بيروت ـ أحمد منصور
تحرص القوى السياسية في بلدة جون الشوفية (عاصمة الكثلكة) في جبل لبنان، على احترام العرف التقليدي المتبع منذ القدم، في أن تتولى رئاسة البلدية شخصية من طائفة الروم الكاثوليك، وهذا مرده لاعتبارات عدة أولها حفاظا على الحضور المسيحي الكاثوليكي المميز في المنطقة، من خلال الموقع التاريخي لدير المخلص في الطرف الشرقي من البلدة، الذي يضم مقر الرهبانية المخلصية عبر العالم.
تقع بلدة جون عند الحدود الفاصلة بين منطقتي الشوف وجزين، وعلى أطرف نهر بسري. ويتألف مجلسها البلدي من 15 عضوا، فيما يبلغ عدد سكانها حوالي 9 آلاف نسمة، موزعين بنسبة 40% كاثوليك و20% موارنة و40% من الطائفة الشيعية.
وتعيش البلدة أجواء انتخابية «خفيفة» استعدادا لهذا الاستحقاق، الذي يبدو أن ملامحه انطلقت بهدوء، إذ تسعى القوى السياسية المؤثرة في قرار جون، إلى التوافق على لائحة تضم مختلف الأطراف والعائلات، لتجنيب البلدة حمى المعارك الانتخابية وتأثيراتها السلبية.
وفي هذا الإطار، شدد راعي أبرشية صيدا ودير القمر لطائفة الروم الكاثوليك المطران إيلي بشارة الحداد لـ «الأنباء» على «ضرورة الحفاظ على موقع رئاسة البلدية للطائفة»، وقال «الانتخابات استحقاق وطني، ونحن الكاثوليك نخدم الوطن والمنطقة، وقد تعودنا على ذلك. لكن في بعض الأماكن حصلت تعديات على الطائفة، سواء نتيجة ضعفنا أو التنازل من قبلنا، لكننا متمسكون بمواقفنا وبمواقعنا، واذا أحب الشريك ان يتعاون معنا، ويتجاوب معنا، نكون مسرورين».
وتخوف الحداد من القول السائد «ان شنطة المسيحي دائما جاهزة للسفر، وان كل خضة تدفعه إلى ذلك»، لكنه أكد في المقابل «التمسك بوجودنا في الوطن وبالعيش المشترك».
وتابع «تاريخ جون الكاثوليكي لا يمكن لأحد أن يلغيه، وهو مرتبط بدير المخلص والمطرانية في صيدا ارتباطا وثيقا. الطائفة الكاثوليكية، هي التي أسست جون، والتغيير الديموغرافي فيها بات يشكل حيثيات جديدة، لكننا نحترمها»، وشدد على «أن اللبناني بحاجة لأن يضع يده بيد أخيه اللبناني الآخر».
واعتبر أنه «في بعض الأوقات قد تكون الحرب من الداخل أبشع من الحرب من الخارج علينا، لأننا نكون نحارب بعضنا البعض، ولهذا السبب نفتح للشريك كل مجالات التعاون، سواء كان درزيا أو شيعيا أو مارونيا».
وأضاف «التعديات التي طالت الطائفة الشيعية طالتنا جميعا في جون وفي كل لبنان. وهذه الأمور نأخذها بعين الاعتبار لتكون عامل اطمئنان للآخرين، هذه قضيتنا جميعا وليست فقط قضية الشيعي أو الدرزي أو السني. فدعونا نلعب الدور الوطني ونحافظ على المواقع التي لدينا، لتبقى الأخوة ويظل التعايش. وكل تعد على الدور الوطني والتقليدي، وكأنما تقول للشخص ارحل عنا ونحن نعمل عنك».
وكان الحداد عبر عن مخاوفه، على خلفية الانقسام الحاد الذي عاشته جون العام الماضي، عندما قدم رئيس البلدية جورج مخول (كاثوليكي) استقالته، ما أثار حفيظة المطران والطائفة من ان تخرج الرئاسة من «البيت الكاثوليكي» إلى نائب الرئيس حسام شمس الدين (شيعي)، إلا ان الرئيس نبيه بري حسم الأمر مع المختارة، وتم الإبقاء على الصيغة المتبعة وانتخبت لبيبة البرخش رئيسة جديدة للبلدية، وهي من الطائفة الكاثوليكية.
من جهته، قال مسؤول هذا الملف في حركة «أمل» د.محمد غصن لـ «الأنباء»: «لا يفكرن أحد أن موضوع رئاسة البلدية قد يتغير، إلا اذا حصلت تغيرات وتوافقات معينة برضا الأطراف جميعها. وهذا أمر يتم البحث به، لكن في الوقت الحاضر، نحن حريصون على على هذا العرف والمحافظة عليه، لأن هذه رسالة نحملها من الإمام موسى الصدر وبتوجيهات من الرئيس نبيه بري. ولا تهمنا رئاسة البلدية بقدر ما يهمنا بأن يكون المكون في البلدة مرتاحا، ويبقى «التنوع الجوني» موجودا، ولا تدخل فيه أي ذبذبات، لا بلدية ولا غيرها».
وتابع بالقول«التصور الذي أرسيناه في الانتخابات الماضية سيستمر، ولا شيء يغير هذا النمط طالما أن الأمور ماشية. لكن بصراحة نحن نفتش عن الأكفأ لهذا المنصب، ولا نريد أن نغير هويته الطائفية، لأن جون تستحق ان يتقدم لها أشخاص كفؤين».
ولفت إلى أنه «حتى الساعة مسألة التحالفات غير واضحة مع الطرف المسيحي. وقد حصل لقاء بيننا وبين إخواننا في حزب الله على صعيد لبنان، وبعدها على مستوى إقليم الخروب وجون لتثبيت الاتفاق السابق الذي كان متفقا عليه بين الراحل السيد حسن نصرالله والرئيس نبيه بري».
وأضاف «طموحنا أن تكون جون ممثلة بكل فئاتها السياسية والاجتماعية، وألا نذهب إلى معركة، بل نصل إلى لائحة توافقية تضم الجميع من دون استثناء، وهذا توجهنا كمكتب بلديات في حركة «أمل». وإذا لم يحصل التوافق، سنذهب إلى معركة، لكن تبقى أولويتنا التوافق بين كل الفاعليات والعائلات والأحزاب، وان نخرج بلائحة واحدة تحمل برنامجا، وتكون الأفضل والأقوى للبلدة، ونجنبها التشرذمات التي تؤخر الإنماء».
بدوره، شدد إمام جون الشيخ خضر عيد، على نفس المنحى، وأكد السعي إلى التوافق، مشيرا إلى ان «الأجواء ديموقراطية، والمجال مفتوح لكل الناس لتترشح وتعلن برامجها: متناولا «أهمية التجانس بين أعضاء المجلس البلدي».
وقال «صحيح إننا كبقية المناطق، حيث تتقدم العائلية والحزبية على بقية الحسابات، لكن في الوقت عينه هناك هامش كبير للطاقات وآراء الناس. لذا، نأمل ان تكون الانتخابات محطة لدفع البلدة نحو الأمام والنهوض بجون وتطورها».
وفي موضوع الرئاسة للكاثوليك، قال «هذا الموضوع لايزال قائما وليس هناك أي تعديل فيه، ونحن نحرص كل الحرص، على الحفاظ على صيغة العيش المشترك، ولا نريد استضعاف أحد».
مسؤول «التيار الوطني الحر» في جون شادي مارون قال انه مع أي عمل أو مسعى يصب في مصلحة جون، والذي يحرص عليه «التيار».
وأشار إلى «أن الجهود والاتصالات جارية مع جميع القوى والأطراف في جون، من أجل الاتفاق على لائحة واحدة». ولفت إلى «لقاءات عقدت في هذا الخصوص مع القوى السياسية والمستقلين في جون»، مؤكدا «أن التوجه نحو الاتفاق في بلدة التعايش والوحدة الوطنية».
وحرص مارون على احترام العرف القائل بأن رئاسة البلدية للكاثوليك، متمنيا «أن تعصف رياح التوافق في جون، لتخرجها من حماوة الانتخابات ومفاعيلها».