بيروت - جويل رياشي
في مدينة نهشتها التحولات، هناك أماكن تأبى أن تغادر الذاكرة. فبين أزقة الحمرا وذكريات أيام عزها، يقف «الكوليزيه» شاهدا على زمن بيروت الذهبي. صالة احتضنت دهشة أجيال تسمرت أمام شاشتها العملاقة، ورسمت من على مقاعدها النبيذية ملامح ذاكرة جماعية عصية على النسيان.
اليوم، وبعد سنوات من الصمت والإقفال، يعود هذا المعلم إلى الحياة من جديد، بفضل مبادرة «جمعية تيرو للفنون» التي أعادت فتح أبوابه، كما فعلت في صالات مشابهة في صور وطرابلس والنبطية، لتؤكد أن الثقافة قادرة دائما على استعادة مكانها. الأكيد ان شارع الحمرا لم يعد كما كان في الماضي، بعدما غابت مقاهيه الشهيرة، لكن إعادة افتتاح الكوليزيه - وقد أعيدت تسميته «المسرح الوطني اللبناني» - أتت لتمنح المنطقة نفسا ثقافيا جديدا.
تبدو حكاية هذه الصالة كقدر معاند. فالكوليزيه، الذي كانت في الأصل ملكا لرجال أعمال إماراتيين، استأجرها الأخوان عيتاني (أبو إبراهيم وخالد). ثم في العام 1956، تولت عائلة حداد، المالكة لسلسلة صالات «امبير»، إدارتها، وفرضت نفسها كعنوان للأفلام النوعية. غير أن حريقا اندلع في الصالة في العام 1969، وكان لا بد من الترميم. فأعاد المهندس المعماري فلادو تابت لها بريقها، إذ أضفى عليها حلة براقة تركت أثرا في ذاكرة جيل كامل.. إلى أن اندلعت الحرب الأهلية في العام 1975 وكان ما كان.
اليوم وبعد عقود طويلة، تعود صالة الكوليزيه الى الاضواء. تحت إشراف مؤسس «المسرح الوطني اللبناني» الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي، تحقق الرهان. وقد عاد اللون الأحمر النبيذي، الذي كان يكسو الصالة، والحاضر في ذاكرة رواد الكوليزيه القدامى، بعدما جرى الترميم بعناية لمحاكاة الملامح الأصلية.
هنا، ستقدم غالبية العروض والأفلام مجانا. كما سيضم المكان مكتبة، ومساحة للمعارض، وورش عمل في الرسم والتصوير الفوتوغرافي، والحرف والفنون المسرحية والرقص.
«إن هذه القيامة، التي تهدف إلى صون جزء ثمين من ذاكرة البلاد، تسعى أيضا إلى خلق جسور بين المناطق عبر برمجة متنقلة»، كما يوضح قاسم إسطنبولي.
وفي حديث لـ «الأنباء»، يقول: «إن افتتاح سينما الكوليزيه ليس مجرد حدث عابر، بل هو عودة لذاكرة بيروت الثقافية. فكل افتتاح لمسرح أو صالة سينما في لبنان يشكل ولادة جديدة وإضافة حية إلى الجسد الثقافي في لبنان. وعودة الكوليزيه في هذه الظروف بالذات تحمل رسالة أمل إلى بيروت وإلى شارع الحمرا تحديدا. التحدي الأكبر الذي واجهنا كان في إعادة تأهيل هذا الصرح مع الحفاظ على تراثه وروحه وهندسته الأصلية، ليبقى كما عرفه الجميع: سينما تاريخية نابضة بالحياة».
سيفتتح «الكوليزيه» رسميا في 13 سبتمبر الجاري، مع مهرجان يمتد على أربعة أيام. تبدأ الاحتفالات بعرض وثائقي مخصص لتاريخ الصالة، لتتواصل بعدها العروض المسرحية يوميا عند الساعة الثامنة مساء، بمشاركة فرق من إسبانيا والعراق وسورية وألمانيا والأردن ولبنان.
يذكر ان المشروع أبصر النور بفضل حملة تمويل جماعي، فيما يستمر النداء لضمان استمراريته.