Note: English translation is not 100% accurate
الدعاء المأثور
إمتاع ذوي الأفهام بأدعية خير الأنام.. بقلم: د. وليد العلي
8 أغسطس 2014
المصدر : الأنباء
إن من أشرف الأدعية التي يتقرب إلى الله تعالى بها الداعي، وأجمع المباني وأنفع المعاني التي يسعى في تحصيلها الساعي: ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية الصحيحة، التي هي من جوامع الكلام الذي تجود به القريحة.
وإن من هذه الدعوات النبوية الشريفة، وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي والنسائي عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: رب اجعلني لك شكارا، لك ذكارا، لك رهابا».
فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: «رب اجعلني لك شكارا»: يتضمن سؤال الله تعالى التوفيق لكثرة الشكر على النعماء، فلايزال لسان العبد رطبا بحمد الله تعالى على الآلاء.
وهذا الدعاء فيه اختصاص واهتمام، وتحقيق للإخلاص وهو أشرف مقام، فخالص الشكر يصرف لله وحده ولا يجوز صرفه لغيره كائنا من كان، لأنه الشكر الذي يجمع شكر الجنان وشكر اللسان وشكر الأركان.
فشكر القلب أن يستيقن العبد أن ما به من نعمة فمن الله، وشكر اللسان التلفظ بعد العلم بالنعمة والعمل بها بحمد الله، وشكر الجوارح أن يجعل هذه النعمة في محلها كما أمره الله.
فشكر الله من أشرف مقامات العبودية التي يرتقي إليها صفوة الأنام، لذا فقد أوصى الله تعالى بها عبديه الكليمين عليهما الصلاة والسلام، فقال الله تعالى لكليمه موسى عليه السلام: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين).
وقال تعالى لكليمه محمد صلى الله عليه وسلم: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين).
إذا كان شكري نعمة الله نعمة
علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله
وإن طالت الأيام واتصل العمر
إذا سر بالسراء عم سرورها
وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما منهما إلا له فيه نعمة
تضيق بها الأوهام والبر والبحر
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: «لك ذكارا»: لبيان إكثار أولي الألباب من الذكر في الليل والنهار بألسنتهم وبقلوبهم، فهم المفردون السابقون الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم.
قال الله تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).
وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان، فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات» (أخرجه مسلم).
فطوبى لمن اصطفاهم الله تعالى فكانوا من الذاكرين له كثيرا: فقد أعد لهم ربهم تبارك وتعالى مغفرة من عنده وأجرا كبيرا.
قال الله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما).
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس ذكرا بلسانه وجنانه، فكان يذكر ربه تبارك وتعالى قياما وقعودا وعلى جنبه وفي كل أحيانه.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه» (أخرجه مسلم).
فمن رام منكم حياة القلوب فليكثر من ذكر علام الغيوب، فالأفئدة بالذكر تلين وتذوب.
والذكر فيه حياة للقلوب كما
تحيا البلاد إذا ما مسها المطر
لا ينفع الذكر قلبا قاسيا أبدا
وهل يلين لقول الواعظ الحجر ؟!
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: «لك رهابا»: فالمؤمن يسير إلى الله تعالى والدار الآخرة وقد اكتنفه الرجاء والخوف، فالرغبة والرهبة تتصارعان دوما في حياة العبد وتعتلجان في الجوف.
فرهبة المرء من ربه تبارك وتعالى على قدر معرفته بأسماء جلاله، وخوف العبد من الله عز وجل على حسب علمه بصفات جماله، فمن كان بالله أعرف، كان له أرهب وأخوف.
قال الله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور).
فأهل الرهبة يسارعون في الخيرات ويتسابقون إلى ربهم بصالح الأعمال، ولسان حالهم ومقالهم: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك يا ذا الجلال.
قال الله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون).
قالت عائشة رضي الله عنها: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)، هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم: (أولئك يسارعون في الخيرات)» (أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه).
ربنا اجعلنا لك شاكرين، لك ذاكرين، لك رهابين.
فالزم يا عبدالله هذا الدعاء وأنت مستقين بأن ربك لدعائك مجيب، وأنه يخاطبك بقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). نفعني الله وإياكم بهذا الدعاء، وفتح لإجابته أبواب السماء.أهدى «الإيمان» الإمام والخطيب بمسجد الدولة الكبير الشيخ الداعية د.وليد العلي 30 مقالا أسبوعيا يشرح فيها طائفة مباركة من الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن نمتعكم كل أسبوع بها.