يبتعد «Nightmare Alley» عن الخيال العلمي والأشياء الخارقة للطبيعة التي اعتدناها من أفلام المخرج ديل تورو، ويتجذر بقوة في الواقع، حيث يستعرض الفيلم وحشية الإنسان بشكل كبير، وبالرغم من أنه يعاني من البطء أحيانا ومن عدم التوازن في أحيان أخرى، إلا أن الخاتمة تقدم قصاصا عادلا جديرا يكتب في التاريخ.
يروي الفيلم قصة «ستاتون كارلايل» المعروف بـ «ستان»، وهو رجل ماكر فصيح اللسان يسعى لحياة أفضل، ويشق طريقه من منزل طفولته المحطم نحو عرض مسرحي لغريبي الأطوار وهناك يلتقي بمحبوبته «مولي كاهيل»، ويصل أخيرا إلى المدينة الكبيرة، حيث سيلتقي بالدكتورة «ليليث ريتر» المتألقة، لكن تزداد غطرسة ستان (برادلي كوبر) مع مرور الزمن.
«ستان» مدرك لكل ما يحتاجه، فهو مسلح بأسلوب فتى مزارع بريء وابتسامة ساحرة، فيشق طريقه بسهولة نحو أي شخص قد يساعده على الصعود، لكن كما يذكر «Nightmare Alley» عدة مرات، هناك بعض القطع المفقودة في رؤية «ستان»، ولن يتمكن أي شخص يستغله من ملء الفراغ الذي يلبي احتياجاته.
يتعامل «كوبر» مع مشاكل شخصيته بسهولة، حيث ينتقل بسلاسة بين الشرير والصادق، إلا أن كلا من روني مارا وكيت بلانشيت (اللتان تلعبان دوري مولي وليليث على التوالي) هما من تتألقان أكثر من غيرهما، فيشعر المشاهد بالتعاطف طوال الوقت مع «مولي» ولطفها، في حين تمتاز «ليليث» بالأنثى القوية، وعلى الرغم من أن فترة ظهورها على الشاشة أقصر من نظيراتها، إلا أن «زينا كرمبين» التي تؤديها توني كوليت تستحق الذكر بين بقية طاقم العمل الرائع، ورغم افتقار الفيلم إلى أسلوب المخرج ديل تورو النموذجي المليء بالتناقضات الصارخة، إلا أنه لايزال ساحرا.
يبدو أن التلميحات لأفلام هوليوود الكلاسيكية هي صيحة هذا العام! وبشكل مشابه لفيلم «West Side Story» للمخرج ستيفن سبيلبرغ، يستعرض «Nightmare Alley» العديد من الحيل الفنية القديمة، حيث يتم استخدام شاشات الانتقال التي تتلاشى نحو الأسود عندما يظهر مكتب «ليلي» كأنه خارج من صورة كلاسيكية من ناحية الإضاءة والأجواء.
لا يمكننا القول ان «Nightmare Alley» لا يستحق وقت مشاهدته الطويلة (والذي يمتد إلى ساعتين و20 دقيقة)، إلا أنه يعاني من عدم التوازن بعض الشيء، والفصل الأول منه هو الأفضل والأكثر إشراقا، من ناحية القصة، وفيه يضطر كل من «ستان» و«مولي» لترك العرض المسرحي، لكن يفتقر بقية الفيلم إلى نفس النوع من التميز، حيث يبدو بريق نيويورك باهتا مقارنة بالخلفية البشرية الجريئة لجذور «ستان» و«مولي»، ومن المحتمل جدا أن يكون ذلك مقصودا من الناحية المجازية، لكن من ناحية التنفيذ، فإن هناك عدة لحظات لاحقة تعطي شعورا ناقصا.
ومع ذلك فإن المكان الذي يتألق فيه «Nightmare Alley» حقا هو مواضيعه التي يطرحها، حيث يتحدى ديل تورو نفسه بصنع شيء متجذر بالواقع، ومن المستحيل التشكيك بطريقة تنفيذه، ويقدم الفيلم لحظات وحشية تثير الدهشة، فالموت حاضر هنا، لكنه ليس شيئا محوريا، فهذا الفيلم عن العذاب والمعاناة، ولا نقصد أن نكون متشائمين، لكن تلك المعاناة رائعة، فهي ملموسة ويتم تجسيدها بشكل متميز لدرجة أنه من الصعب الخروج من الفيلم بشعور غير راض.
وإذا كنتم تعتقدون أن السوداوية ليست حاضرة كما حدث مع العناصر الخارقة للطبيعة التي تميز أفلام ديل تورو، فلا تقلقوا، حيث لا يقدم «Nightmare Alley» السوداوية التي تتوقعونها منه فحسب، بل إن وجودها متجذر بشكل كبير في أحد الموضوعات الرئيسية فيه، ويتم تمثيل وحشية الإنسان، سواء بشكل كامن أو بالأفعال، فتتلاقى جرائم القتل العادية الهادئة مع العنف الوحشي، والتي يتم تمثيلها لأقصى الحدود.
ورغم مشكلة عدم التوازن التي ذكرناها سابقا، وحقيقة أن بعض المشاهدين قد يتمنون لو أن الفيلم أقصر قليلا، إلا أن خاتمة «Nightmare Alley» تمثل انتصارا رائعا، فمقابل كل بربرية هناك قصاص ملائم، وتمتزج اللحظات الأخيرة من اليأس مع نوع من الرضا بحيث يصعب عدم مغادرة السينما دون ابتسامة صغيرة على وجوهكم على الأقل.