Note: English translation is not 100% accurate
معارف ولطائف.. بقلم: خالد الخراز
28 يونيو 2015
المصدر : الأنباء
الإصلاح
لقد اهتم الاسلام بموضوع الخلاف والتنازع؛ لأن المسلمين كغيرهم من البشر يقع منهم الخطأ والخلاف، ومن العسر اتحاد آرائهم وتوحد اتجاهاتهم، لهذا وضع الاسلام علاجا للمنازعات والخلافات قبل وقوعها بتحريم كل من يؤدي إلى إفساد ذات البين بدءا من المراء والمشاحنة، مرورا بالتدابر والتهاجر وانتهاء بمرحلة الاعتداء والقتال. وأوجب على المسلمين الإصلاح بين الناس والوقوف في وجه المعتدين لمنع الفرقة؛ لتبقى شجرة المحبة بين الناس مثمرة وارفة الظلال.
قال تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (الأنفال: 1).
كما قال سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب) (هود: 88).
أما الأحاديث الشريفة فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الإصلاح والصلح أحاديث كثيرة صحيحة ومنها:
عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، يا رسول الله قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة) رواه أبو داود (4919)، وصححه الألباني.
هذا الحديث فيه بيان درجة إصلاح ذات البين، بأنها من أفضل الأعمال عند الله سبحانه وتعالى، وفيه استفهام للتنبيه على أهمية إصلاح ذات البين حتى تكون الأحوال صحبة وألفة، لأن فساد ذات البين هو الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي: تهلك وتستأصل الدين، كما يستأصل الموسى الشعر، أو المراد المزيلة لمن وقع فيها لما يترتب عليه من الفساد والضغائن، وذلك لما فيه من عموم المنافع الدينية والدنيوية من التعاون والتناصر والألفة والاجتماع على الخير.
والإصلاح ضد الفساد بمعناه وله أنواع متعددة منها:
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الله، لأن المعصية إفساد، ومن الإصلاح التوبة لأنها من أهم أبوابه وهي مع الإصلاح السبيل إلى الغفران: إذ يقول الله سبحانه في ذلك: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) (البقرة: 159 ـ 160).
ومن الإصلاح النهي عن الإفساد بعد الإصلاح: قال تعالى (ولا تفسدوا في الأرض بع إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) (الأعراف: 56).
ومن أهم أنواع الإصلاح: إصلاح ذات البين وقد ورد في القرآن آيات كثيرة فيه ومنها:
قوله تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (الحجرات: 9).
وإذا أردنا استقصاء جميع الآيات التي تتحدث عن الإصلاح بجميع أنواعه لوجدناها خمسا وعشرين آية، وكذلك هناك أحاديث كثيرة تتناول إصلاح ذات البين ولذا سنركز عليه كجانب أساسي للحفاظ على وحدة المجتمع الإسلامي.
أيها الأخوة الفضلاء إن المؤمن أخو المؤمن، والأخوة رباط قوي من روابط الإيمان الحقيقي، لذلك كان لزاما علينا أن نسارع ودون أي تهاون إلى رأب الصدع، وإصلاح الخلل بين الإخوة قبل أن يستفحل الشر ويعضل الداء، لننال رحمة الله تعالى وغفرانه.
عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا» رواه مسلم (2565).
وقد اهتم الإسلام بمسألة احتمال وقوع خلاف بين المسلمين وأخذها بعين الاعتبار؛ وذلك لأن المؤمنين بشر، والبشر يخطئون ويصيبون، ويعسر أن تتفق آراؤهم أو تتوحد اتجاهاتهم دائما. ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف هذه، على اختلاف مستوياتها؛ بدءا من مرحلة المشاحنة والمجادلة، ومرورا بالهجرة والتباعد، وانتهاء بمرحلة الاعتداء والقتال وقد نص القرآن الكريم على الحل الأمثل لعلاج مثل هذه الحالات الطارئة ويتمثل بانتهاج طريقين اثنين هما:
أولا: العمل على جمع شمل المتخاصمين سواء كانوا أفرادا أو جماعات وإصلاح ذات بينهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
ثانيا: في حال تمرد إحدى الفئتين المتخاصمتين على أحكام الصلح وقبول الأخرى بها، يجب أن يقوم المجتمع بأكمله في وجه الفئة المتمردة منهما لإلزامها برأي الجماعة، ولو أدى ذلك إلى إخضاعها له بالقوة. فإذا ارتدعت وانقادت فالصلح سيد الأحكام، والعدل رائد الجميع في إتمام مسيرة السلام، وبذلك تنتزع جذور الشر من القلوب وتزرع مكانها بذور المحبة والوئام.