Note: English translation is not 100% accurate
خواطر
التآلف بين مُقومات الحضارة.. بقلم: د. عجيل النشمي
28 نوفمبر 2014
المصدر : الأنباء
حضارات الدنيا التي سادت ثم بادت قامت كلها على القوة والتسلط والظلم، وما حضارة الناس اليوم من هذا ببعيد، فقد كان الاستعمار ـ بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني الظلم والجبروت ـ هو طليعة هذه الحضارة، حضارة قامت على انقاض الدين، واعتبرت الدين عدو العلم، يتناقضان ويتنافران، ولا يجتمعان، فالحضارة اليوم تحمل أسباب انهيارها في جوفها، وعلى ظهرها.
إن حضارة الإسلام وحدها التي اعتبرت الإيمان والعلم والعمل شيئا واحدا، لا ينفك أحدها عن الآخر، فالإيمان محضن العلم، والعمل نتيجة لهما، وعلى هذا التآلف والاندماج قامت حضارة الإسلام شامخة، لا غرابة فيها أن يكون الفقيه هو الطبيب، وهو الفلكي، وهو العالم، وهو المؤرخ، كما كان ابن رشد، وابن خلدون، والفارابي، وكثير غيرهم.
فالفقيه يعبد الله في مسجده وفي العمل، والطبيب ونحوه يعبد الله في معمله وفي المسجد.
ولا غرابة أن كان المسلمون رواد العمل والتجربة العلمية، أو ما يسمى بالعلم التجريبي المنسوب ـ خطأ ـ إلى بيكون.
يقول العالم الغربي الكبير دوهرنج: «من أين استقى روجر بيكون ما حصله من العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس، والقسم الخاص من كتابه الذي خصصه للبحث في البصريات ـ هو في حقيقة الأمر نسخة من كتاب «المناظر» لابن الهيثم، وكتاب بيكون شاهد ناطق على تأثره بابن حزم».
وكما وحدت حضارة الإسلام بين العلم والإيمان، فإنها جمعت في الوقت ذاته بين الدين والسياسة، فعقد الخلافة مبناه على سياسة الناس في أمور دينهم ودنياهم. فالسياسة جزء من الدين، والدين حاكم على السياسة، يوجهها، ويضبط مسيرها، ويضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الحقوق والواجبات.
ومن هذه العلائق بنى الإسلام صروح نظامه الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، والعلاقات الدولية، كل ذلك أساس بنائه الإيمان والعلم والعمل، وهذا سر طول عمر حضارة الإسلام، وتفردها من بين الحضارات بالقبول، رضا وطواعية من المسلمين وغير المسلمين على حد سواء، فلم تشعر الشعوب بالأمن والعدل والمساواة إلا في ظل هذا الدين، وهذا الملحظ أعلن عنه كثير من المؤرخين، وشهادة الأغيار أو الخصوم أبلغ في البيان.
يقول المؤرخ هدرج ويكم في كتابه «معالم تاريخ الإنسانية»: «إن الإسلام ساد، لانه كان خير نظام اجتماعي ـ وسياسي » ويقول ول ديورانت: «لقد ظل الإسلام خمسة قرون ـ من عام 700 إلى 1200 ـ يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميل الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح في الدين، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب...».
إن من يريد أن يفصل بين السياسة والدين، أو يدعي «أن لا سياسة في الدين» أو يضيف الإسلام إلى «اسلام سياسي» وغير سياسي، ونحو هذا من مصطلحات ابتدعت في هذا العصر إنما ينبئ عن جهل بحقيقة الإسلام، وبحضارة الإسلام وهديه ونظمه، أو قد يكون هذا عن علم يراد نكرانه أو طمسه ولراصد أن يقول: ان حال المسلمين اليوم شاهد على بطلان ما نسب إلى الإسلام من شمول الدين للسياسة، فلا نكاد نجد للإسلام نصيبا في سياسة الدول الإسلامية، فنقول: إن حال المسلمين هذه دليل عليهم، لا على الإسلام، بل هو دليل ناصع على أن عز المسلمين بإسلامهم الشامل، غير المبتور.
وإن من أهم أسباب ضعف المسلمين: فصلهم بين الدين والسياسة، وهذه حقيقة تاريخية ونصية، لا مناص منها، قررها القرآن الكريم من قبل: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الأنعام: 153، وقال تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى) طه: 124، وقررها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي».
ومن هذا ثبت تاريخيا: ان قوة المسلمين أو ضعفهم بمقدار توثق رباطهم بالإسلام: عقيدة وشريعة، أو عبادة وسياسة.
إن المسلمين اليوم ـ بل والعالم أجمع ـ بحاجة إلى حضارة الإسلام، فهي المنقذ الوحيد المؤهل لتحقيق التوازن بين الإيمان والعلم والعمل، وبغير هذا التوازن سيظل الناس في غي، وضنك في العيش والنفس، أو كما يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) طه، أي ضنكا في الدين، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج، لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.