الإسراف: هو مجاوزة حد الاعتدال في الطعام والشراب واللباس والسكنى ونحو ذلك من الغرائز الكامنة في النفس البشرية.
ومن المعلوم أن الإسراف في تناول الطعام يؤدي الى السمنة وضخامة البدن وأمراض السكر والضغط والقلب وغير ذلك مما لا يخفى على عاقل، ويتبع الإسراف سيطرة الشهوات على الانسان، وبالتالي التثاقل، والتكاسل عن أداء العبادات والواجبات اليومية، ولعل ما ذكر من تبعات الإسراف يظهر الحكمة من نهي الله ورسوله عنه، قال تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) (الأعراف 31).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن.
بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» صحيح أخرجه الترمذي 2380، وصححه العلامة الألباني.
وللإسراف أسباب وبواعث توقع فيه وتؤدي اليه نذكر منها:
أولا: النشأة الأولى: فقد يكون السبب في الإسراف النشأة الاولى ذلك أن المسلم قد ينشأ في أسرة مترفة باذخة فما يكون منه سوى الاقتداء والتأسي إلا من رحم الله على حد قول القائل:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه
ثانيا: السعة بعد الضيق: وقد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر ذلك أن كثيرا من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر وهم صابرون محتسبون، بل وماضون في طريقهم الى ربهم، وقد يحدث أن تتغير الموازين وأن تتبدل الأحوال، فتكون السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط، أو الاعتدال، فينقلب عيشهم الى النقيض تماما فيكون الإسراف أو التبذير.
ولعلنا بهذا ندرك شيئا من أسرار دعوة الإسلام وتأكيده على ضرورة الاعتدال في جميع الأحوال.
ثالثا: صحبة المسرفين. وقد يكون سبب الإسراف صحبة المسرفين ومخالطتهم ذلك أن الإنسان غالبا ما يتخلق بأخلاق صاحبه وخليله، لاسيما اذا طالت هذه الصحبة، وكان هذا الصاحب قوي الشخصية شديد التأثير.
ولعلنا بذلك ندرك السر في تأكيد الإسلام وتشديده على ضرورة انتقاء الأصحاب.
رابعا: الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا:
وقد يكون سبب الإسراف الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون ذلك أن من طبيعة الحياة الدنيا عدم الثبات والاستقرار على حال واحد، بل هي متقلبة، فيوم لك ويوم عليك. قال تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) (آل عمران 140).
والواجب يقتضي أن تكون يا أخي منها على وجل وحذر وتضع النعمة في موضعها وتدخر ما يفيض عن حاجتك الضرورية اليوم من مال وصحة ووقت الى الغد، أو بعبارة أخرى أن تدخر من يوم إقبالها ليوم إدبارها.
فيا أيها المسرف في التهام لذائذ الدنيا اعلم أنك تضر نفسك أولا، وليس من الحكمة أن يسيء الإنسان الى نفسه في ماله وصحته وأهله وهو قدوة لهم، وكذلك يجب ألا يغيب عن بالك أن عمر متاع الدنيا قصير وقد قال تعالى: (اعلموا انما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (الحديد 20)، وأنا لا أقول امتنع عن التمتع بملذات الدنيا، وإنما أدعوك الى الاعتدال في ذلك ففي الإفراط بوار وضياع، وفي الاعتدال حياة طيبة.
ورحم الله من قال:
لا ذا ولا ذاك في الإفراط أحمده
وأحمد الأمر ما في الفعل يعتدل
وقال محمود سامي البارودي:
ولا تكن مسرفا غرا ولا بخلا
فبئست الخلة: الإسراف والبخل