لا ينجح كل شيء في «West Side Story» للمخرج ستيفن سبيلبرغ، فكيف يمكن ذلك والفيلم الكلاسيكي الذي صدر في 1961 لا يعلى عليه؟ لكن رؤيته البصرية لبعض الأفكار الكامنة من الفيلم الأصلي تجعله قطعة تكميلية له، ومع توجهه الأكثر قسوة وإبهارا، يقدم الفيلم جوانب مبدعة ومتألقة نادرا ما تتداخل مع سلفه، مما ينجم عنه فيلم «ريميك» يبدو مشحونا ومبررا تماما، بل قطعة فنية ساحرة الجمال.
يحافظ الفيلم على الخطوط العريضة كما هي، مع بعض التعديلات وإعادة ترتيب طفيفة على الحبكة، فهناك عصابة «Sharks» تتألف من مجموعة من الوافدين الجدد من بورتوريكو بقيادة برناردو (ديفيد ألفاريز)، وهو ملاكم في هذه النسخة، وهناك أيضا عصابة «Jets» والتي تتألف من أشخاص بيض البشرة من سكان نيويورك بقيادة ريف (مايك فايست)، الذي ينزعج من التنوع العرقي المتغير في حيه المزدحم.
ووسط حرب منطقة «أبر ويست سايد»، هناك الثنائي الرومانسي المؤلف من أخت «برناردو»، ماريا (ريتشل زيغلر)، وصديق ريف المفضل، توني (أنسل إلغورت)، وهو عضو سابق في عصابة «Jet»، ومازالت أحداث القصة تجري في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، كما حدث في العرض المسرحي لعام 1957، مع موسيقى من تأليف ليونارد بيرنشتاين، وكلمات ستيفن سوندهايم، لكن علاقة هذا «الريميك» الجديد بالفترة الزمنية تبتعد بشكل كبير عن الفيلم الأصلي الرائع.
على الرغم من أنه تم تصوير الفيلم جزئيا في العالم الحقيقي خارج الاستديو، الموجود في مدينة نيويورك المفعمة بالحيوية، والتي تتألق باللون الأحمر الفاتح، حيث دارت أحداث النسخة الأصلية سنة 1961، ولا يتم التعبيرعن مشاكلها الحقيقية من خلال المساحات، بل من خلال الحوارات والرقص وكلمات أغاني «سوندهايم» الصادقة، حتى انه تم تصوير بعض المشاهد في شارع 68 على بعد أحياء قليلة من مكان أحداث قصة الفيلم، لكنه دخل حيز الإنتاج بعد انتهاء عملية إخلاء المنطقة للأحياء الفقيرة المخطط لها، من أجل مشروع تجديد ساحة لينكولن مع المصمم «روبرت موزيس»، والذي أدى إلى ولادة مركز لينكولن وبعض الشقق باهظة الثمن، لكن في الفيلم الجديد لاتزال عملية الهدم مستمرة، ويمكن رؤيتها في كل مشهد تقريبا. تعيش شخصيات «West Side Story» في ظل تهديد دائم بالنزوح (النزوح الحقيقي أثر على 7 آلاف أسرة)، والتفاصيل الدقيقة لتصميم الإنتاج تجعل الحي يبدو نابضا بالحياة وفي حالة من التدهور تفسح المجال لتجسيد شخصيات أكثر صرامة وقسوة.
تركيز الفيلم ليس جديدا بقدر ما هو متجدد، حيث يسلط الضوء بشكل مضخم جدا على التفوق العرقي للبيض الذي أكد عليه الفيلم الأصلي، وأثناء ذلك يقدم نسخة من شخصية «ريف» الذي يطلق العنان لنفسه بالمشهد مع مزيج من الألم والاستحقاق، ويؤدي «فايست» الدور كأنه شخص ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض قبل أن يهرب بعيدا، إنه يمتاز بأداء مرعب وساحر ويلفت الأنظار نحوه من خلال وضعية جسده، خاصة في المشاهد التي تحتوي على أحاديث مطولة والتي يستخدمها مؤلف السيناريو توني كاشنر لشرح بعض المواضيع من النسخة الأصلية.
ربما كانت حوارات كاشنر الطويلة ستبدو خرقاء وثقيلة وواعظة في فيلم آخر، لكن بين يدي سبيلبرغ تمت صياغتها في سلسلة من الملاحظات بسيمفونية أكبر، وسنجد هناك بعض اللحظات التي تخاطر بأن تكون غير ملائمة أو ألطف من اللازم لكن ينتهي بها المطاف ملائمة تماما لنسيج العمل.
التداخل الأكثر وضوحا بين عنصرية عصابة «Jets» وعنصرية الشرطة، على وجه الخصوص الملازم شرانك (كوري ستول)، ليست فقط محكية بل يتم الشعور بها، حيث تتحرك المجموعتان بمهارة بين لغة الجسد الودية والعدائية، ويماثلهم بالاندفاع والعدائية رد فعل عصابة «Sharks»، والتي لم يتم التركيز على تصوير العنف عندها، بل سلط الضوء اكثر على الجوانب الحماسية والتي فيها فخر بثقافتهم.
وفي حين أن مشهد تقديم عصابة «Sharks»، ومشهد تقديم الفيلم نفسه بشكل عام، يفتقر إلى مشهد الباليه الجريء والقوي الذي رأيناه بالفيلم الأصلي، ورغم أن «ريف» يأسر المشاهد بأدائه الممتع، إلا أن تلك المشاهد تفتقر الى سوء الحظ لنوع من السلاسة، ورغم تميز كل فرد من أفراد العصابة بين بعضهم من الناحية البصرية والعاطفية، حتى تشينو (جوش أندريس ريفيرا) يتمكن من التألق بين الشخصيات، غير أنه نادرا ما يمكن تمييز أفراد «Jets» عن بعضهم البعض، سواء من ناحية المظهر أو لغة الجسد، كما لم يتم استبدال تصميم رقص «روبنز»، الذي تم استخدامه بالفيلم الأصلي والعرض المسرحي، بأي شيء مميز.
وهناك اختلاف موسيقي كبير في أغنية «Gee Officer Krupke» التي يتم تقديمها في الفيلم بشكل ضعيف، أضف إلى ذلك التركيز البصري الأكثر جدية، والذي يتم من خلال لقطات مقربة على التعابير المؤلمة خلال كلمات أغاني حول الحياة المنزلية المحطمة لعصابة «Jets»، والذي لا يصاحبه تعديل موسيقي كبير.
يبدو الفيلم كقطعة فنية من عصر النهضة مقارنة بأسلوب الفيلم الأصلي الذي يمكن تشبيهه بعمل إيطالي بيزنطي، مع منظور عميق منسوج في كل لقطة، وذلك من خلال الرقص، وحركة الكاميرا، وحتى بأسلوب التحرير الذي تستخدمه سارة بروشار ومايكل كان، والذي يدخل ويخرج من نفس الزاوية بشكل منتظم، كما لو ان هذين المحررين يقومان بهزك من كتفيك لتذكيرك بأن التحرير هو ما يصنع الفيلم، ويصنع سحره.
وتتألق زيغلر بدور «ماريا» حيث تقدم أداء نابضا بالحياة، وتضفي صدقا حيويا على العلاقة الرومانسية الأوبرالية بالفيلم، وتتنقل بسلاسة بين الشعور بالتوتر وعدم الراحة حول «توني» وشعور من الراحة ضمن هذا الانزعاج، كأنه جزء من نفسها يمكنها مشاركته معه.
من ناحية أخرى، لا تتحدث ماريا الانجليزية بطلاقة، لكن الفيلم يقدم اللغة الإسبانية، والاسبانية/انجليزية أكثر بكثير مما كانت تسمح به ثقافة المسرح الموسيقي الأميركي في الخمسينيات.