Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف
الوفاء بالوعد.. بقلم: خالد الخراز
19 يونيو 2015
المصدر : الأنباء
قال تعالى: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا)[مريم: 54- 55].
صفات أربع أطلقها الله عز وجل على نبيه إسماعيل عليه السلام:
الأولى: أنه كان صادق الوعد، والثانية: أنه كان رسولا نبيا أنزل الله عليه وحيه، وأرسله لهداية خلقه، والثالثة: أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وأخيرا: أنه كان عند ربه مرضيا، فلماذا قدم صفة صدق الوعد على ذكر الرسالة والنبوة، وأمر أهله بالصلاة والزكاة؟ والجواب: لأن صدق الوعد دليل على الإخلاص، فمن لم يكن صادق الوعد فهو كاذب، وإخلاف الوعد من صفات المنافقين، وأولئك لا إخلاص فيما يقومون به من عبادات، فلذلك قدمت هذه الخصلة الكريمة، لأنها ترسخ في قلب المؤمن فتجعله يؤدي الصلاة في وقتها، والزكاة كذلك وجميع ما فرض عليه من عبادات، وكل ما أوجبه على نفسه من وعود بالخير عملا بهذه الصفة العظيمة المتأصلة فيه.
وصدق الوعد خلق عظيم من أخلاق الإسلام، عز وجوده، ويسهل على الإنسان أن يعد، ولكن إنجاز الوعد قد يصعب على كثير من الناس، ولكن المؤمن يأبى إلا أن يكون مع صدق الوعد، وقد مدح الله تعالى به المتقين الصادقين، كما في قول الله سبحانه: (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون)[المؤمنون: 1-9].
والشاهد من الآيات قبل الأخيرة والتي نجدها متقدمة على صفة المحافظة على الصلاة، لأن صدق الوعد من لوازمها، والجامع بينهما حلول الوقت، فالمسلم إذا واعد أحدا أنجز له ما وعد به، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتني بالكلمة التي يقولها، ويحترم الكلمة التي يسمعها، وكان ذلك من علامات الكمال فيه حتى قبل أن يرسل إلى الناس.
ولقد جاء الدين الإسلامي العظيم بجملة من الآداب الاجتماعية هي نسيج واحد ملتئم ومتماسك، لا يمكن الأخذ بطرف منه وترك سائره، بل لابد من التحلي به جملة وتفصيلا حتى يسود المجتمع ويرتقي في سلم المجد والعز. ومنها أدب الصدق بالمواعيد المضروبة وعدم التخلف عنها، إلا بعذر قاهر صحيح مقبول، حتى يطمئن الناس بعضهم إلى بعض، ويثق بعضهم بوعد بعضهم الآخر، وصدق الوعد من خلق النبيين والمرسلين، وضده-وهو الخلف- مذموم، وذلك من أخلاق المنافقين، إلا من عزم على الوفاء ومن له عذر منعه من الوفاء فهو أبعد من ذلك وإن بدر منه.
إن الالتزام بالمواعيد المضروبة، صفة من صفات الأنبياء والمرسلين، وخلق من أخلاق العلماء والدعاة المخلصين، وأدب من آداب الرجال الصادقين، فالالتزام بالمواعيد يحفظ الأوقات من الضياع، فتحصل المصالح، وتعم الفائدة، ويتصف صاحب الوفاء بصفة حميدة يحبه عليها الله والناس.
ولا يخفى أن التهاون بالمواعيد له أسباب كثيرة قد تؤدي ـ مجتمعة أو منفردة ـ إلى الإخلال بالمواعيد والتخلف عنها والتهاون بها، وبعض هذه الأسباب أخطر من بعض، لكنها كلها مؤشر على خلل في الشخصية لابد أن يتداركه المرء، فمن تلك الأسباب ضعف الالتزام بالأحكام الشرعية، وعدم المبالاة: وهذه صفة قائمة في بعض النفوس، حيث صار أصحابها لا يبالون بأمور كثيرة، ولا يرون أهميتها، ومن جملة تلك الأمور قضية الالتزام بالموعد، ولأن عدم المبالاة صارت صفة لبعض الناس فإنك تراهم لا يأبهون ولا يبالون أحضروا في الوقت أم لم يحضروا، أو أنك تراهم يتخلفون عن الحضور تماما ثم لا يتكلف الواحد منهم مشقة الاعتذار ولو بكلمة أو رسالة وهذا الصنف لا يعتمد عليه ولا ينبغي أن يعتمد عليه في شيء ذي بال فإنه ضائع مضياع، لم يرب التربية الإيمانية الجادة القوية، ولهذا سرى مثل عند من يخلف الوعد بمواعيد عرقوب، والذي أصبح مثلا بإخلاف الوعد وله قصة معلومة في كتب التاريخ والأدب، وكذلك من الأسباب عدم الالتفات إلى الدقائق أو إلى أجزاء الساعة: وهذا في الحقيقة جزء من السبب السابق-عدم المبالاة- إذ تجد الشخص لا يعد الدقائق أو أجزاء الساعة شيئا، فالموعد المضروب في الساعة السابعة والنصف لا يرى شيئا في تأخيره إلى الثامنة، والموعد المضروب في الساعة السابعة والربع يؤخره إلى السابعة والنصف أو الثامنة أيضا وهكذا، وكل ذلك نابع من عدم مبالاته.
ولا شك أن الآثار المترتبة على إخلاف المواعيد ليست قضية سهلة أو هينة حتى تجاوزها، بل هي مشكلة إيمانية تربوية اجتماعية ينبغي النظر في أسبابها والآثار الكبيرة التي تتركها في الأفراد والمجتمعات.فمن هذه الآثار السيئة فقد الثقة بمن يتخلف عن موعده وهذا أمر خطير إذا انتشر بين الناس أن فلانا ليس بجاد، ولا هو ممن يعتمد عليه، ولا ينبغي الالتزام معه بموعد مضروب، إذ نتيجة ذلك أن يعرض الناس عن هذا الشخص فلا يشارك في أمر ذي بال، كذلك عدم الثقة بما يضرب من مواعيد: وهذه مشكلة شائعة، إذ ينتشر بين الناس ألا سبيل إلى الحضور في الموعد المضروب فإذا لم يكن الموعد في الثامنة فلا بأس أن يكون في التاسعة أو العاشرة، ومن ذلك تفلت الجادين من الالتزام بمواعيد العابثين: فإذا رأى الشخص الجاد أن المجموعة التي التزمت بالموعد قد اعتادت أن تتخلف عنه وألا تعيره الاهتمام اللائق، فإنه قد ينصرف عن الالتزام معهم في أي موعد يضربونه، بل قد يعتذر عن عدم حضوره واستمراره مع تلك المجموعة، فإذا انسحب الشخص الجاد وبقي الضعاف، فهل يرجى لهذا العمل أي تقدم أو فائدة؟
لهذا لابد من علاج هذا المرض المنتش ـ بإذن الله ـ أن تقضي على هذه الظاهرة كليا أو تخفف من آثارها تخفيفا كبيرا.فالمرء عندما يتربى على التربية الإيمانية الجادة يجد دافعا إيمانيا يدفعه للوفاء بالوعد، والمصارحة وعدم المجاملة: فإن مواجهة أولئك الذين يضيعون أوقات الآخرين، ولا يأبهون لأمر حتم لازم، لا تنفع معهم المجاملة، ولا يليق فيهم إلا المصارحة بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة.
كما على القدوات الالتزام بالمواعيد المضروبة: ليس أنجع في حل هذه المشكلة ولا أعظم أثرا من أن يضرب القدوة المثل بنفسه، فيسارع في الحضور والالتزام بالموعد المضروب التزاما يغني عن أي كلام، ويقوم مقام توجيهات شفهية كثيرة.
ونعم قول الشاعر في هذا الخصوص:
إذا قلت في شيء نعم فأتمه
فإن نعم دين على الحر واجب
وإلا فقل لا واسترح وترح بها
لئلا يقول الناس إنك كاذببقلم: خالد الخراز