إذا كان «الفن وعداً بالسعادة»، فإنه يجب ألا ننسى أيضا أنه تسجيل للآلام المتراكمة من خلال التاريخ في مجتمع لا يكف عن الصراع والصدام.
إن الفن باحتجاجه على السائد والراهن والموجود والمعطى سلفا، وعن طريق فصل نفسه بنفسه عن الواقع الاجتماعي ومؤسساته التي شوهت الحياة، لا يكف عن محاولة خلق عالم مغاير يتفتح فيه الوجود الإنساني ويزدهر بعيدا عن العقلية التي لا تفهم إلا منطق المادة والرأسمال.
واللافت حقا أن الصناعة الثقافية لا تكف عن كبت المستهلكين والتنكب عمّا وعدتهم به، فصك اللذة أو بالأحرى صك الحصول عليها صك مؤجل إلى ما لا نهاية، إذ يكون الوعد بالمتعة والتسلية ما هو إلا وهم لا يمكن الوصول إليه.
واضح أن رأسمالية الاستهلاك والاحتكارات قد أحكمت قبضتها على الواقع الاجتماعي برمته، وقد نالت الحسنين معا، فلا هي منحت اللذة والتسلية ولا هي تعرضت لأزمات جراء الوعي المختلف عما تقدمه، فالناس غارقون في وهم الاستهلاك وأيديولوجيا الترف.
وإذا كان الفيلسوف الألماني «ثيودور أدورنو» قد عارض استخدام المتعة من قبل الرأسمالية، فإنه لم يكن يضحي بها، أي بهذه المتعة، أو يقدمها قرباناً على مذبح النقد الاجتماعي، إنما هو فقط يعارض مفهوم المتعة الناتج عن «السلعنة» وتصنيع الثقافة فحسب.
ولقد دفع تصحيح مفهوم المتعة بـ «أدورنو» إلى إسناد وظيفتين للأستطيقا (النظرية الجمالية) هما: تحقيق المتعة المضادة للابتذال والترفيه والتسلية، والقيام بوظيفة نقد نسق العقلنة وتفكيك خطاباته.
وعلى ذلك، فإن نظرية صناعة الثقافة على حد قول الناقد الأميركي «فريدريك جيمسون» في كتابه «ثقافات العولمة»: «ليست نظرية في الثقافة، بل هي نظرية في الصناعة، ذلك لأن آثار الصناعة على الموجود الإنساني كانت وخيمة، وما الثقافة في هذا الصدد إلا حدث طارئ وعابر، حيث إنه تم استخدامها لتحقيق أهداف الصناعة فقط، ولقد بلغ تأثير الصناعة الثقافية مبلغا كبيرا في المجتمع الرأسمالي المتأخر».