بيروت ـ أحمد منصور
تتميز منطقة إقليم الخروب بتراثها الديني والثقافي العريق، وتحتضن العديد من المواقع والمقامات الدينية القديمة التي تعكس تاريخ المنطقة، ومنها المساجد التاريخية التي تخفي تاريخا طويلا للحقبات والعصور التي تعاقبت على المنطقة.
يأتي في مقدمة تلك المساجد جامع برجا الكبير، ويرجح خبراء الآثار الذين عاينوا المسجد أن يعود تاريخه إلى أكثر من ألف عام، وهذا ما تؤكده المكتشفات والمعالم الأثرية في داخله.
وتحول المسجد لما يخفيه من تاريخ طويل إلى محط أنظار الكثير من أهل العلم والثقافة وخبراء الآثار، الذين رأوا ان كل حجر من حجارته يدل على بصمات العصور والحقبات التي كانت لها مرقدا في هذه المنطقة، ولاتزال غير مكتشفة كلها.
وقال استاذ قسم الآثار سابقا في الجامعة اللبنانية ـ صيدا د.أحمد يونس «ان حقبة بناء المسجد في شكل دقيق غير معروفة، لعدم توافر الوثائق التي تؤرخ ذلك. لكن الروايات المتوارثة من جيل إلى آخر، ومن خلال الآثار المكتشفة، ترجح أنه كان عبارة عن كنيسة في العهد البيزنطي، وتم إضفاء تعديلات وهندسات إسلامية عليه، وأخرج جرن الماء المخصص للعمادة من باحته منذ مدة ليست ببعيدة».
وأشار يونس إلى «أن البناء على أعمدة وركائز تبرز إلى الخارج في الجدران، وسقف معقود كغيره من المساجد، ويعود تاريخها إلى عهد الإمارة في الشوف في ظل الحكم العثماني».
ولفت إلى تميز المسجد «بتصميمه المشابه للجوامع العثمانية القديمة في صيدا وبيروت وطرابلس. وتم ترميمه حديثا، وبنيت مئذنته القديمة عام 1894، وتصدعت بالزلزال عام 1956، من ثم أعيد ترميمها عام 1969».
وأكد يونس «ان إقليم الخروب من المناطق القليلة على شاطئ البحر المتوسط، التي لاتزال مأهولة بالسكان منذ أقدم العصور، الأمر الذي أغنى تراثه الإنساني ومعالمه ألأثرية والتاريخية، والتي تركتها فيه الشعوب والدول المتعاقبة على مر العصور».
كما اشار إلى «ان الشواطئ اللبنانية، كانت مأهولة باستمرار خلال العصور الحجرية، وان إقليم الخروب كان موطنا للإنسان منذ الزمن الجيولوجي الرابع، الذي بدأ منذ مليون سنة تقريبا. ولاتزال آثار الحقبات والعصور التاريخية شاهدة على تاريخ المنطقة، ومنها العصور الكنعانية والفينيقية والعهد اليوناني والروماني والبيزنطي، والعصر الإسلامي وعصور الصليبيين والمماليك وعهد الإمارة المعنية والشهابيين والقائمقاميتين والمتصرفية والأتراك، إلى الانتداب الفرنسي».
في مقابل ذلك، قال إمام المسجد الشيخ جمال بشاشة «ان العديد من خبراء الآثار الذين زاروا المسجد، أكدوا البعد التاريخي له، وان عمارته تعود إلى أكثر من ألف سنة».
وأضاف «بحسب الرويات الموروثة على ألسنة المعمرين، أن تاريخ المسجد يعود إلى أيام الاحتلال الصليبي، وانه كان في ألأصل كنيسة، ثم حوله المسلمون بعد دحرهم الصليبيين عن بلاد الشام إلى مسجد».
وأكد «أنه تم ترميمه للمحافظة على الطابع التراثي للمواقع الأثرية في البلدة، كونه المسجد الأول في برجا، وله ميزة خاصة في القلوب والنفوس. فموقعه يشكل أهمية كبيرة لدى أهلها، اذ يقع في وسط البلدة القديمة، حيث تحول إلى مكان لجمع أبنائها».
وتحدث بشاشة عن المبالغ الطائلة التي أنفقت على مشروع الترميم المسجد، وأشار إلى أنه تابع لدائرة أوقاف جبل لبنان، وانه تم ترميمه وتجديده ليكون مركزا للأنشطة الثقافية، ومصدرا لشعاع العلم والعبادة في قلب برجا وإقليم الخروب.
ومن برجا إلى الجية حيث مقام ومسجد النبي يونس، الذي يعود تاريخه ـ استنادا إلى المراجع والوثائق ـ إلى عهد المماليك، الذين حولوا المعبد القديم إلى مسجد إسلامي على اسم النبي يونس عليه السلام.
وفي بلدة مزبود، يدل البناء التاريخي لمسجد البلدة القديم، الذي تبلغ مساحته 80 مترا مربعا، استنادا إلى اللوحة المعلقة فوق مدخله، على ان تشييده يعود إلى 756هـ، أي 1355م.
وقد تعرض هذا المسجد إلى التصدع والهدم في زلزال العام 1956، ومن ثم تم ترميمه.
وتؤكد جدرانه وهندسته على البعد التاريخي له، وهي مبنية من الحجر الصخري. وتقوم على أعمدة ضخمة لتحمل العقد الذي يتكون منه سقف المسجد. وشهد عدة عمليات ترميم، بعد تعرض مئذنته المربعة للانهيار خلال زلزال عام 1956.
وفي كبرى بلدات المنطقة، شحيم هناك مسجد شحيم القديم (جامع الساحة)، وقد تم ترميم بنائه لكنه تهدم في زلزال 1956. وخلال أعمال الترميم، وجدت في أساساته أنقاضا وآثارا قديمة، ويرجح تاريخه إلى عهد المماليك.
وتنتشر المساجد القديمة التراثية في عدة بلدات بالإقليم. في المغيرية وجون والوردانية ودلهون وسبلين والزعرورية من جهة، والكنائس القديمة في البلدات المسيحية في المنطقة.
ويحرص أبناء المنطقة على الحفاظ على تنوعها وتعددها الطائفي والمذهبي، وتتوسط المساجد والكنائس البلدات، ومعظمها لا يزال شاهدا على هذا التاريخ، وان نال نصيبا من الخراب والدمار بفعل عوامل الزمن والحروب، إلا أن تاريخها ومواقعها شاهدة على التعايش الواحد.