Note: English translation is not 100% accurate
تناول في مقال له بعنوان «من حج فلم يرفث ولم يفسق» بعض أحكام وخطوات هذا الفرض العظيم
الطيار: الحج آية عظيمة تؤكد عظمة هذا الدين وأحقيته في سيادة العالم كله
13 أكتوبر 2013
المصدر : الأنباء



نرى من خلال موسم الحج لهذا العام مظاهر عديدة تدل على قوة ووحدة المسلمين وشدة ترابطهم
ضاري المطيري
صفحة «خواطر إسلامية» تفرد عددا خاصا بمناسبة موسم الحج المبارك، فيه وصايا قيمة لنخبة من أهل العلم ليستفيد منها الحجاج وغيرهم، تشرح أبرز أحكام وحكم هذا الركن الخامس والعظيم في الإسلام، راجية من المولى عز وجل قبول الأعمال الصالحة للجميع، وعودة حجاجنا إلى أهليهم سالمين غانمين.
في البداية، تناول د.عبدالله الطيار، بعض أحكام الحج، وأثره في النفوس ودلائل عظمة الله عز وجل في هذا الفرض، مؤكدا في مقال له بعنوان «من حج فلم يرفث ولم يفسق» ان الحج يؤكد عظمة الدين الإسلامي وأحقيته بسيادة العالم.
وفيما يلي نص المقال: «الحمد لله رب العالمين، الذي أسبغ على عباده كثيرا من فضله ونعمه، وأولاهم من جزيل عطائه وبره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب). وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الهادي إلى جنته ورضوانه، الذي قال في سنته «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (رواه البخاري) صلى الله على الرسول الهادي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فلقد منّ الله على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالحضور إلى مكة المكرمة ـ شرفها الله ـ لحضور مناسك الحج، والتعبد لله تعالى بتوحيده وتعظيمه والإكثار من ذكره، وإن اجتماع تلك الملايين من الناس من كل حدب وصوب مع اختلاف ألسنتهم وألوانهم يعتبر آية عظيمة من آيات الله تدل على عظمة هذا الدين وأحقيته بسيادة العالم كله.
لقد ذاق حجاج بيت الله حلاوة التعبد لله وكثرة تكبيره وتهليله وذكره وشكره، ووجدوا العون منه سبحانه ـ جل وعلا ـ وتيسرت أمورهم في أداء مناسكهم تيسيرا عظيما على كثرة أعدادهم واختلاف ألسنتهم، ولقد رأى المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تدفق الحجاج من كل فج عميق ليؤدوا مناسكهم تقربا إلى الله تعالى وتلبية لندائه الكريم: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير، ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق).
نرى من خلال موسم الحج لهذا العام مظاهر عديدة تدل على قوة ووحدة المسلمين وشدة ترابطهم. تجد الحجيج قد تركوا أوطانهم، وأموالهم، وأهليهم وذويهم، جاءوا راغبين فيما عند الله تعالى من الأجر والثواب. الكل بلباس واحد، ونداء واحد، وتلبية واحدة، ووجهتهم واحدة، وقبلتهم واحدة، وربهم واحد، وغايتهم واحدة، ونسكهم واحد.
وبعد إحرام الحجاج نجد نداء الحق قد علا في جنبات الميقات، نداء التوحيد، نداء الذل والخضوع، والإنابة والخشوع «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، وترى الحجاج متوجهين إلى بيت الله تعالى لأداء الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، شعارهم «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك».
وفي عرفات ترى مظاهر الانكسار، فتجد الوجوه قد توجهت إلى بارئها، رافعة الأيدي إلى مولاها وخالقها، والدموع قد انهمرت، والقلوب قد انفطرت، والأجساد قد استسلمت، تسمع منهم الحنين والأنين، والبكاء الحزين، وبكاء الفرحة بسعة رحمة رب العالمين، والانطراح بين يدي الخالق، فهم يعملون أن هذا يوم العطاء وهذا يوم المغفرة وهذا يوم العتق من النار، فكلهم يسعى للحصول على ذلك في منافسة محمودة.
ثم ينتقل الحجاج من عرفات إلى مزدلفة ليبيتوا بها ليلهم ولترتاح أجسادهم استقبالا لعمل آخر من أعمال الحج، وبعد ذلك إلى منى حاملين معهم الجمرات ليرموا جمرة العقبة قائلين «الله أكبر»، ثم يذبحوا هديهم، ليحلقوا رؤوسهم أو يقصروا، ثم يتوجهوا إلى بيت الله تعالى ليؤدوا طواف الإفاضة، ثم يرجعوا إلى منى ليبيتوا بها أيام التشريق، وليرموا الجمرات أيام الحادي عشر والثاني عشر لمن أراد التعجل، والثالث عشر لمن أراد التأخر، ثم يتوجهوا بعد ذلك إلى بيت الله الحرام ليؤدوا طواف الوداع، منهين نسكهم. وهكذا ترى مظاهر الاجتماع في جميع الأنساك، وترى الترابط، وترى التعاون على الخير.
في الحج يتعلم الحجاج صفات كريمة من الصبر، «كظم الغيظ، والكرم، والبذل، والعطاء، والإيثار، والبر، والرحمة، ومعاونة المحتاجين»، وفي الحج نرى حرص الحجاج على ذكر الله تعالى وشكره على نعمه، «تلذذهم بتكبيره، وتحميده، وتهليله، ودعائه».
وفي الحج تذكر الحجاج موقف القيامة، وما فيه من الشدائد والكربات، والعرق والزحام، واختلاف الأشكال والألوان، فالكل قد خلع ملابسه، والكل يلبي، والكل يبادر إلى أداء مناسكه في تنظيم بديع، فمنهم الماشي، ومنهم الساعي، ومنهم المهرول، ومنهم الراكب، فحق على العباد أن يتفكروا في هذا اليوم ولا يغفلوا عنه.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيم الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).
طوبى لمن كان حجه مبرورا فلم يرفث ولم يفسق ولم يجادل إلا بالتي هي أحسن واستبق إلى الخيرات، ويا بشرى من نفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه»، رواه البخاري.
5- ومن معالم الحج: تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى، وأن العبد مهما بلغ في القوة وكثرة الأموال والخدم فلا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ومن ظهور ذلك في الحج قول الحاج عند إحرامه: «فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني»، فهو يعترف باحتمال وقوع ما يمنعه من الحج، ويعترف أنه لا ملجأ من الله إلا إلى الله.
6- ومن معالم الحج: تقوية جانب حسن الظن بالله تعالى وعدم اليأس وتذكر سعة رحمة الله تعالى، ومن شواهد ذلك في الحج عند السعي بين الصفا والمروة وتذكر حال إبراهيم، عندما وضع إسماعيل، وهو طفل رضيع مع أمه هاجر في هذا الموطن ولم يكن ثمة ماء ولا زرع، ومع ذلك لم تيأس هاجر من رحمة الله تعالى، بل أخذت في الذهاب والإياب راجية مؤملة بالله، فكان ما جاء من خبرها مع نبع زمزم.
7- ومن معالم الحج: تعظيم شأن الله تعالى، فإذا رأى المسلم تلك الجموع الكثيرة المختلفة في لهجاتها ومطالبها وعلم أن الله يعلم سرهم وعلنهم ويرى أشخاصهم ويسمع كلامهم، ثم تذكر أن هذا الجمع لا يذكر عند جمع الحشر الأكبر، ومع ذلك كله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)، إذا استحضر المسلم تلك الأمور زاد لله تعظيما وله حبا ومنه خشية.
8 - ومن معالم الحج: ترسيخ المعتقد في أن البقاء الأزلي لله رب العالمين، فإذا تذكر الحاج أن هذا البيت قد حجه أمم كثيرة من السابقين وسيحجه أمم من اللاحقين، وقد مات السابقون وسيتبعهم اللاحقون، ويبقى الله الحي لا يموت (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (كل شيء هالك إلا وجهه) إذا تذكر العبد هذا زاد لله تعظيما، فلا إله إلا الله ما أعظم شأنه وما أعز سلطانه.
9 - ومن معالم الحج: تعميق وترسيخ مبدأ الاتباع في أداء العبادات، وإن صحة العبادة مرهونة بالإخلاص والاتباع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» أخرجه مسلم. وقال جابر: «لما علم الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم سيحج في عامه ذاك قدم المدينة بشر كثير كلهم يريد أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم». ولو حقق هذا المبدأ جميع المسلمين لزالت تلك البدع العقدية والتعبدية التي يقع فيها كثير من الحجاج في مناسكهم خاصة وفي غيرها عامة، فما تلك البدع التي شبت وشابت ورسخت في نفوس كثير من المسلمين إلا بسبب بعدهم عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولذا كان من شفقته صلى الله عليه وسلم أن حذر الحجاج الذين كانوا معه من تجاوز أمره، فقال صلى الله عليه وسلم وهو ممسك بجمراته في يده: «أيها الناس، بمثل هذه فارموا، وإياكم والغلو في الدين» أخرجه مسلم. وتحذيره هذا لعامة الأمة، ولذا لما خالف بعض المسلمين تحذيره في هذا الجزء من الحج وقعوا في الغلو، فبعضهم يرمي الجمرة بالأحجار الكبيرة، وبعضهم بالنعال وبعضهم بالأخشاب والحديد وهذا من غلو الأفعال، وأما غلو الأقوال فما يصاحب رميهم ذاك من لعن الشيطان والتوعد له أثناء الرمي، ولم يعلموا أنهم بفعلهم ذلك يسخطون الرحمن ويرضون الشيطان.
10- ومن معالم الحج: إلغاء الفوارق في الظاهر ليحرص الناس على صلاح الباطن، يشترك جميع الحجيج في لباس واحد وموقف واحد وعبارة واحدة، فلا تفاضل في الأنساب ولا في الأحساب ولا في كثرة المال والولد، إنما التفاضل بالتقوى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» فمن كان لله أتقى كان هو المقدم ولو كان أقل نسبا ومالا وولدا، ومن كان عن تقوى الله أبعد كان هو المؤخر ولو كان أرفعهم نسبا وأكثرهم مالا وولدا.
11- ومن معالم الحج: استشعار سماحة الإسلام وتحقيق التأمل في: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ومن شواهد ظهور ذلك: الاشتراط عند الإحرام، وقوله صلى الله عليه وسلم لمن قدم أو أخر شيئا من أفعال يوم العيد: «افعل ولا حرج»، وتقديم الضعفة للرمي.
12- ومن معالم الحج: تعظيم شأن الرفق وأن التدافع والعجلة في الأمور تفسد ولا تصلح، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يشير إلى الناس بيده عند تدافعهم ويقول: «السكينة السكينة»، فالمقام مقام تعبد لله تعالى، والعجلة وعدم السكينة يفقد المتعبد كثيرا من ثمار العبادة، هذا إن سلم من وقوعه في الخطأ بل الإثم بسبب عجلته.
13- ومن معالم الحج: تعظيم شأن النعم والعناية بحمد الله تعالى وشكره عليها، ويظهر ذلك الأمر بجلاء في الحج باجتماع هذا العدد الكثير من الناس يظهر كثير من التفاضل في نعم الله بينهم، فإذا رأيت من أصيب بدنه بعاهة وأنت معافى فاحمد الله تعالى، وإذا رأيت من يمد يده إلى الناس وقد أغناك الله بفضله فاحمد الله تعالى واشكره، وأعظم من ذلك إذا رأيت من قد تلوث بباطل في عقيدته فاحمد الله تعالى وأشكره وسله الثبات على المعتقد السليم.
14- ومن معالم الحج: عند رؤية الفقراء تذكر نعمة الاستغناء عن سؤال الناس، فيزداد العبد حمدا لله على أن أغناه عن سؤال الناس، وفي المقابل أيضا يجتهد في تقديم ما يستطيع من العون للفقراء ولو كان يسيرا، وذلك من باب: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)، ومن باب قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئا».
15-ومن معالم الحج: الترتيب والتنظيم في أداء العبادة وعدم الفوضوية في ذلك، فانتقال الحاج بين المشاعر بترتيب، ومواقف نهارية وليلية بترتيب، والترتيب في رمي الجمار وما يصاحب ذلك من عدد الرمي وموقف الدعاء، كل ذلك وغيره يعين على العناية بترتيب أمور حياته وعدم الفوضوية والعشوائية فيها. ذلك لأن ترتيب شؤونه يعينه بعد فضل الله على حفظ أوقاته وقضاء حوائجه وتفقد أخطائه.
16- ومن معالم الحج: استشعار نعمة التعلم والعلم ولزوم هذا المسلك، ومما يزيد ذلك بعثا في النفوس إذا رأى المسلم أن كثيرا من الحجاج شيبا وشبابا ممن يقعون في مخالفات عقدية وأخرى فقهية في أمور المناسك، كما أن عليه عند رؤية أولئك أن يبذل جهده في الترفق بهم وتعليمهم وإرشادهم، فذلك منه من باب شكر الله تعالى على نعمة تعلمه العلم.
17- ومن معالم الحج: العناية بنشر العلم، فذلك أكثر اتساعا في دائرة الخير، لأن مجامع الناس الكبيرة من أخصب الأماكن لتنوع نشر الخير قولا وفعلا، ومن المعلوم أن الحج أكبر المجامع في الإسلام.
18- ومن معالم الحج: تقوية جانب الاحتساب في النفس، فخروج الحاج من بلده ومفارقة أهله وقطع المفاوز، والتنقل بين المشاعر.. كل ذلك إذا احتسبه الحاج وجاهد نفسه في الحرص على تمام حجه فقد ظفر بخير كثير، فمن ذلك تمام الحج وتحصيل الأجر وتربية النفس على فعل الخيرات.
معالم في الحج
د. عبدالعزيز السدحان
لقد كان من حكمة الله تعالى أنه نوع بين العبادات زمانا ومكانا وأداء، ومن ثمرات تلك الحكمة في ذلك التنوع التعبدي الرغبة في التكثر من العبادة، وطرد السآمة والملل عن النفوس، وحتى يبقى العبد متعبدا لله في جميع شؤونه «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين»
وكان من عظيم شأن الحج أنه تضمن أنواعا كثيرة من التعبد تعود على صاحبها بثمرات عظيمة إذا تحقق عنده الاتعاظ والاعتبار منها عند أدائه لها، ومعالم الحج كثيرة جدا، ومن نظر في كلام أهل العلم من المفسرين والفقهاء والشراح علم مصداق ذلك.
وأسوق هنا بعض معالم الحج، لأن تذكرها ومثلها يزيد الحاج عناية بحجه وصلاحا لقلبه بعد توفيق الله تعالى، وقد يدخل بعض المعالم في غيره، لكنني آثرت التقسيم والترتيب للتنويع:
1- فمن معالم الحج: أنه من أعظم مظاهر توحيد الله تعالى، ففي تلبية الحاج توحيد لله تعالى، وفي تجرد المسلم من لباس المخيط وارتداء لباس الإحرام تعبد لله وتوحيد له، وفي لهج لسانه بالدعاء والضراعة توحيد لله، وفي تلبية المسلم توحيد لله، فلا يدعى إلا الله، ولا يرتجى إلا الله، ولا يفتقر إلا لله، ترفع الأيدي وتسابق العبرات العبارات، فهذا يدعو ويؤمل، وذاك يشكو بثه وحزنه، وثالث يفتقر، ورابع يعترف بذنبه ويستغفر، فالله يدعى وله يركع ويسجد وينحر، لا معبود بحق سواه.وبكل حال فشعائر الحج جملة وتفصيلا توحيد لله تعالى وإفراد له بالعبادة وأنه المعبود بحق.
2- ومن معالم الحج: تعميق جانب مخالفة المشركين، ومن وجوه ذلك أن المشركين يشركون في تلبيتهم بقولهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملكت، فالمسلم الموحد يتبرأ من هذا الإشراك في التلبية، فيفرد ربه بالتوحيد ملبيا: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وإذا كان المشركون يحلقون رؤوسهم تقربا لأصنامهم ولأوليائهم، فالموحد يحلق شعره تعبدا لله واقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا كان المشركون يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس فمن مخالفتهم الدفع بعد غروبها، وإذا كان المشركون يدفعون من مزدلفة بعد ارتفاع الشمس، فالدفع قبل ذلك من مخالفتهم.
3- ومن معالم الحج: تعميق الافتقار إلى الله تعالى وأنه هو الغني الحميد، وأن العباد محتاجون إليه مفتقرون إليه«يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد» ومن أسباب تحقيق هذا الاعتقاد في نفس الحاج إذا تذكر أن هذا البيت قد حجه الأنبياء والصديقون والشهداء والأتقياء، وكلهم فقراء إلى الله يرجون رحمته ويخافون عقابه، جاءوا إلى أداء مناسكهم بقلوب خاشعة وأعين دامعة وألسنة ذاكرة، إذا تذكر أولئك الصفوة من خلق الله وتلك الثلة المقدمة في الورع والتقى زاد افتقارا إلى الله وإلحاحا في الدعاء واستكانة وتضرعا بأقواله وأفعاله.
4- ومن معالم الحج: تحقيق الاتباع والاستسلام لما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك: تقبيل الحجر الأسود، فهو حجر لا يضر ولا ينفع نفسه فضلا عن أن ينفع غيره، ولكن لما كان تقبيله من الأمر المشروع استجابة لقول الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة؟ وقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» ترى المسلمين يتسابقون إلى تقبيله انقيادا واتباعا.
19-ومن معالم الحج: ظهور العبر العظيمة والثمار الجليلة في قصص الأنبياء والمرسلين، ففي الحج تذكير بليغ بقصة إبراهيم الخليل، ويظهر ذلك جليا عند رؤية البيت وتذكر بناء إبراهيم له بأمر ربه؟ وكذلك ما جاء في خبر إسماعيل وهاجر ونبع زمزم، وكذلك في خبر إبراهيم عندما عرض له الشيطان فرجمه... كل ذلك وغيره يدل دلالة جلية على أن أعظم العبر إنما تكون في قصص الأنبياء؟ نحن نقص عليك أحسن القصص. لقد كان لقصصهم عبرة لأولي الألباب؟ 20-ومن معالم الحج: الحرص على عمارة الأوقات الفاضلة وعدم التفريط بشيء منها، وبخاصة ما كان في مواطن الإجابة، ومن الشواهد في الحج ما جاء في الحديث عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: «كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها، فتناول الخطام بإحدى يديه وهو رافع يده الأخرى» أخرجه أحمد والنسائي.
21-ومن معالم الحج: التنصيص والتأكيد على مصدر التلقي، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بطرق متنوعة، منها: قوله: «خذوا عني مناسككم»، «نبدأ بما بدأ الله به»، ومنها: خطب النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات وعند العقبة وغيرها، ومنها سماعه صلى الله عليه وسلم وإجابته للسائلين على كثرتهم.. فكل ذلك يؤكد على أن مصدر التلقي ليس مشاعا لكل أحد، بل مرد ذلك إلى ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا يتبين ضلال من جعل أقوال الرجال مصدرا للتشريع، أو جعل المنامات والخواطر النفسية مصدرا لكل ذلك من الانحراف عن الهدي القويم والصراط المستقيم.
22-ومن معالم الحج: تقوية رابطة الوحدة الإسلامية وان قرابة الإسلام هي أعظم القرابات، فيرى المسلم إخوانه من شتى أقطار الأرض قد اجتمعوا في صعيد واحد مع اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأعمارهم وأجناسهم، ومع هذا كله فالجميع تحت المظلة الإسلامية. 23-ومن معالم الحج: أنه يذكر بل ويصور الرحيل من الدنيا وأمر البعث تصويرا عجيبا، وبيان ذلك: أن الميت ينتقل من دار إلى دار والحاج ينتقل من دار إلى دار، والميت يجرد من ثيابه والحاج يتجرد من ثيابه المخيطة، والميت يغسل بعد تجريده من ثيابه والحاج يغتسل بعد تجرده من ثيابه، والميت يكفن في ثياب بيضاء والحاج يحرم في إزار ورداء أبيضين، والأموات يقفون في المحشر سواء والحجاج يقفون في صعيد عرفات وغيرها سواء... فاستشعار مثل هذه الأمثلة يزيد العبد تكثرا من الخيرات وتذكر الممات.
الأحاديث الضعيفة والموضوعة في فضل الأضحية
جمع وإعداد محمد الرخيمي
فيما يلي أحاديث لا تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرها العلامة الألباني رحمه الله في كتابه «السلسلة الضعيفة والموضوعة».
1- «عظموا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم».
لا أصل له بهذا اللفظ، قال ابن الصلاح: هذا حديث غير معروف ولا ثابت، نقله الشيخ إسماعيل العجلوني في الكشف ومن قبله ابن الملقن في الخلاصة 164/ 2 وزاد: قلت: وأسنده صاحب الفردوس بلفظ «استفرهوا» بدل «عظموا» أي:ضحوا بالثمينة القوية السمينة.
قلت: وسنده ضعيف جدا، انظر السلسلة الضعيفة 1/ 74 ص 173
2- «ما أنفقت الورق في شيء أحب إلى الله عز وجل من نحيرة تنحر في يوم عيد».
ضعيف جدا، رواه ابن حبان في المجروحين 1/ 88، والطبراني 3/ 102/ 1، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 524 ص 12
3- «ما عمل ابن آدم في هذا اليوم أفضل من دم يهراق، إلا أن تكون رحما توصل».
ضعيف.، قال المنذري 2/ 102: رواه الطبراني في الكبير، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 525 ص 13
4- «ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إرهاق الدم، إنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفسا».
ضعيف، أخرجه الترمذي 2/ 352 وابن ماجة 2/ 272 والحاكم 4/221 - 222، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 526 ص14.
5- «الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة، قالوا: فالصوف قال: بكل شعرة من الصوف حسنة».
موضوع، أخرجه ابن ماجة 2/ 273، والحاكم 2/ 389، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 527 ص14.
6- «يا فاطمة قومي إلى أضحيتك فاشهديها، فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملته، وقولي: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين). قال عمران بن حصين: قلت: يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة وأهل ذاك أنتم ـ أم للمسلمين عامة؟ قال: لا، بل للمسلمين عامة».
منكر، أخرجه الحاكم4/ 222 من طريق النضر بن إسماعيل البجلي: حدثنا أبوحمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن عمران بن حصين مرفوعا. وقال: صحيح الإسناد فرده الذهبي بقوله: قلت: بل أبوحمزة ضعيف جدا، و(ابن) إسماعيل ليس بذاك، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 528 ص15.
7- «من ضحى طيبة بها نفسه، محتسبا لأضحيته، كانت له حجابا من النار».
موضوع، قال الهيثمي في المجمع 4/ 17 وقد ذكره من حديث حسن بن علي: رواه الطبراني في الكبير، وفيه سليمان بن عمرو النخعي وهو كذاب. قلت: وقال ابن حبان فيه 1/ 330: كان رجلا صالحا في الظاهر إلا أنه كان يضع الحديث وضعا، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 529 ص15.
8- «أيها الناس ضحوا، واحتسبوا بدمائها، فإن الدم وإن وقع في الأرض، فإنه يقع في حرز الله عز وجل».
موضوع، قال الهيثمي وقد ذكره من حديث علي أيضا: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو متروك الحديث، انظر السلسلة الضعيفة 2/ 530 ص16.
9- «استفرهوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراط».
ضعيف جدا، رواه الضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو 33/2 عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: فذكره مرفوعا.
قلت: وهذا سند ضعيف جدا، آفته يحيى، وهو ابن عبيدالله بن عبدالله بن موهب المدني قال أحمد: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدا. وقال مسلم والنسائي: متروك الحديث، وأما أبوه عبيدالله فمجهول، قال الشافعي وأحمد واللفظ له: «لا يعرف»، انظر السلسلة الضعيفة 3/ 1255 ص411.