط والسياسات الموضوعة، وتتوزع مسؤوليات هذه الرقابة على ثلاثة مستويات رئيسية:
٭ المتابعة في داخل الوحدة الإدارية.
٭ المتابعة من قبل الوزارة المشرفة على مثل هذه الأعمال.
٭ المتابعة من قبل الأجهزة الرقابية المتخصصة.
وهذه الرقابة تساهم في تطوير العمل إذ تؤدي إلى تصحيح الأخطاء أولا فأول مما ينعكس على النتائج المرجوة، ومما يميز هذه الرقابة بأنها ما تكاد تكشف عن الانحراف وتصحيحه حتى تعود فتتابع العمل للوقوف على مدى ما حققه هذا التصحيح من نتائج.
ج - رقابة لاحقة: ويقصد بهذه الرقابة مراجعة العمليات المالية التي تمت فعلا للكشف عما وقع من مخالفات مالية في الفترة اللاحقة لإتمام عملية التنفيذ، ويتسم هذا النوع من الرقابة بالشمول، حيث إنه يشمل فحص الحسابات في مجموعها، ويتم ذلك بالرجوع إلى المستندات والسجلات المحاسبية الخاصة بصرف الأموال وتحصيلها لمعرفة المخالفات والأخطاء التي وقعت بها جهة التنفيذ، ومدى مطابقة هذه التصرفات للوائح والنظم والقوانين الواجبة التنفيذ.
كما تستهدف هذه الرقابة أيضا مراجعة النتائج والأهداف التي نتجت عن تنفيذه هذه التصرفات المالية. ويقوم بالرقابة اللاحقة جهات رقابية غير خاضعة للجهة المنفذة للعمليات المالية كالمدقق الخارجي الذي يقوم بمراجعة فحص السجلات والقيود المحاسبية والتأكد من مدى مطابقتها للواقع، وكذا البنك المركزي الذي يقوم بإرسال المفتشين للتأكد من صحة المعلومات المرسلة إليه، والكشف عن التجاوزات للنظم واللوائح.
وهذه الأنواع من الرقابة نجدها مطبقة في المؤسسات الوقفية أو في الأعمال التي تقوم بها هذه المؤسسات حيث تلتزم المؤسسة بأخذ الموافقات اللازمة من جهة الإشراف، وتحديد شروط وضوابط الاستثمار في نشرة الاكتتاب وفق ما هو مسموح ومصرح لها به، وتدريب الموظفين مسبقا على العمل في هذا المجال، وعرض العقود على الهيئات الشرعية، وأخذ الموافقة عليها، وهذا كله يدخل في الرقابة السابقة، أما الرقابة المرافقة فإنها تتم عن طريق متابعة أعمال الموظفين، ومتابعة تحقيق الأهداف المرجوة، ومحاسبة المقصرين في تنفيذ أعمالهم، وتصحيح الأخطاء التي وقعوا فيها، كما يقوم المراقب الشرعي بمتابعة تنفيذ قرارات الهيئة الشرعية، وكذا يقوم المدقق الداخلي أو إدارة الرقابة الداخلية بمتابعة أعمال المؤسسة ومدى تأثيرها على نتائج المؤسسة الوقفية.
أما الرقابة اللاحقة فهي متحققة عن طريق وجود مكتب تدقيق محاسبي خارجي يقوم بتدقيق عمليات المؤسسة، بالإضافة الى رقابة جهات الإشراف الأخرى كديوان المحاسبة أو غيره من جهات الإشراف، كما يقوم المدقق الشرعي بأخذ عينات من المعاملات التي تم إنجازها وفحصها والتأكد من خلوها من المخالفات الشرعية.
2- الرقابة المالية من حيث الجهة التي تتولى الرقابة:
يمكن تقسيم الرقابة المالية من حيث الجهة التي تتولى الرقابة إلى قسمين:
أ - رقابة داخلية: وهي رقابة تباشرها الجهة أو المؤسسة على نفسها وذلك من خلال إيجاد موظفين متخصصين لتدقيق معاملاتها، كما تتم بمحاسبة المدير لموظفيه في نفس الإدارة، وهذه الرقابة يمكن تقسيمها إلى قسمين:
1- رقابة ذاتية: وهي أن يحاسب الإنسان نفسه عن تقصيره فيما كلف به وهو ما يسمى بالوازع الديني في مراقبة الله ومخافته، وهذا النوع من الرقابة أولاه الإسلام أهمية كبرى، وأشرك فيه الناس جميعا فلا فرق بين ذكر وأنثى أو حاكم ومحكوم، والآيات جاءت لتحض المؤمنين على مثل هذه الرقابة ومنها قوله تعالى: «وهو معكم أينما كنتم» الحديد آية (4)، وقوله تعالى: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) آل عمران آية (5).
2- رقابة داخلية بمفهومها السابق وهي الرقابة التي تباشرها المؤسسة على نفسها.
ومن أمثلة الرقابة الداخلية:
٭ إدارة الرقابة والمراجعة في المؤسسات المختلفة.
٭ رقابة الشركات القابضة على الشركات التابعة.
٭ رقابة الوزير للإدارات التابعة له.
٭ رقابة الهيئات الشرعية على ممارسات المؤسسات المالية الإسلامية.
ب - رقابة خارجية: وهي رقابة تتولاها أجهزة خارجية غير خاضعة لسلطة الجهة المنفذة أو القائمة على المشروع. ومن أمثلتها مكتب التدقيق الخارجي وهو ما تفرضه جهات الإشراف في الدولة على كل المؤسسات الخاضعة لإشرافها، وكذا قيام البنك المركزي بفحص ومراجعة أوراق الشركة والتأكد من سلامتها، ومن أمثلتها أيضا رقابة السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية.
وقد يدخل من ضمن هذه الرقابة الشعبية وهي رقابة أصحاب المصلحة الحقيقية المباشرة في النشاط المالي الذي يقوم به البنك أو المؤسسة المالية أو المؤسسات الوقفية وهم المساهمون والمودعون والواقفون.
ويعتبر ديوان المحاسبة في دولة الكويت من أهم الأجهزة الداعمة لجودة الرقابة المالية للسلطة التشريعية في الدولة.
وتغطي الرقابة المالية لديوان المحاسبة الكويتي جميع الجهات من وزارات وإدارات ومصالح عامة وبلديات وهيئات ومؤسسات ذات الشخصية المعنوية العامة، وقد نصت المادة رقم (7) من قانون إنشاء ديوان المحاسبة رقم (30) لسنة 1964، على أن لديوان المحاسبة حق ممارسة نوعين أساسيين من الرقابة هما كالتالي:
أ - رقابة مسبقة أو وقائية:
وهي ذلك النوع من أنواع الرقابة التي تتم قبل الارتباط بمصروف معين، أو قبل إجراءات عمليات الصرف الفعلية، وهي نوع من أنواع الرقابة الاحترازية أو الوقائية.
ب - رقابة لاحقة:
وهي ذلك النوع من أنواع الرقابة التي تتم بعد الارتباط أو الصرف وهذا النوع من أنواع الرقابة من الديوان يعتبر هو الأصل أو القاعدة.
ثانيا: الرقابة القضائية والقانونية:
تعتبر الرقابة القضائية من أهم صور الرقابة، إذ يعد القضاء أكثر الأجهزة القادرة على حماية مبدأ المشروعية والدفاع عن الحقوق والحريات الفردية، إذا ما توافرت له الضمانات الضرورية التي تكفل له الاستقلال في أداء وظيفته حتى يمكن أن تتحقق بشأنه الحيدة المطلقة وبالتالية يمكنه أن يقوم بالرقابة على أكمل وجه.
خصائص الرقابة القضائية:
تتميز الرقابة القضائية بالخصائص التالية:
1- الرقابة القضائية على خلاف الرقابة السياسية والإدارية، لا تتحرك من تلقاء نفسها، وإنما لابد من رفع دعوى أمام القضاء من ذوي الشأن، لكي يستند إليها القاضي في ممارسته للرقابة.
2- دور القاضي فحص التصرف محل النزاع من حيث مطابقته أو عدم مطابقته للقواعد القانونية، دون أن تمتد هذه الرقابة إلى بحث مدى ملاءمة هذا التصرف.
3- لا يمكن لأحكام القضاء بعد أن تصبح نهائية أن تكون محلا للمنازعة بل تنفذ بالقوة إذا دعت الحاجة.
فالرقابة القضائية من أقوى أنواع الرقابة وخصوصا فيما يتعلق بالوقف، لأن القاضي في السابق هو من كان ينوب عن الإمام في شؤون الوقف، وهو الأقدر على رعاية شؤون الوقف بما يملكه من سلطة وقوة ونفوذ. فهو يقوم بتوثيق وتسجيل وثائق الوقف، وهو من يعين ويعتمد النظار ويحاسبهم على تقصيرهم، وهو من يشرف على توزيع غلة الوقف على مستحقيها، وهو من يفصل في منازعات الوقف، وغيرها من مهام ومسؤوليات. ومن أهم ما يقوم به القاضي في وقتنا الحاضر أنه عند التنازع يتأكد القاضي من تطبيق القوانين واللوائح المنظمة للوقف.
فالرقابة القانونية على الوقف هي تلك النظم واللوائح التي فرضتها الجهات الرسمية في الدولة لتنظيم الوقف.
فالدولة تقوم بالإشراف على مؤسسة الوقف من خلال أجهزتها المتنوعة للتأكد من قيامها بتطبيق النظم واللوائح التي وضعتها حفاظا على سلامة هذه المنشأة وحماية لأموال الواقفين، والتأكد من أن هذه المنشأة تؤدي دورها وتحقق الأهداف التي من أجلها أنشئت هذه المؤسسة. ولذلك فرضت قوانين خاصة تنظم الوقف، ووضعت جهات إشرافية كديوان المحاسبة وغيره لمراقبة عملها.
فتاوى النشمي
السؤال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» ونحن نرى أحوال المسلمين المنكوبين في أماكن كثيرة من العالم فما مقدار الاهتمام المطلوب منا كمسلمين عاديين لا نملك غير قليل من المال ندفعه.
الجواب: الاهتمام المطلوب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم مطلوب من كل مسلم ويعبر عنه بالقدر والطريقة التي يستطيعها، فاهتمام الحاكم المسلم غير اهتمام الرجل العادي لكن الكل ينبغي أن يعلن رفضه لكل ما يقع على المسلمين من أذى أعدائهم، وأن ينصرهم بما يستطيع، ولا شك أن أحوال المسلمين اليوم في كثير من البقاع تستثير عاطفة وإيمان المسلم فالمسلمون كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله ومازالت والحمد لله النصرة والعواطف موجودة جياشة تحتاج إلى من يستثيرها لتترجم إلى واقع حي فكم من المسلمين من يبذل من أمواله الشيء الكثير وكم منهم من يبذل جهده وعطاءه بذاته ونفسه فيشارك المسلمين الوقوف معهم في صف واحد أمام أعدائهم كما فعل كثير من شباب المسلمين وارتوت أرض تلك الديار بدماء المسلمين من شتى البقاع، فالاهتمام موجود لكن التعبير عن هذا الاهتمام قد لا يتكافأ في كثير من الأحيان مع ما ينبغي أن يكون فيحول بين العطاء والبذل في شتى صوره عوائق قد لا تكون في كثير من الأحيان بقدرة المسلم تذليلها وهذا هو محل التقصير فيمن يستطيع أن يذلل هذه العقبات ولا يفعل.
ما فقه الواقع في نظرك وهل من المفروض أن يتحلى به كل متدين؟
٭ فقه الواقع تعبير مطاط واسع، والمقصود المحدد منه هو أن تكون الفتوى مراعية لواقع الناس، وظروفهم وأحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم. ومراعاة التيسير في الفتوى ومراعاة الأولويات، والموازنة بين المصالح والمفاسد، ومراعاة الضرورات والحاجات والتدرج في الأحكام فيما يحتمل التدرج. كل ذلك من المعاني الصحيحة في فقه الواقع.
ويؤيد ما سبق من حيث العموم، قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185 وقوله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج) المائدة:6. وقول عائشة رضى الله عنها «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه وقال صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطعون» قالها ثلاثا، وفي مراعاة الضرورة قال تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) البقرة: 173 وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان مما أقره الفقهاء، وبنوا عليه كثيرا من الأحكام. أما إذا كان المقصود من فقه الواقع تنزيل الأحكام والفتاوى بما يوافق الواقع مطلقا دون نظر إلى الضوابط، والقواعد ولي أعناق الآيات والأحاديث لتوافق الواقع وتستجيب له فهذا هو الفقه المرفوض.
الحكمة ضالة المؤمن (16)
شجرة الكسل تثمر الجوع
د.وليد خالد الربيع
يحث الإسلام على النشاط والهمة والحرص على كل ما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وآخرته، ويحذر من الكسل والتراخي والغفلة والقعود عن السعي في مصالح الدارين، فقال عز وجل: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم) وقال تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين)، وقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات( وقال:) لمثل هذا فليعمل العاملون) وقال: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
وقال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» أخرجه مسلم، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «وأسألك العزيمة على الرشد»، وكان يقول لأصحابه: «إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها» أخرجه الطبراني وصححه الألباني.
ولا شك أن الكسل من الآفات الاجتماعية الخطيرة، والصفات الشخصية الرذيلة، فما أقبح أن يوصف الإنسان بأنه كسل وكسلان، ساقط الهمة، متخاذل العزم، بليد الحركة، عيال على الناس، خبال على أهله، قد ألف القعود، وأخلد إلى الكسل، واستنام إلى الراحة، وغيرها من الأوصاف التي تدل على الخمول والكسل، فهذا مذموم عند جميع العقلاء وسليمي الطباع.
والكسل في اللغة: هو التثاقل عن الشيء والقعود عن إتمامه، قال المناوي: الكسل: التغافل عما لا ينبغي التغافل عنه، ولذلك عد مذموما، وضده النشاط.
وقد ذم الله تعالى الكسل والتباطؤ وجعلهما من صفات المنافقين فقال عز وجل (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا) وقال عنهم: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون).
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» أخرجه مسلم، ومن يتأمل حقيقة ما استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها أبواب الرذائل، ومفاتيح الشر، فالعجز والكسل يقعد بالإنسان عما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، والجبن يمنع من الإقدام في مواطن الشجاعة، والبخل يمنعه من الإنفاق في مواطن البذل، وغلبة الدين تجعل الرجل يحدث فيكذب، ويعد فيخلف.
ويوضح الراغب الأصفهاني أن الكسل خروج من دائرة الحياة إلى عداد الموتى فيقول: «من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى، وذلك أنه أخص الإنسان بالقوى الثلاث ليسعى في فضيلتها.
فإن فضيلة القوة الشهوانية تطالبه بالمكاسب التي تنميه، وفضيلة القوة الغضبية تطالبه بالمجاهدة التي تحميه، وفضيلة القوة الفكرية تطالبه بالعلم الذي يهديه، فحقه أن يتأمل قوته ويسبر قدر ما يطيقه، فيسعى بحسبه لما يفيده السعادة، ويتحقق أن اضطرابه سبب وصوله من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضعة إلى الرفعة، ومن الخمول إلى النباهة، وإن من تعود الكسل ومال إلى الراحة فقد الراحة، فحب الهوينا يكسب التعب، وقيل: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب، وقيل: إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق.
وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا لكله لئلا أتعود العجز.
وإن الفزع يبطل الهيئة الإنسانية، فكل هيئة بل كل عضو ترك استعماله يبطل، كالعين إذا غمضت، واليد إذا عطلت، ولذلك وضعت الرياضات في كل شيء، ولما جعل الله تعالى للحيوان قوة التحرك لم يجعل له رزقا إلا بسعي ما منه.
وتأمل حال مريم عليها السلام وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤنة الطلب، وفيه أعظم معجزة فإنه لم يخلها من أن أمرها بهزها فقال تعالى: (وهزي إليك بجذع النخلة)، وكما أن البدن يتعود الرفاهية بالكسل، كذلك النفس بترك التفكر والنظر فتتبلد وتتبله وترجع إلى رتبة البهائم، فحق الإنسان لا يذهب عامة أوقاته إلا في إصلاح أمر دينه ودنياه وموصلاته إلى آخرته، مراعيا لها، قال الحجاج: إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ويستغفر من ذنبه أو يتفكر في أمر معاده لجدير أن تطول حسرته يوم القيامة».
ثم ذكر الراغب أن الإنسان محتاج إلى خمسة أمور:
معرفة المعبود المشار إليه بقوله: )ففروا إلى الله)، ومعرفة الطريق المشار إليه بقوله:) قل هذه سبيل أدعو إلى الله على بصيرة)، وتحصيل الزاد المتبلغ به المشار إليه بقوله: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)، والمجاهدة في الوصول كما قال تعالى: (وجاهدوا في الله حق جهاده)، فبهذه الأشياء يأمن الغرور الذي خوفه الله تعالى منه في قوله: (ولا يغرنكم بالله الغرور) ، وهذه المعالي التي دونها هول العوالي، ولا ضير لمن رامها أن يتذرع الصبر فقد أصاب من قال:
فقل لمرجي معالي الأمور
بغير اجتهاد رجوت المحالا
وأختم بقول ابن القيم: «وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة، فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال، واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلا، استراح طويلا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد، وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة، والله المستعان، ولا قوة إلا بالله».