Note: English translation is not 100% accurate
شهر الانتصارات
سرية سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر
8 يوليو 2015
المصدر : الأنباء
كل سرية حصلت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت درسا نبويا للمسلمين إلى يوم القيامة، وقد نجد في السرية هذه أو تلك أحداثا مكررة أو وصايا مكررة ولكنها في حد ذاتها غير مكررة، بل فيها دروس وعبر لن يستغني عنها المسلمون في كل حروبهم ومعاركهم التالية، والتي إن تركوها أو تجاهلوها خسروا الدنيا والآخرة، وما الهزائم التي تعرض لها المسلمون في تاريخهم الحديث إلا حصيلة ابتعادهم عن المنهج النبوي السامي في إدارة الحروب والمعارك.. واليوم نستذكر سرية نبوية جديدة ألا وهي «سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر».
بعد عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة الابواء إلى المدينة المنورة ـ وقيل إن السرية كانت قبل غزوة الابواء ـ وصلت الأخبار بوجود قافلة على رأسها أبي جهل بن هشام مع ثلاثمائة راكب آخرين قادمين من الشام، تمر من جانب البحر الأحمر عند ناحية العيص من ناحية جهينة وهي التي يقال عنها سيف البحر أي ساحله.
فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرار سريعا فأمر عمه سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أن يتحرك باتجاه تلك القافلة، فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء ابيض قيل انه أول لواء يعقده رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ وصوله إلى المدينة مكتوب عليه «لا اله إلا الله محمد رسول الله». وحمله في تلك السرية أبو مرثد الغنوي رضي الله عنه.
كانت السرية مكونة من ثلاثين راكبا نصفهم من المهاجرين وعلى رأسهم أبو عبيدة بن الجراح وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، وزيد بن حارثة، وكناز بن الحصين وابنه مرثد وأنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخرون غيرهم، والنصف الآخر من الأنصار وعلى رأسهم أبي بن كعب وعمارة بن حزم، وعبادة بن الصامت، وعبيد بن اوس، واوس بن خولي، وأبو دجانة، والمنذر بن عمرو، ورافع ابن مالك، وعبدالله بن عمرو بن حرام، وقطبة بن عامر بن حديدة وآخرون رضي الله عنهم أجمعين.
وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج مع سرية حمزة إلا المهاجرين وانه لم يخرج معه الأنصار إلا في بدر وهو الرأي الراجح والله اعلم.. فقد اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بموقف الأنصار من إيوائهم للمهاجرين في ديارهم ومؤاخاتهم لهم، فلم يكلفهم عناء السرايا حتى خروجه لبدر.
وفي الوقت نفسه أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية أخرى بقيادة عبيدة بن الحارث رضي الله عنهفي مهمة أخرى.
تحركت السرية أو الدورية بمسير اقترابي حسب المصطلحات العسكرية حتى وصلوا إلى ناحية العيص بالقرب من جهينة حيث كانت القافلة قد وصلت.
وفي يوم الثالث من شهر رمضان من السنة الهجرية الأولى، التقى الفريقان واصطفوا للقتال، ولكن تدخل بينهم مجدي- وقيل مخشي- بن عمرو والذي كان حليفا للمسلمين وقريش وهو من جهينة، وبدأ يفاوض الطرفين بشأن ترك القتال، فاقتنع الطرفان بالانسحاب، فرجع أبو جهل إلى مكة ورجع حمزة بالسرية إلى المدينة. ولما وصلت السرية إلى المدينة ذهب قائدها حمزة بن عبد المطلب ليقدم التقرير العسكري واخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر قبول تدخل مجدي بين الطرفين لأنهم رأوه منصفا لهم، فوافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما فعل، ولعل الأسباب كثيرة منها عدم توازن القوى بين الطرفين أو أن السرية فقدت عامل المفاجأة والله اعلم.
ولما مر رهط مجدي هذا بالمدينة ودخلوها أكرمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنع لهم خيرا، ولهذا كان يقول مجدي عن ذلك: انه ما علمت ميمون النقيبة مبارك الأمر.
وفي هذه السرية يقول حمزة من أبيات:
فما برحوا حتى انتدبت لغارة
لهم حيث حلوا ابتغى راحة الفضل
أمر رسول الله أول خافق
عليه لواء لم يكن لاح من قبل
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا
مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا
وما لهم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا
فخاب ورد الله كيد أبي جهل
فيا للؤي لا تطيعوا غواتكم
وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل
لقد كانت نتائج هذه السرية على المعسكر الوثني سيئة للغاية، حيث هزت كيان قريش وبثت الرعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المحدق بهم والذي أصبح يهدد طريق تجارتهم، وبالتالي اقتصادهم.
أما المسلمون فقد كانت نتائجها عليهم إيجابية، حيث تصاعدت الروح الحماسية بينهم، وأعطتهم بعدا عميقا من الثقة بالنفس والجرأة على عدوهم، ذلك الذي استطاعوا ولأول مرة الوقوف في وجهه بقوة أبهرت قريش وأدهشتهم «قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا، فاحذروا أن تمروا طريقه، وأن تقاربوه فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم نفيتموه نفي القردان على المناسم، والله إن له سحرة، ما رأيته قط ولا أحدا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين وإنكم عرفتم عداوة ابني قيلة فهو عدو استعان بعدو».
والقردان: جمع قراد وهي دويبة تعض الإبل. والمنسم: بكسر السين: طرف خف البعير والنعامة والفيل والحافر، وقبل: هو للناقة كالظفر للإنسان. وابني قيلة هو كنابة عن الأوس والخزرج، فقيلة أمهم وكانوا ينسبون إليها. ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما دار بينهم من حوار نتيجة ردة فعلهم نحو شرارة الإنذار الأولى التي أطلقها تجاههم قال:
«والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم، وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله - عز وجل - ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على يدي، وأنا العاقب».
نعم.. إنها سرايا المصطفى التي تضعنا أمام دروس عظيمة منها:
1 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتف بوجود مكان آمن يلجأ إليه ويقعد بل حرك سراياه لقطع طريق تجارة قريش واخذ الغنيمة منها لاستعادة جزء من أموال المهاجرين الذين هاجروا بأنفسهم فقط.
2 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمح بخروج الأنصار في أولى سراياه لأنهم كانوا- رضي الله عنهم- مشغولون بواجب النصرة والضيافة في المدينة، فلم يثقل كاهلهم على الرغم من استعدادهم للقتال إلى جانبه في أي وقت.
3 ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم اعز الناس إلى قلبه في تلك السرايا فلم يكن يخاف على زيد أو حمزة بل كان يجعلهما على رأس السرايا وفي هذا درس للقادة والأمراء إلى قيام الساعة.
4 ـ قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم وساطة مشرك بين الطرفين وقام بإكرام الوسيط مكافأة له، ولكنه قبل بالوساطة لأنه صاحبها كان غير منحاز لأحد الطرفين فوافق على وساطته، ولا يمكن الاعتداد بالوساطة الأميركية في القضية الفلسطينية وقبولها وتقديم ما حصل في هذه السرية حجة لها لان الجانب الأميركي منحاز لليهود ولا يعتبر منصفا.
نسأله تعالى أن يجعلنا ممن يهتدون بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سلمه وحربه انه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.