Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
بداية الفتح الفكري الإسلامي.. بقلم: د. عجيل النشمي
14 نوفمبر 2014
المصدر : الأنباء
لقد استمرت الحروب الصليبية مائتين وخمسة وعشرين عاما، في ثماني حملات عسكرية ضخمة، وحين دخل الصليبيون بيت المقدس دنسوا كل شيء، وقتلوا في القدس وحدها سبعين ألف مسلم، حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء، وفي أنطاكية وحدها قتلوا مائة ألف مسلم. يقول أحد الكهنة الشهود على جرائم الحرب «حدث ما هو عجيب بين العرب ـ وهم يعبرون عن المسلمين بالعرب ـ عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها! فقطعت رؤوس بعضهم، فكان أقل ما أصابهم، وبقرت بطون بعضهم، فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من أعلى الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل! وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوه».
ومع هذا كله عادت الدائرة عليهم، وفشلت الحملات الصليبية في تحقيق غاياتها، ووقع لويس التاسع قائد الحملة الصليبية الثامنة في الأسر في مدينة المنصورة بمصر.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تقاسم الغرب والشرق أعداء الإسلام تركة الرجل المريض، وقطعوا أوصال الدولة الإسلامية قطعة قطعة، وتوطنوا أرض المسلمين، فقهروا أهلها وأذلوهم، ونهبوا خيراتها، ليعمروا بها حضارة الرجل الأبيض المريض، ذي القلب الأسود، والضمير الميت، والمخالب الطويلة.
وبدأ الصراع في صورة ثورات ضد الاستعمار، وكل الثورات التي كانت اسلامية أو كان الإسلام محركها أو أحد أهم مضامينها، لم يستقر للمستعمر فيها قرار، ولم يهدأ له بال، حتى خرج من الأرض مدحورا، ولكنه خرج بفوائد عظيمة وحقيقة ناصعة مفادها: ان غزو الأرض واستعمارها لا يحقق الغايات الاستعمارية، من التبعية الرضائية للغرب وأفكاره ومعتقداته، وأن احتلال الأرض كان مسوغ الثورة والكره.
وبدأ ـ بناء على هذه الحقيقة ـ حربه الحقيقية ضد الإسلام في الصراع أو قل الغزو الفكري وإن كانت هذه الحرب قد بدأت منذ أمد بعيد، إلا أنها أخذت مظهر الغزو الفكري والعقائدي المنظم بحماية الدول ورعايتها، مستهدفين إذابة الشعوب الإسلامية ومسخها وسلخها من عقيدتها وتاريخها وحضارتها، وجعلها ذنبا تابعا، حيثما دار السيد تدور!
ولقد كان للغزو الكفري بريق وبهرج، استطاع حملته من العملاء المتخصصين ـ الذين خان كثير منهم أمانة العلم ـ تشويه صورة الإسلام، وتمويه الحقائق والثوابت الإسلامية الحضارية: من العدل والحرية والمساواة.
ولقد عرفوا كيف يتوغلون في قلوب السذج من المسلمين ولو كانوا مثقفين مطلعين على حضارة الإسلام وتاريخه، لأن ثقافة هؤلاء صُنعت على عين الغرب ورعايته، وكان دخولهم وتوغلهم من خلال نقطة الضعف لدى المسلمين، ضعف المهزوم أمام عنفوان المنتصر، وانتعاشه، وانتفاشه، وجبروته.
لقد تبنى الغرب وحضارته حملة مسعورة ضارية ضد الإسلام، وتحمل ـ حضاريا وإنسانيا ـ إثم أكبر عملية تزوير وتشويه تاريخية، مغترا بمكاسب خُلّب من تخريج حملة فكره وعدائه للإسلام من أبناء المسلمين، ممن يتكلمون بلسانه، ولكنهم يوالونه في أهدافه شكلا ومضمونا، ظانين أن دفة قيادة الدول الإسلامية ستستمر بأيدي بعضهم، أو تؤول إلى أمثالهم، ومغترين بانتشار مظاهر فساده الأخلاقي والاجتماعي، الذي نقله المستعمر المفسد إلى ديار المسلمين عبر وسائل الإعلام والتوجيه باعتبارها جزءا من وسائل الغزو.
وإذا كانت هذه مظاهر نجاح في نظر الغازي ـ ولها من الحقيقة في الواقع ما لا ينكر ـ فإنها لا تعني انهزام الإسلام أمامها، بل مظاهر الفشل الحقيقي قد بدأت تظهر ناصعة، ردة لفعل رجل الحضارة المزور للتاريخ، ولاستغفال الشعوب والأمم الإسلامية وغير الإسلامية بطمس معالم التاريخ، فقد أيقن الغربيون أنفسهم أن أسلوبهم هذا هو أسلوب المنهزم فكريا وعقائديا، أسلوب لن يطول العيش فيه، وستر عيوبه، وسيأتي يوم تعريته وكشفه.
وها هي بوادر الهجرة المعاكسة، والعودة القوية للإسلام لا في دياره فحسب، بل في ديار مصدر الغزو الفكري، ولقد ساهم الغزو الفكري المشين في هذه النتائج الايجابية من حيث لا يشعرون، حتى غدا الغرب يتكلم اليوم في محافله العلمية عن غزو فكري وعقائدي إسلامي لدياره وأفكار أهله.
وستشهد ـ بعون الله ـ بقية سنوات هذا القرن اتساع رقعة انتشار الاسلام كما وكيفا في انحاء العالم الاسامي وعالم الغرب خاصة، ولن يطول بنا الامد ـ بإذن الله ـ حتى يكون للإسلام دولة أو دول تحميه، ويكون له منظماته الغربية، تدعو إليه على بصيرة، وسيكون ذلك ـ بعون الله ـ بداية دخول الغرب أفواجا وأمواجا في الإسلام وبداية الفتح الفكري الإسلامي المنظم، وعندها يبدأ العد التنازلي لانتقال الحضارة من يد الرجل الأبيض شكلا، إلى يد القلب المسلم الأبيض حقيقة وفعلا، وكما أيقنوا فشل الغزو العسكري سيوقنون فشل الغزو الفكري، وما ذلك على الله بعزيز.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.