مفرح الشمري
بعض الأعمال الفنية قادرة على تجاوز حدود الجمال البصري لتصبح سجلا حيا للذاكرة الوطنية، من هذه الأعمال لوحة «اليلوة» للفنانة التشكيلية ابتسام العصفور، بوصفها نموذجا فنيا وثقافيا نجح في توثيق أحد أبرز المظاهر التراثية في المجتمع الكويتي، مقدمة صورة نابضة بالحياة لعادات وتقاليد ارتبطت بالهوية الاجتماعية للكويت.
تجسد اللوحة مشهدا من ليلة «اليلوة» أو «الجلوة»، وهي من المناسبات التراثية التي كانت تسبق الزفاف في المجتمع الكويتي التقليدي، حيث تظهر العروس بثوبها الأخضر المميز، تتزين بالحلي الذهبية التقليدية وسط أجواء احتفالية تتناغم فيها الألوان والرموز التراثية لتعيد إلى الأذهان صورة المجتمع الكويتي في زمن البيوت القديمة والعلاقات الاجتماعية الوثيقة.
وتبرز دقة الفنانة العصفور في اهتمامها بتفاصيل هذه المناسبة، إذ تضم اللوحة عناصر تراثية متعددة مثل المبخر والشمعدانات والمرايا والزخارف والأثاث التقليدي، وهي عناصر لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تسهم في توثيق البيئة الاجتماعية التي ارتبطت بهذه المناسبة، ومن خلال هذا الحضور البصري المتكامل، تتحول اللوحة إلى نافذة تطل على جانب مهم من الحياة اليومية والعادات الاجتماعية التي سادت في الكويت خلال فترات سابقة.
وتكتسب «اليلوة» أهمية خاصة لكونها تحفظ تفاصيل يصعب نقلها بالكلمات وحدها، مثل هيئة الملابس التقليدية وأنواع الحلي وأساليب الاحتفال وترتيب المشهد الاجتماعي المرتبط بالمناسبة، ولهذا ينظر إليها كثير من المهتمين بالتراث بوصفها عملا يجمع بين القيمة الفنية والدور التوثيقي، حيث تقدم صورة بصرية متكاملة تسهم في فهم جانب من الموروث الشعبي الكويتي.
ولم يقتصر حضور لوحة «اليلوة» على الساحة الفنية الكويتية فحسب، بل امتد ليحظى باهتمام الباحثين والدارسين في الخليج والوطن العربي عند تناول موضوعات التراث والهوية الثقافية، فبفضل ما تتضمنه من تفاصيل دقيقة للملابس التقليدية والحلي والعناصر الاحتفالية المرتبطة بالمجتمع الكويتي، أصبحت نموذجا بصريا يساعد المختصين على قراءة جانب من الحياة الاجتماعية في الكويت القديمة وعند دراسة الموروث الشعبي الخليجي أو التحولات التي شهدتها العادات الاجتماعية في المنطقة، كثيرا ما تستحضر الأعمال الفنية التوثيقية بوصفها مصدرا مكملا للروايات الشفوية والوثائق المكتوبة، وتأتي «اليلوة» في مقدمة هذه الأعمال لما تقدمه من صورة متكاملة لمناسبة اجتماعية تحمل أبعادا ثقافية وإنسانية عميقة، ولهذا ينظر إليها العديد من المهتمين بالتراث بوصفها عملا يسهم في حفظ الذاكرة البصرية للكويت، ويعكس خصوصية المجتمع الكويتي ضمن المشهد الثقافي العربي الأوسع.
وتؤكد «اليلوة» أن الهوية الوطنية تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية بقدر ما تتجسد في الأحداث الكبرى، فالعادات الاجتماعية والملابس والأغاني والرموز الشعبية تمثل مكونات أساسية في بناء الذاكرة الجمعية للمجتمع، ومن خلال استحضار هذه العناصر داخل عمل فني واحد، نجحت اللوحة في تقديم صورة صادقة لمرحلة مهمة من التاريخ الاجتماعي للكويت.
وبعد سنوات من إنجازها، ما زالت «اليلوة» تحتفظ بحضورها بوصفها أحد أبرز الأعمال الفنية التي تناولت التراث الكويتي بعمق ووعي بصري فهي ليست مجرد تصوير لمناسبة اجتماعية، بل شهادة فنية على قدرة الفن على حفظ الذاكرة وصون الهوية ونقل الموروث الثقافي من جيل إلى آخر، وهكذا تظل اللوحة مثالا على الدور الذي يمكن أن يؤديه الإبداع في توثيق التاريخ الاجتماعي وإبقاء جذور المجتمع حاضرة في الوجدان مهما تغيرت الأزمنة، لأن التراث لا يعيش في الكتب وحدها، بل يمكن من خلال لوحة تحفظ تفاصيله وتنقل روحه للأجيال القادمة، لتظل شاهدا على أصالة المجتمع الكويتي وعمق هويته الثقافية.