بيروت ـ أحمد منصور
لم تكن مدارس إقليم الخروب هذا الشتاء مجرد صفوف للتعليم، بل تحولت إلى ملاذ اضطراري لعائلات نزحت من الجنوب هربا من جحيم العدوان الإسرائيلي وغارات طيرانه الحربي، التي تستهدف المناطق السكنية والأبنية المدنية دون أي رادع.
مئات العائلات وصلت إلى المنطقة منهكة، تاركة خلفها منازلها وذكرياتها وكل ما تملك، بحثا عن مكان آمن يحمي أطفالها من القصف ويمنحهم قدرا من الطمأنينة. وبين ليلة وضحاها، تحولت تلك المدارس إلى مراكز إيواء مؤقتة، بعدما فرضت ظروف الحرب واقعا لم يكن أحد مستعدا له، خصوصا في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد منذ أعوام.
اليوم، داخل هذه المدارس، تتكدس العائلات في غرف (الصفوف) الضيقة التي تحولت إلى أماكن للنوم والإقامة. عائلات كاملة من كبار وصغار وأطفال تفترش الأرض، في ظل نقص واضح في الفرش والبطانيات ووسائل التدفئة، فيما يشتد البرد مع موجة الصقيع التي تضرب المنطقة.
أطفال يرتجفون في ليالي الشتاء القاسية، وأمهات يحاولن عبثا تأمين الدفء والطعام بما تيسر من إمكانات محدودة.
ورغم أن قرى وبلدات إقليم الخروب، إلى جانب مراكز الإيواء المعتمدة والمنازل الخاصة، استنفدت قدرتها الإستيعابية، فإن تدفق النازحين لم يتوقف، مع تصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي على لبنان، ما يدفع آلاف العائلات إلى النزوح نحو المناطق الأكثر أمنا. وقد شكل الإقليم، كما في كل المحطات الصعبة، حاضنة لأهل الجنوب وملاذا لهم في أوقات الأزمات والمحن والحروب.
وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين في منطقة إقليم الخروب تجاوز 60 ألف نازح، ما دفع بخلية الأزمة المركزية في الإقليم، بالتعاون مع البلديات والأحزاب والجمعيات والمؤسسات والمجتمع المدني، إلى استنفار طاقاتها لتأمين أماكن الإيواء والاحتياجات الأساسية للنازحين، والسعي قدر الإمكان إلى توفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم لهم في هذه المحنة التي يعيشها الوطن بأسره.
وكانت جولة ميدانية لـ«الأنباء» للاطلاع على واقع مراكز الإيواء ومدى قدرتها الاستيعابية، في عدد من القرى التي تستضيف نازحين من مختلف القرى الجنوبية.
المحطة الأولى كانت في بلدة الوردانية. وقال رئيس البلدية علي بيرم: «العدد الإجمالي للنازحين في البلدة يفوق عشرة آلاف، يتوزعون على نحو سبعة آلاف شخص في المنازل، و1350 شخصا في الجامعة الإسلامية، إضافة إلى 59 عائلة تضم نحو 230 شخصا في المدرسة الرسمية». ولفت بيرم إلى أن «الأعداد الكبيرة تفرض تحديات متزايدة، خصوصا لجهة تأمين المستلزمات الأساسية مثل الفرش والبطانيات ومواد التنظيف والمواد الغذائية والأدوية، وغيرها من الحاجات الضرورية للحياة اليومية».
وفي مجمع المدارس في كترمايا، بدا المشهد أكثر إيلاما مع الاكتظاظ الكبير، حيث جرى تقسيم قاعات المهنية والثانوية الرسميتين إلى غرف صغيرة باستخدام «الشوادر»، فيما استخدمت الممرات أيضا كمكان للنوم. أما شرفات المبنى والباحة الخارجية فتحولت إلى ما يشبه «مناشر» للغسيل، في صورة تختصر حجم المعاناة اليومية التي يعيشها النازحون.
وقد أشارت مديرة المجمع والثانوية الرسمية في كترمايا رانيا أسعد إلى ان عدد النازحين في المجمع بلغ 905 أشخاص، وانه تم اشغال كل الصفوف والغرف والقاعات، التي حولت إلى غرف منامة، حيث باتت تغص بالعائلات من أهلنا في الجنوب».
وقالت: «الجهود تبذل على أكثر من صعيد من البلدية والجمعيات والأحزاب وفاعليات المنطقة لتأمين الحاجات والمستلزمات، خصوصا ان العائلات خرجت من منازلها ولم تسمح لها الظروف من الا نقل بعض الأمتعة الخاصة»، مشيدة بالنخوة الأخوية التي يبديها أهالي الإقليم تجاه أخوتهم النازحين رغم كل الأوضاع الصعبة.
وفي مدرسة المغيرية الرسمية المعتمدة كمركز إيواء، لم تختلف الصورة كثيرا عن سائر المدارس، إذ لم تعد الغرف الـ28 قادرة على استيعاب المزيد من العائلات بعد أن امتلأت بالكامل.
ولفتت مديرة المدرسة انتصار الحاج، إلى ان الاتصالات متواصلة مع الجهات الرسمية والنواب والبلديات والجمعيات لتوفير المساعدات والمستلزمات الأخرى، مؤكدة انه تبقى الاحتياجات الأكثر إلحاحا هي الفرش والبطانيات كأولوية، إلى جانب المواد الغذائية ومواد التنظيف، في ظل استمرار وصول المساعدات بكميات أقل من المطلوب.
وفي مدرسة سبلين الرسمية، المؤلفة من تسع غرف، فقد امتلأت الغرف بالكامل، وهي تستضيف حاليا 40 عائلة تضم 151 شخصا، بينهم نحو 40 طفلا دون سن الثانية عشرة، وهم بحاجة ماسة إلى الحليب والحفاضات ومستلزمات الأطفال الأساسية. كما أفادت نائبة المديرة لينا الطقش بوجود شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة لم يتمكن من التأقلم مع الاكتظاظ داخل الغرف، ما دفع إدارة المدرسة إلى تخصيص «الدكان» الصغير التابع للمركز له ولوالدته، في محاولة لتوفير مساحة أكثر هدوءا وأمانا له.
في بلدة شحيم التي تعتبر شبه مدينة، كانت الوجهة الأولى معهد شحيم الفني، وجولة مع المديرة فاتن ضاهر في أرجاء المركز الذي يستضيف 78 عائلة تضم 303 أشخاص، موزعين على 36 غرفة. وأوضحت ضاهر أن «المستلزمات الأساسية مؤمنة في الوقت الحاضر بالحد الأدنى، على أمل استمرار وصول المساعدات لضمان صمود العائلات النازحة خلال هذه المرحلة الصعبة».
وفي مجمع المدارس الرسمية (مجمع الرئيس الشهيد رفيق الحريري التربوي)، قالت المديرة سحر ابراهيم ومديرة ثانوية شحيم آمنة الحاج ان عدد النازحين بلغ 48 عائلة (189 شخصا).
وفي بلدة المطلة، استحدث مركز إيواء جديد في دير راهبات المحبة في البلدة بمسعى من النائب غسان عطالله، واستقبل المركز 50 عائلة، مؤلفة من 150 فردا.