اعلم - رعاك الله ايها الودود - ان الله عز وجل اذا اراد بعبد خيرا بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخف عليه عيوبه، فاذا عرف العيوب امكنه العلاج، لكن اكثر الخلق جاهلون بعيوب انفسهم، يرى احدهم القذى في عين اخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، كما جاء في الحديث عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبصر احدكم القذاة في عين اخيه، وينسى الجذع في عينه معترضا» اخرجه ابن حبان وصححه الالباني.
قال ابن حزم (الاخلاق والسير 155): العاقل: هو من ميز عيوب نفسه فغالبها، وسعى في قمعها، والاحمق: هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه، وضعف فكرته، وإما لانه يقدر ان عيوبه خصال، وهذا اشد عيب في الارض.
فمن اراد ان يعرف عيوب نفسه فله في ذلك اربع طرق:
الاول: ان يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، وعلى منهج السلف، يعرفه عيوب نفسه وطرق علاجها، وهذا قد عز في هذا الزمان وجوده، فمن ظفر به فقد وقع على الطبيب الحاذق، فلا ينبغي ان يفارقه، فمجالسته دواء، والاخذ بنصحه عافية.
الثاني: ان يطلب صديقا صدوقا بصيرا متدينا، يلاحظ افعاله واقواله، فما كره من اخلاقه وعيوبه، ينبهه اليها، وكان هذا دأب الكرام بقولهم «رحم الله من اهدى الي عيوبي».
فكل من كان اوفر عقلا، كان اقل الناس اعجابا، واعظم اهتماما وفرحا بتنبيه غيره له على عيوبه، يا للاسف فقد آل الامر في امثالنا الى ان ابغض الخلق الينا من ينصحنا ويعرفنا عيوبنا.
الثالث: ان يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة اعدائه، ولعل انتفاع الانسان بعدو مشاحن يذكر عيوبه اكثر من انتفاعه بصديق مداهن يثني عليه ويخفي عنه عيوبه.
الرابع: ان يخالط الناس، فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق، فليطلب نفسه به، وينسبه اليه، فإن المؤمن مرآة، فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه ويعلم ان الطباع متقاربة في اتباع الهوى فما يتصف به غيره، فلا ينفك هو عن اصله، او عن اعظم منه، او عن شيء منه، فليتفقد نفسه، ويطهرها من كل ما يذمه من غيره، وناهيك بهذا تأديبا، فلو ترك الناس كل ما يكرهونه من غيرهم لاستغنوا عن المؤدب، وهذا كله لازم لمن فقد شيخا مربيا ناصحا في الدين، والا فمن وجده فقد وجد الطبيب فليلازمه، فإنه يخلصه من مرضه.
وقيل لرجل: من أدبك؟ قال: رأيت جهل الجهال قبيحا، فاجتنبته، فتأدبت.