Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام
24 يناير 2014
المصدر : الأنباء
د. وليد العلي أهدى «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي بـ 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي: ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلم الذي تجود به القريحة.
وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى».
فقوله صلى الله عليه وسلم: «الهدى» يتضمن سؤال الله عز وجل أن يمن على العبد بالهداية، وأن يكتنفه من ربه تبارك وتعالى التوفيق والعناية.
و«الهدى» هو أن يجمع المؤمن بين العلم النافع والعمل الصالح ويتعبد لله تعالى بهما حتى يأتيه اليقين، فيستهدي بهما صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ومن تأمل فساد أحوال العالم وجده ناشئا عن إعراض العباد عن العلم النافع والعمل الصالح بالكلية، فالإعراض عن العلم النافع يورث الغفلة فيكون صاحبها من الضالين عن معرفة أسباب الهداية الربانية، كما أن الإعراض عن العمل الصالح يحمل صاحبها على اتباع الهوى فيكون ممن غضب عليه رب البرية.
لذا أمر العبد أن يقول كل يوم وليلة عدة مرات، إذا وقف بين يدي ربه تبارك وتعالى في الصلوات: (اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
فالمهتدي ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، والغافل المتبع لهواه استلذ نوم العمى ووسنه.
يا غافلا وله في الدهر موعظة
إن كنت في سنة فالدهر يقظان
وقوله صلى الله عليه وسلم: «والتقى» يتضمن سؤال الله سبحانه وتعالى أن يجعل بين العبد وبين أسباب سخطه وعذابه وقاية تقيه من النار، وذلك بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فيجمل حينئذ بلباس التقوى وهو أبهى شعار وأزهى دثار، (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون).
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى
تقلب عريانا وإن كان كاسيا
وقوله صلى الله عليه وسلم: «والعفاف» يتضمن سؤال الله تعالى أن يعف العبد فيكف عن المعاصي والقبائح والخطايا، ويتنزه عما لا يباح له من الذنوب ويحجم عما لا ينبغي من الفواحش والرزايا.
وأعلى أنواع العفة أن يعف العبد نفسه عن فاحشة الزنا الشنيعة، وأن يحفظ سمعه وبصره ولسانه فلا يقترب من أسبابها الوضيعة، كما قال الله سبحانه وتعالى ومن أحسن منه قيلا: (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا). وقد أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبوهريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه».
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: «أمر قوم امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه، وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها، فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟
أم كيف بك لو قد نزل بك ملك الموت فقطع منك حبل الوتين؟ أم كيف بك لو قد سألك منكر ونكير؟
فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها، فوالله، لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق».
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه
حلاوته تفنى ويبقى مريرها
وقوله صلى الله عليه وسلم: «والغنى» يتضمن سؤال الله تبارك وتعالى الاستغناء عن الحاجة إلى أحد من الخلائق، وأن يكون العبد غني النفس فيقطع ما بينه وبين سوى مولاه من العلائق.
فهذا هو الغنى الحقيقي الذي يورث صاحبه القناعة، لا يسأل الناس إلحافا ولو أدركته المخمصة والمجاعة، (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم).
فليس الغنى عن كثرة العروض والأموال، وإنما الغنى هو حسن الظن بالكبير المتعال، وهو الغنى الذي يكسو النفس بحلة الجلال، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس».
وكم قد رأينا من فتى متجمل
يظل ويمسي ليس يملك درهما
يبيت يراعي النجم من جوع بطنه
ويصبح يلقى قومه متبسما
وما يسأل الأقوام ما في رحالهم
ولو مات جوعا عفة وتكرما
فجمع هذا الدعاء أسباب صلاح القلب وطمأنينته، فالهدى والتقى من أسباب صلاح القلب واستقامته، والعفاف والغنى من أسباب طمأنينة القلب وسكينته.
فالهدى والتقى بهما صلاح الدين الذي هو عصمة الأمور، والعفاف والغنى بهما صلاح الدنيا وما وراءها من الدور، فمن رزق الهدى والتقى والعفاف والغنى نال بها السعادتين، وحصل له كل مطلوب ونجا من كل مرهوب فقرت له العين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستقين بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).
نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.