Note: English translation is not 100% accurate
أمد «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
10 يناير 2014
المصدر : الأنباء

د. وليد العلي
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وانفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي: ما أثر عن نبي الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام التي تجود بها القريحة.
وان من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر).
فقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) يتضمن سؤال العصمة من الوقوع في النقص والخلل، والثبات على هذا الدين وحفظه من الفساد والزلل، فإن من فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر في الدارين.
لأن الدين هو الذي يعصم الإنسان ويحفظه من الشر والشين.
لذا وصف صلاح الدين بأنه عصمة أمر العباد، لأنه رأسمالهم وغاية ما يتزودون به ليوم المعاد. وإنما يتبين صلاح دين العبد من فساده، ويعلم ضلال المرء في أموره من رشاده.
وتتجلى حقيقته في أمرين، بهما تحقيق الشهادتين، وعليهما تجريد التوحيدين: الإخلاص لله تعالى وهو توحيد المرسل، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو توحيد المرسل،كما قال أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي وأبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي رحمهما الله تعالى (كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟) فاحذر يا عبدالله أن تفرط في شيء من دينك فإنما هو عصمة الأمر، فاصبر فإنما هي أيام قلائل فلا تسلم دينك لما ابتليت به من القهر، فقد أخرج البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنهقال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون).
في كل بلوى تصيب المرء عافية
إلا البلاء الذي يدني من النار
ذاك البلاء الذي ما فيه عافية
من العذاب ولا ستر من العار
وقوله صلى الله عليه وسلم: «وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي» فيه الدلالة على حرص العبد على إصلاح دنياه التي لابد أن يعيش فيها، وذلك بتحصيل ما يحتاج إليه من غير أن يشغله عن الآخرة التي سيوافيها، وذلك إنما يتأتى بثلاثة أمور لا غنى للعبد عنها طرفة عين، فإذا تحصلت وجب التفرغ للآخرة وهي الحياة الباقية بلا مين، فصلاح الدنيا إنما يكون بسلامة البدن، مع حصول الرزق والأمن في الوطن، كما أخرج الترمذي وبن ماجة عن عبيدالله بن محصن الخطمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه: فكأنما حيزت له الدنيا».
فالسبيل لصلاح الدنيا إنما هو في الاجتهاد في صلاح الدين، فقد وعد الله المؤمنين والمؤمنات بالحياة الطيبة بالكتاب المبين، فقال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
فيا من باع حظه الغالي في هذه الدار بأبخس الثمن، وخسر صفقته في هذا العقد وهو يرى أنه قد غبن: إذا لم تكن لك خبرة بقيمة السلعة فسل عن ضمان هذه البضاعة وعقد بيعها المقومين، فالله تعالى مشتريها بثمن هو الجنة والسفير الذي جرى على يده العقد هو خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: (لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه: لجادلونا عليه بالسيوف).
وان امرأ ابتاع دنيا بدينه
لمنقلب منها بصفقة خاسر
وقوله صلى الله عليه وسلم «وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي» هو حقيقة وجودنا في هذه الدار، وهو التزود من التقوى لدار القرار. وصلاح الآخرة إنما يكون بالتوفيق للعبادة والثبات عليها حتى الممات، والاستعداد لأهوال يوم القيامة الذي هو قريب فلا يرتاب أبدا بأنه آتٍ، (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد). اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستيقن بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب، دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.