بين الباحث الشرعي م. سالم الناشي أن القرآن الكريم وضع طاعة ولي الأمر في المرتبة الثالثة بعد طاعة الله - تعالى - ورسوله صلى الله عليه وسلم، وان طاعتهم هي الطريق لرعاية الدين وعلوم الإسلام، مؤكدا أن الأمة المشتتة لا يرجى منها خير، وعرف مفهوم طاعة ولي الأمر ومكانتها عند الله وأنها من الواجبات الشرعية، وذكر عدة أدلة على وجوب طاعة ولي الأمر مستشهدا بأقوال علماء وشيوخ الاسلام بالتفصيل، وبين الناشي في حواره مع «الإيمان» حقوق ولاة الأمر على الرعية، وواجبنا تجاههم.. وإلى نص الحوار:
في البداية.. ما تعريف طاعة ولي الأمر؟
٭ الطاعة في اللغة: أصل الكلمة يعود الى ثلاثة أحرف وهي الطاء والواو والعين وهي لفظ ذو معنى واحد يدل على الانقياد، إذا انقاد معه ومضى لأمره وأطاعه بمعنى طاع له، ويقال لمن وافقه غيره قد طاوعه، والطاعة في الاصطلاح: عرفها العلماء بأنها انقياد القلب والجوارح للأحكام الشرعية وامتثال أوامر الله عز وجل وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أذن الله بطاعته من خلقه في غير معصية، ويمكن تعريفها بأنها طاعة من له سلطة شرعية عامة وفق مصلحة الدين والوطن، يجوز له بمقتضاها إجراء تصرفات تترتب عليها آثار شرعية لها عنصر الإلزام وقوة التنفيذ، وقد تم تعريفها أيضا بأنها الاستجابة والانقياد لما يأمر به وينهى عنه ولي الأمر، وذلك بامتثال الأمر والنهي دون منازعة ومعارضة.
ما مكانة طاعة ولي الأمر؟
٭ اهتمت الشريعة الاسلامية بمكانة طاعة ولي الأمر في الاسلام اهتماما بالغا وأكدت طاعته بالمعروف، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...)، وبهذا وضع القرآن الكريم طاعة ولي الأمر في المرتبة الثالثة بعد طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وما الصلة بين طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وطاعة ولي الأمر؟
٭ هناك صلة قوية بين طاعة ولي الأمر وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فسعادة البشرية وفلاح الإنسانية تكمن في إيمانها بربها واتباعها لنبيها وطاعتها لمن ولاه الله أمرها، وإن طاعة ولاة الأمور ثمرة للإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم بل هي طريق لأداء الطاعة ورعاية الدين وعلو الإسلام.
وما أثر العصيان على المجتمع؟
٭ الأمة المشتتة والمتأخرة المتنافرة العاصية لا يرجى منها خير ولا يؤمل لها في قوة ولا تضاف لها كرامة ولا ترقى لها عزة فطاعة أولي الأمر فيه توحيد للصفوف، إذ وحدة الأمة هي الأساس المتين لبقائها ودوام عزها وسعادة أهلها وسلامتها من الانهيار والسقوط، ولذا حرص الإسلام كل الحرص على التجمع وحفظ كيان الأمة.
السلف الصالح يولون للسمع والطاعة اهتماماً خاصاً.. فلماذا؟
٭ أجمع علماء السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين بالمعروف وألفوا في ذلك مؤلفات كثيرة، ولأهمية هذا الأمر أدرجوه في العقيدة، ولا تكاد ترى مؤلفا يخلو من تقرير وجوب السمع والطاعة لولاة امر المسلمين لأجل اظهار عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين بإحسان ليقتدى بهم وما ذلك إلا لبالغ أهميته وعظيم شأنه، ولولا السمع والطاعة لما استقام أمر المسلمين ولا انتظمت مصالح الدين والدنيا وفي طاعتهم سد لأبواب الفتن، ولقد علم بالضرورة انه لا دين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة، ومن المقرر لدى السلف الصالح انهم يولون هذا الأمر اهتماما خاصا لاسيما عند ظهور بوادر الفتن او الأفكار المنحرفة او غلبة الجهل به، نظرا لما ترتب عليه الجهل به او اغفاله من الفساد العريض في البلاد والعدول عن سبيل الهدى والرشاد.
وهل النصح لولي الأمر يتعارض مع الطاعة له؟
٭ الدين قائم على النصيحة التي هي من دين الله عز وجل، النصح لولي الأمر والنصيحة لولي الأمر تتناول السمع والطاعة له بغير معصية الله وتتناول الدعاء له بالصلاح والهداية والمعافاة وتتناول البعد عن سبه وإيغار الصدور عليه، وتتناول معاني عديدة نص عليها أهل العلم، رحمهم الله.
وما دور العلماء في أوقات الفتن؟
٭ للعلماء نظرة ثاقبة في أوقات الفتن بفضل العلم الذي آتاهم الله، لذا فهم يناصحون سرا وينكرون قدر الاستطاعة ويدرأون المفاسد ويقللونها ويجلبون المصالح ويكثرونها وليس بشرط أن يُسمع لهم كما انهم يدرأون الفتن ويحرصون على عدم إثارتها وزعزعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم ويدفعون الفتنة الكبرى بالفتنة الصغرى ويرون أن المحافظة على أمن الناس من أهم الواجبات.
وما واجبنا تجاه ولي الأمر؟
٭ التعاون مع ولي الأمر على البر والتقوى عملا بقوله تعالى: (.. وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب).
أقوال علماء الأمة وأئمتها
الإمام أحمد بن حنبل: من خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقروا بالخلافة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية.
الإمام البربهاري: إذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم انه صاحب هوى وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم انه صاحب سنة إن شاء الله لقول فضيل: لو كانت لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان.
شيخ الإسلام ابن تيمية: لعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته.
الشيخ السعدي: إنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعة ولاة أمورهم والانقياد لهم طاعة لله ورغبة فيما عنده ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
الإمام النووي: وأما النصيحة لأئمة المسلمين فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم.
الشيخ الفوزان: طاعة العلماء والأمراء موضوع مهم جدا لأنه زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وحصل بسببه فتن وحروب وقتل وضياع أمن بسبب التفريط في هذا الأصل.
الشيخ ابن باز: العلماء والأمراء يطاعون في المعروف فبهذا تستقيم الأحوال ويحصل الأمن وتنفذ الأوامر وينصف المظلوم ويردع الظالم أما إذا لم يطاعوا فسدت الأمور وأكل القوي الضعيف.
الشيخ العباد البدر: من حقوق ولاة الأمر المسلمين على الرعية النصح لهم سرا وبرفق ولين والسمع والطاعة لهم في المعروف وترك الخروج عليهم وتألف الناس لطاعتهم.
الضابط في طاعة ولي الأمر
سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله - عن الضابط في طاعة ولي الأمر فقال - رحمه الله: الضابط في طاعة ولي الأمر في غير معصية الله: أنه إذا أمر بمعصية فإنه لا يطاع، لو قال مثلا: لا تصلوا مع الجماعة، لا تصلوا إلا بعد خروج الوقت، احلقوا لحاكم، اشربوا الخمر، وما أشبه بذلك، يقال: لا سمع ولا طاعة، ويجب على كل من أُمر بمعصية من ولي الأمر أن يردها، لأن الأمر - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قضاء الله أحق»، حكمه أحق أن يتبع، أما الشيء الذي ليس فيه معصية، فيجب على الإنسان أن يطيع ولي الأمر، وجوبا، وطاعة ولي الأمر في ذلك طاعة لله - عز وجل - لأن الله - تعالى - قال: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم- النساء: 59).