- النجدي: لئن كان شهر رمضان سينتهي فإن عمل المسلم لا ينتهي إلا بمفارقة روحه بدنه
- الجميعة: من ذاق حلاوة العبادات التي أداها في رمضان فسيتمسك بها طوال العام
سؤال يتجدد كل عام، لماذا تزداد الطاعات في شهر رمضان وبانتهائه تقل الطاعات، هل التدين مرتبط بالزمان والمكان، وهل الالتزام بالطاعات في رمضان فقط دون غيره من شهور السنة؟ الإجابة لدى المختصين.
يوضح د.محمد الحمود النجدي ما ينبغي على المسلم القيام به بعد انتهاء شهر رمضان المعظم قائلا: ها هو ذا شهر رمضان، يحط رحاله، ويوشك على المغادرة، لقد كان هذا الشهر المبارك ميدانا يتنافس فيه المتنافسون ويتسابق فيه المتسابقون، ويحسن فيه المحسنون، تروضت فيه النفوس على الفضيلة، وتربت فيه على الكرامة، وترفعت فيه عن الرذيلة، وتعالت عن الخطيئة، واكتسبت فيه كل هدى ورشاد.
ولئن كان شهر رمضان المبارك سينتهي، فإن عمل المسلم لا ينتهي إلا بمفارقة روحه بدنه، قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)، وقال سبحانه عن عيسى عليه السلام: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا)، وذكر لبعض السلف أناسا يجتهدون في رمضان، ثم يتركون ذلك بعده. فقال: «بئس القوم لا يعرفون الله - تعالى - إلا في رمضان»!
فعليك أيها المسلم بصيام التطوع، فلئن كان صيام الفرض في رمضان قد انقضى زمنه، فقد شرع الله تعالى للسابقين بالخيرات أياما تصام طوال العام، أول هذه الأعمال صيام الست من شوال، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر». وصيام الاثنين والخميس، كما في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تُعرضُ الأعمالُ يومَ الإثنين والخميسِ فأُحِبُّ أن يُعرضَ عملي وأنا صائمٌ» رواه الترمذي.
أو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، والأولى والأحسن أن تكون الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر العربي لحديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر، إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة». رواه الترمذي والنسائي، وإلا صام أي ثلاثة أيام من الشهر، لحديث أبي هريرة: أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
وصيام شهر الله الحرام، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: «أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم»، وصيام يوم عرفة فإنه يكفر سنتين ماضية وباقية كما في صحيح مسلم، وصيام عاشوراء يكفر سنة ماضية، وغيرها من التطوعات.
وأضاف النجدي: ولئن كان قيام رمضان قد انتهى، فإن قيام الليل هو دأب الصالحين الأخيار دائما، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله - تعالى- ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد» رواه أحمد والترمذي والحاكم عن بلال رضي الله عنه، وقوله تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون السجدة. وقوله: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما)، وقوله تعالى: (كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) (الذاريات: 18-17) ليس خاصا برمضان، بل هي سمة من سماتهم، وصفة من صفاتهم.
المؤمن لا يهجر القرآن
وزاد: ولئن كان رمضان هو شهر القرآن الذي أنزل فيه، ويكثر فيه المسلمون من قراءته وسماعه في أيامه ولياليه، فإن المؤمن لا يهجر كتاب الله تعالى في غير رمضان، بل هو كتابه الأول يتلوه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، سفرا أو حضرا، لا يفارقه أبدا، قال عز وجل: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به) (البقرة: 121) وقال سبحانه: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور) (فاطر: 29).
وقد أثنى الله تعالى على طائفة من أهل الكتاب بقوله: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) (آل عمران: 113)، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على قراءته ومعاهدة حفظه، فقال: «تعاهدوا القرآن تَعاهَدُوا القُرْآنَ، فَوالذي نَفْسِي بيَدِهِ لَهو أشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها» متفق عليه.
الإنفاق
ولئن كان رمضان هو شهر الزكاة لأكثر المسلمين، فإن إنفاق المنفقين الخيرين لا ينقضي ولا ينتهي، بل هو مستمر دائم، كما قال الله عز وجل: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 274) وقال: (والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج (24-25)، وهذا يدل على دوام إنفاقهم في كل وقت وحين، وليس خاصا بزمن دون زمن، لأن الفقراء والمساكين حاجاتهم مستمرة، فلا يغفل عنهم المسلم بقية السنة.
الغاية من العبادة
من جهته، يؤكد د.جلوي الجميعة: ان المسلم الصادق الذي يختتم شهر الصيام يخرج من رمضان وقد ظهرت عليه آثار المغفرة وآثار العتق من النار وآثار التوبة، وصار أحب إلى الله وأقرب إليه وأسرع الى مرضاته، خرج مغفورا له محبا لربه مقبلا عليه متعلقا به متوكلا عليه، واثقا فيما عنده، وقد امتلأ قلبه عجبته ومن ذكره ومن الطمأنينة له ومن الأنس به والشوق إلى لقائه والاستعداد لهذا اللقاء والمسارعة الى طاعته وبذل المال والنفس. وأشار د.الجميعة إلى أن المسلم إذا ذاق حلاوة العبادات التي أداها في شهر رمضان إيمانا واحتسابا وتقربا إلى الله، فإنه سيتمسك بالاستمرار فيها طوال العام فيحرص على صوم يومي الاثنين والخميس أو ثلاثة أيام من كل شهر، فمن شعر بحلاوة العبادة سيستمر فيها طوال العام. وحذر الجميعة من الغرور بالطاعة التي أداها المسلم في الشهر الكريم، فيقول في نفسه: أنا قد خرجت من رمضان وقد وفقت إلى العمل الصالح، وفعلت كذا وكذا من الأعمال الصالحة ويؤكد له الشيطان أنه فعل الكثير من الخيرات، وعليه أن يكتفي بذلك، وهذه ليست مجرد تلبيسات أخرى من الشيطان ليقعد المسلم عن العمل، وعن مواصلة السير إلى الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).