Note: English translation is not 100% accurate
الرجال مواقف
سعيد بن العاص.. كاتب القرآن ومعلمه
29 يوليو 2013
المصدر : الأنباء
طفولته الغضة الباكرة ومخايل النجابة تلوح عليه ساطعة وهاجة، وامارات العبقرية تومئ الى ما ينتظره من غد موفق ومستقبل مشرق، فقد كان ذكاؤه اسبق من عمره وطموحه اوسع من حياته، وفكره انضج من لداته.
وكانت خطاه على طريق الاسلام قد بدأت بعد مفارقته المهد، رغم ان والده مات كافرا يوم بدر، قتله الامام علي بن ابي طالب رضي الله عنه ورباه عثمان بن عفان ذو النورين فأدبه صغيرا بأدب الاسلام وسقاه من تعاليم الدين الحنيف ما جعله ينمو ويزدهر على حب الله ورسوله.
وكانت فطرة سعيد بن العاص نقية صافية فترعرعت فيها مثل الاسلام واينعت قيمه، سلوكا شريفا وشبابا عفيفا ومثالية رفيعة وشمائل زكية طاهرة.
ومع ان حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم انتقل الى الرفيق الاعلى وسعيد بن العاص عمره تسع سنين فإن سعيد بن العاص حظي برؤية الرسول صلى الله عليه وسلم وشرف بحضور مجلسه وسمع منه الحديث الشريف: «خياركم في الاسلام خياركم في الجاهلية» واكثر من هذا حظي سعيد بحب الرسول صلى الله عليه وسلم له وتقديره اياه ولا ادل على ذلك مما قاله ابن عمر رضي الله عنهما ان امرأة جاءت الى الرسول صلى الله عليه وسلم ببرد، فقالت: اني نذرت ان اعطي هذا الثوب اكرم العرب، وكان سعيد بن العاص في مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: اعطيه هذا الغلام، واشار الى سعيد، ولذلك سميت الثياب السعيدية.
وقد ولد سعيد بن العاص في اعرق بيت من بيوت قريش، وكان جده يقال له ذو التاج، لانه كان اذا لبس العمامة لا يلبسها احد يومئذ اعظاما له، كما كان سعيد اشبه الناس لحية برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اختاره عثمان ذو النورين رضي الله عنه ضمن الاثني عشر رجلا الذين كانوا يكتبون القرآن ويعلمونه ومنهم ابي بن كعب وزيد بن ثابت. اما عن جوده وعطائه وسخائه ونداه فأمر يجل عن الوصف، بل يعيا به البيان، فقد كان كثيرا ما يجمع اصحابه كل يوم جمعة، ويقيم لهم الولائم ويهدي اليهم الحلل كما كان يرسل الى بيوتهم بالهدايا والتحف والبر الكثير، واذا نمى الى علمه ان ناسا اصابتهم الفاقة او اناخ عليهم الدهر بكلكله، يقوم بوضع نقود داخل صرر ويوزعها عليهم في اثناء وجودهم بالمسجد وبذلك يرفع عنهم عبء الفقر ويكفيهم مذلة الدين.
وبلغ به السخاء حدا ان دفع ثمن دار حتى لا يبيعها صاحبها ليسدد دينا عليه، ولهذه الواقعة حكاية طريفة فقد كان سعد بن العاص يسير يوما في احد شوارع المدينة فاذا به يشعر بالعطش فطلب ماء ليروي ظمأه فخرج له رجل وسقاه حتى ارتوى ومرت على ذلك فترة من الزمن ثم علم سعيد ان هذا الرجل يعرض داره للبيع، فسال لماذا يبيع داره فقالوا: لانه مدين باربعة الاف دينار فبعث الى صاحب الدين قال له: المبلغ دين علي، وارسل الى صاحب الدار قضينا عنك الدين فاستمتع بدارك، وكان ثمن شربة الماء التي شربها سعيد بن العاص اربعة آلاف دينار.
ومع ما في هذه الواقعة من مغالاة على الجود ومبالغة في الكرم فان حياة سعيد بن العاص كانت كالمزنة الوطفاء تخصب حيوات الاخرين وتحيل الجو النفسي للمكروبين الى جو مفعم بالنسائم الرقيقة والعبير الفواح، بل انه كان يقدم من الهبات والعطايا المنح والجوائز مالا يتصوره انسان مغرق في الخيال، او موغل في التخيل تعالوا معا نستعرض هذه الواقعة ونضعها في موازين الكرم لنتعرف على اي نفس هذه التي جاوزت كل المقاييس والمعايير والاوزان.
كان رجل من القراء الذين يجالسون سعيد بن العاص قد اصابته فاقة شديدة فقالت له امراته ان اميرنا هذا يوصف بالكرم فلو ذكرت له حالك فلعله يسمح لك بشيء، فقال لها ويحك لا تحلقي وجهي، فألحت عليه حتى ذهب الى سعيد ابن العاص وجلس اليه ولكنه لم ينبت ببنت شفة ولما انصرف الناس مكث الرجل جالسا في مكانه فقال له سعيد اظن جلوسك لحاجة، فسكت الرجل فقال سعيد لغلمانه انصرفوا ثم قال له: لم يبق غيري وغيرك وانتظر من الرجل ان يتكلم ولكنه ظل صامتا فأطفأ سعيد المصباح ثم قال له، رحمك الله لست ترى وجهي فانظر حاجتك - فقال الرجل: اصلح الله الامير اصابتنا فاقة وحاجة فاحببت ذكرها لك فاستحييت فقال له سعيد: اذا اصبحت فالق وكيلي فلانا.
انصرف الرجل شاكرا وفي الصباح ذهب الى وكيل سعيد، فابتدره الوكيل قائلا ان الامير قد امر لك بشيء فأت بمن يحمله معك، فقال الرجل ما عندي من يحمله ثم رجع الى امرأته ووجه لها لوما شديدا وقال حملتني على بذل وجهي للامير فقد امر لي بشيء يحتاج الى من يحمله، وما اراه امر لي الا بدقيق او طعام، ولو كان مالا لما احتاج الى من يحمله ولأعطانيه فقالت له امرأته مهما اعطاك فانه شيء يقوتنا فخذه.
رجع الرجل مرة ثانية الى الوكيل فوجد امامه مفاجأة اذ قال له الوكيل اني اخبرت الامير انه ليس عندك من يحمل عطاءه فأمر بان يذهب معك هؤلاء الثلاثة وقدم له ثلاثة غلمان من خدم الامير يحملون ما امر به الامير لك.
كان كل من الغلمان الثلاثة يحمل فوق رأسه عشرة الاف درهم ولما وصلوا الى منزل الرجل ووضعوا ما معهم طلب اليهم ان ينصرفوا فقالوا ان الامير قد اهدانا لك، فانه ما بعث مع خادم هدية الى احد الا كان الخادم الذي يحملها من جملتها.
وكما كان سعيد بن العاص جوادا معطاء، فانه كان يوصي اولاده بان يسيروا على نهجه في الجود والعطاء فقد كان يقول لكل منهم اجر معه المعروف ابتداء من غير مسألة. فاذا اتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه، او جاءك مخاطرا لا يدري اتعطيه ام تمنعه، فوالله لو خرجت له عن جميع مالك ما كافأته، وكان يقول: لجليسي علي ثلاث: اذا دنا رحبت به، واذا جلس أوسعت له، واذا حدث اقبلت عليه، ومن وصاياه لأولاده ايضا: يا بني لا تمازح الشريف فيحتد عليك، ولا الدنيء فيجترئ عليك، انني لا استحي من الرفق في موطنين والتأني عندهما: مخاطبتي جاهلا او سفيها وسؤالي حاجة لنفسي. ومن رأيه في المال ان الانسان يجب ان يسعد به، فهو لا يدري ماذا تفعل به ورثته ولذلك كان يقول من رزقه الله رزقا حسنا فليكن اسعد الناس به، لانه سيتركه لاحد رجلين اما مصلح فيسعد بما جمعت له وتخيب انت، واما مفسد فلا يبقى له شيء.
وقد تولى سعيد بن العاص ولاية الكوفة سنة اربع وثلاثين ولكن اهلها كتبوا الى عثمان يسألونه ان يولي ابا موسى الاشعري فولاه مكان سعيد، وظل واليا عليها الى ان استشهد عثمان رضي الله عنه ولما استشهد عثمان رضي الله عنه لزم سعيد بيته فلم يشهد حروب الجمل وصفين.
فلما استقر الامر لمعاوية ولاه المدينة ثم عزله وولاها مروان ومن انجازات سعيد ابن العاص انه افتتح طربستان وجرجان ولما نقض اهل اذربيجان العهد غزاهم وفتحها. وبهذه الشمائل الحميدة والاخلاق الفريدة عاش سعيد بن العاص 58 سنة وقد انجب عشرة من الولد ذكورا واناثا كانوا نماذج كريمة في الشهامة والفروسية والمروءة والسخاء، فقد صقلهم بتعاليم الاسلام وآدابه. وكان دائما يزودهم بما يجعل منهم رجالا ذوي فضل وفضائل وكان ميراثه لهم رصيدا دينيا وانسانيا يثري نفوسهم ويجمل حياتهم بالسمو والنبل. ولما حضرته الوفاة جمعهم ليلقي عليهم اخر وصاياه حتى يكونوا صلة كريمة له، ومن بين ما قال لهم: لا يفقدن اصحابي غير وجهي وصلوهم بما كنت اصلهم به وأجروا عليهم ما كنت اجري عليهم واكفوهم مأونة الطلب فإن الرجل اذا طلب الحاجة اضطربت اركانه وارتعدت فرائصه مخافة ان يرد فوالله لرجل يتململ على فراشه يراكم موضعا لحاجته اعظم منه عليكم مما تعطونه ثم طلب اليهم ان يوفوا ما عليه من الدين والوعود والا يزوجوا اخواتهم الا من الاكفاء وان يسودوا اكبرهم لكي يحترمهم الناس.
ولما مات دفنوه بالبقيع وجاء معاوية وكان خليفة المسلمين ليعزي اولاده فسألهم هل ترك من دين عليه؟ فقالوا: نعم ثلاثمائة الف درهم فقال هي علي، فرفض اولاده وقالوا انه اوصانا الا تقضي دينه الا من ثمن اراضيه فاشترى منهم معاوية اراضي بمبلغ الدين ثم راح عمرو بن سعيد يسدد ما على ابيه حتى اعطى لكل ذي حق حقه.