Note: English translation is not 100% accurate
المكتبات العامة من أهم روافد الحضارة الإسلامية.. بقلم: د.عجيل النشمي
20 مارس 2015
المصدر : الأنباء

إن البحث العلمي اساس من أسس النهضة، ولا حضارة ترتجى للأمة الاسلامية ان هي خلت من الاهتمام بالبحث العلمي، وهو بضاعة المسلمين التي احتضنتها اوروبا إبان نهضتها الحضارية، والمسلمون هم أرباب البحث العلمي، وهم من وضع أسس بنائه، وهم من مهد له أدواته، وهم اول من عني بالتفرغ العلمي، ونقرأ في جزئية التفرغ العلمي:
ان الخليفة العباسي المأمون أمر الفراء يحيى بن زياد الديلمي ت207هـ - 822م، وهو إمام الكوفيين واعلمهم بالنحو واللغة والآداب، ان يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب، وأمر أن يُفرد في حجرة من حجر الدار، ووكل به جواري وخدما يقومون بما يحتــاج اليه حتى لا يتعلق قلبه، ولا تستشرف نفسه الى شيء، حتى انهم كانوا يؤذنونه باوقات الصلاة، وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمثقفين فكان يملي والوراقون يكتبون حتى صنّف كتاب الحدود في سنتين.
ولقد عني المأمون بالطائحي - الوزير الفاطمي - عناية خاصة بعلوم الطب، فعندما وصل الطبيب ابوجعفر يوسف بن حسداي الاندلسي نزل ضيفا على الدولة، وجعل له يومين في الجمعة يشتغل فيهما، ويتوافر في بقية الاسبوع على التصنيف.
ومن الملاحظ انه كان يقدم للعالم - حال تفرغه للبحث العلمي - حاجته من ورق وادوات كتابـة، ونســاخ، وخـــدم، وكل ما يحتاج إليه من وسائل الراحة لممارسة عمله في التصنيف والبحث.
وقضى ياقوت الحموي الجغرافي ثلاث سنوات في مكتبتي مرو وخوارزم يجمع معلومات لقاموسه الجغرافي.
وقد كانت المكتبات الشرعية والعلمية تزود العلماء بخبرة من سبقهم، ولم تكن المكتبات تعرف الفصل بين كتب الشريعة، وكتب سائر العلوم، وكانت المكتبات متعددة الاغراض البحثية، لم تقتصر على خزائن الكتب فحسب، بل تخدم العلماء، وطلبة العلم، وهذا بخاصة في المكتبات العامة التي كان ينشئها الخلفاء، والأمراء، والعلماء، والأغنياء، وكانت تشيد لها ابنية خاصة، واحيانا كانت تلحق بالمساجد والمدارس الكبرى.
وكانت تشمل حجرات متعددة تربط بينها اورقة فسيحة، كما كانت تشتمل على رفوف مثبتة بالجدران، تخصص كل غرفة لفرع من فروع العلم، فلكتب الفقه غرفة، ولكتب الطب غرفة، كالذي قيل في مكتبة علي بن يحيى بن المنجم، فقد كان له قصر عظيم في قرية قريبة من بغداد، وفيه مكتبة عظيمة، كان يسميها خزانة الحكمة يقصدها الناس من كل بلد، فيقيمون فيها ويتعملون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، والارزاق مغدقة عليهم وكل ذلك من مال علي بن يحيى نفسه.
بل هنالك ما هو اطرف من ذلك مما لا نعلم له مثيلا اليوم في أرقى عواصم الحضارة الغربية، فقد كان في الموصل دار انشأها ابوالقاسم جعفر بن محمد بن حمدان الموصلي، وسماها «دار العلم» وجعل فيها خزانة كتب من جميع العلوم وقفاً على كل طالب علم، لا يُمنع احد من دخولها، واذا جاءها غريب يطلب الادب، وكان معسرا اعطاه ورقا وورِقا، اي كتابا ونقودا، وكانت تفتح في كل يوم، فهل سمعتم حتى الان بمكتبة في لندن أو واشنطن او عاصمة من عواصم العالم الكبرى اليوم تمنح الادب والاموال لطلبة العلم؟!
وكان للمكتبات العامة موظفون يرأسهم خازن المكتبة، وهو دائما من أشهر علماء عصره، ومناولون يناولون الكتب للمطالعين، ومترجمون ينقلون الكتب من غير العربية الى العربية، ونسّاخ يكتبون الكتب بخطوطهم الجميلة ويجلدون الكتب لتحفظ من التمزق والضياع، هذا عدا الخدم وغيرهم ممن تقتضيهم حاجة المكتبات.
وكان لكل مكتبة صغيرة او كبيرة فهارس يرجع اليها لتسهيل استعمال الكتب وهي مبوبة بحسب ابواب العلم، وإلى جانب هذا كانت توضع قائمة على كل دولاب تحتوي على اسماء الكتب الموجودة في الدولاب، وكان من المعروف في نظام المكتبات ان الاستعارة الخارجية مسموحة في اغلبها، لقاء ضمان عن الكتاب من عامة الناس اما العلماء وذوو الفضل فلا يؤخذ منهم ضمان.
اما الموارد المالية التي كانت تقوم بنفقات المكتبات فمنها ما كان من الاوقاف التي تنشأ من اجلها خاصة، وهذه حال اكثر المكتبات العامة ومنها ما كان من عطايا الامراء، والاغنياء والعلماء الذين يؤسسون تلك المكتبات، فقد قالـوا: كان عطاء محمد بن عبدالملك الزيــات للنقلة والنسـاخ في مكتبته الفي دينار كل شهر، وكان المأمـون يعطي حنين بن اسحـــاق من الذهب زنة مــا ينقله من الكتب الى العربية مثلا بمثـل.
يقول ول ديورانت: ان الكتب التي كانت تحتوي عليها مكتبة «الري» العامة مسجلة في عشرة اجزاء من الفهارس ولما دمر المغول بغداد كان فيها ست وثلاثون مكتبة عامة، وقد ذكر ول دورانت ايضا انه كان في مطلع القرن العاشر في بغداد وحدها اكثر من مائة بائع للكتب.
ويذكر المستشرق الهولندي دوزي «R.Dozy» انه في الوقت الذي لم يكن يوجد امي في الاندلس، كان لا يعرف القراءة والكتابة في اوروبا معرفة اولية الا الطبقة العليا من القسس.
وفي عاصمة الجناح الغربي للعالم الاسلامي - قرطبة - التي سمتها الشاعرة الالمانية هيروسويثا بـ «جوهرة العالم» كانت مكتبتها الرئيسة التي رعاها اهل الاندلس علماء وامراء، واولاها الخليفة العالم الحكم الثاني المستنصر بالله (350ـ 366هـ ـ 961 - 976م» تضم اروقتها زهاء نصف مليون كتاب، في وقت كانت تقوم فيه اليد مكان الطباعة، حتى ذكر ابومحمد بن حزم الاندلسي (456 هـ ـ 1063م) في كتابه «جمهرة انساب العرب» فهارس تلك المكتبة، حين الحديث عن الخليفة الحكم، المستنصر بالله (366 هـ - 976م)، الذي وصفه بالرفيق بالرعية والمحب للعلم بقوله: ان عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب اربع واربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيه الا ذكر اسماء الدواوين فقط.
في حين انه بعد هذا التاريخ باربعة قرون اي في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، كانت اغنى مكتبة في اوروبا مكتبة كنيسة كانتربري في مقاطعة كنت «KENT» جنوب شرقي انجلترا، تضم 1800 مجلد، وقد سبق ان مكتبة المستنصر بالله وحدها كانت تحتوي على نصف مليون كتاب.
كما كانت البلاد الاوروبية المجاورة لبلاد الاندلس الاسلامية لا تكاد تعرف شيئا من هذا التحرك الانساني والتيار العملي النظيف، الذي ملأ الحياة في مجتمعه ـ بجميع ميادينه ـ بالعلم النافع والمعرفة الفاضلة.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.