Note: English translation is not 100% accurate
من أجل تحصين عقول الشباب.. بقلم: عبدالرحمن الشنقيطي
9 أكتوبر 2015
المصدر : الأنباء
لم يعد مستساغا ولا منطقيا حصر الدوافع الى تطرف الكثير من الشباب والتحاقهم بالمكفرة والمفجرة في ظواهر الجهل والفقر والتهميش، وأضرابها من الاعراض الظاهرة المؤججة للنفوس.
فقد انخرط في سلك التشدد شباب من فئات عمرية مختلفة ومن مستويات علمية ومادية متباينة، ومنهم ذوو خبرات وتجارات من اوساط اجتماعية معتبرة في بلدانهم.ولأنه كما قيل «معرفة الداء نصف الدواء» تاه الناس يخرصون عن مكمن الداء، وينبشون عن السر الحقيقي الكامن وراء اندفاع اولئك الفئات من شباب الامة الى انتهاج تلك المناهج الفكرية والسلوكية المتطرفة باقتناع وانقطاع، يحملانهم على الاستعداد للتضحية بأرواحهم، ليس ذلك فحسب بل بأمن اوطانهم ـ جمعاء ـ امعانا في الولاء لتلك المناهج الزائغة.
ولقد بان لي ـ وانا اطوف في جامعات مشرقية واخرى مغربية ـ ان اسدي خلاصة ما افادتني به تجربة سنين عديدة من مزاملة بعض من ابتلوا ـ بعد ـ بالارتماء في وحل التطرف والارهاب من شباب الجامعات سواء في المشرق او في المغرب العربيين، حتى لا يستفرد بنا الحل الامني في مواجهة ابناء اوطاننا وشباب امتنا الذين يرتدون سهاما في صدورنا بعد ان لم نكن ـ للاسف ـ احكمناهم ليكونوا لنا لا لغيرنا يغير بهم على امننا واستقرارنا.
ان مكمن الخلل هو في تركيز الاسرة في بلادنا العربية على الاشباع الجسمي والوجداني، وقد يشاركهما الجانبان العقلي والنفسي للابناء، وهذا مما لا يعاب في رعاية النشء وتربيته، لولا انه يجيء في الغالب الاعم على حساب الاشباع الروحي، فأكثر ما يعانيه شبابنا المتدينون بالفطرة هو خواء ارواحهم من حقائق الايمان التي لا يجذرها في الارواح سوى العلم التام والفهم الصحيح لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ان كثيرا من الاسر ذهبت تبحث لابنائها عما يهيئهم ويؤهلهم لمجابهة صخب الحياة المادية ومتطلباتها، فاجتهدت في تعليمهم اللغات والعلوم التطبيقية والفنون، متناسية ان هؤلاء الفتية ـ بفعل فطرة الله التي فطرهم عليها ـ سيرتدون يوما ما عن حياة المادة وصخب الشهوات مندفعين بقوة، متلمسين لارواحهم الخواء سبيلا ـ اي سبيل ـ الى الارتواء، وعندها سيكون من السهل انقيادهم لدعاة الغلو والتطرف الذين يجيدون فن النفاذ الى تلك الارواح التي اهمل تحصينها، ومراودة تلك المشاعر الرخية للدغدغة والاغراء.
ألا فليتخذ المربون آباء وامهات لابنائهم منذ الصغر معلمين يعلمونهم ويؤدبونهم، لا يكفي في ذلك تسجيل الابناء في حلقة بمسجد عند شيخ غير متفرغ ـ في الغالب ـ يحضرون اليه ساعة او ساعتين في الاسبوع يلقاهم ويلقونه وقد ضعف الطالب والمطلوب، هذا لضعف المحفز وضغط الهموم، وذاك لفتور همته وغياب المرغب او المرهب.
بل الواجب في تحصين الاجيال وتأمينهم ان تتخذ كل اسرة لها معلما ذا كفاءة علمية واخلاق عالية، تخلي له من بيتها او مسكنها وتستجلبه لها خصيصا، وتغدق عليه بسخاء، ليتفرغ لتحفيظ ابنائها كتاب الله تعالى وما يتيسر من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وسير السلف الصالحين واخبار الامم والدول الغابرة، وفق جدول دراسي يومي منضبط، وفي جو يسمح للشيخ ان يعلم ويؤدب، ويسمح للابناء ان يأخذوا عن الشيخ علمه وادبه عن قرب وعن ألفة، لن تمضي سنون معدودة الا وقد اتقنوا حفظ القرآن الكريم، حفظ صدور وعقول لا حفظ مصاحف، اذ ليس يصدق في وصف حافظ المصحف انه حافظ، حتى يكون محفوظه حاضرا معه في صدره حيثما يمم.ويوم تخصص الاسر لابنائها محفظين مؤدبين اكفاء، مثلما تنتقي لهم المدرسين الخصوصيين والمدربين ووسائل الترفيه، وتجود عليهم بسخاء، اداء لحقوق الارواح والقلوب اضعاف ما تجود في اداء حقوق الاجساد والنفوس، سيتخرج ـ باذن الله ـ من تلك البيوت المؤمنة ابناء بررة يصلحون في الارض ولا يفسدون، عصي قيادهم على دعاة الفتن ومغريات الشبهات والشهوات.وقلما وفق فتى لملازمة شيخ علم وادب الا انسحب عليه منه ادب العلماء ووقارهم، وقديما لما وجهت ام الامام مالك ابنها الى احد شيوخه قالت له: اذهب فتعلم من ادبه قبل علمه.
وانما يتأصل في الابناء حب العلم والهمة في طلبه والتأدب بأدب اهله بالتبكير بهم الى مجالس العلم والمبادرة بهم الى ملازمتها منذ الصغر، قبل ان تثاقل بهممهم المغريات المادية، او تطمس ذكاءهم الاجهزة التكنولوجية الملهية المثبطة، والتي كثيرا ما ينتهي بهم الاغراق في عوالمها الى احد طرفي القصد المذمومين: الافراط والغلو او التفريط والجفاء.