توفي آلان غرينسبان، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، عن عمر 100 عام، وكان معروفا بلقب «المايسترو»، والذي أصبح أحد أكثر صانعي السياسات الاقتصادية تأثيرا في عصره، واشتهر بتحذيره من «الوفرة غير العقلانية» في الأسواق.
وقالت زوجته أندريا ميتشل، التي أمضت معه 29 عاما، وهي كبيرة مراسلي الشؤون السياسية والخارجية في شبكة NBC News، «إن الاقتصادي البارز توفي يوم الإثنين نتيجة مضاعفات مرض باركنسون».
وكان قد تم تعيين غرينسبان رئيسا لمجلس الاحتياطي الفيدرالي عام 1987 من قبل الرئيس رونالد ريغان، وظل في المنصب خلال فترات الازدهار والركود حتى تقاعده عام 2006، وكانت ولايته ثاني أطول فترة لرئيس للاحتياطي الفيدرالي، بفارق أربعة أشهر فقط عن فترة ويليام مارتن، الذي قاد البنك المركزي الأمريكي بين عامي 1951 و1970.
وكانت صراحته غير المعتادة في خطاب متلفز ألقاه في 5 ديسمبر 1996 هي التي أشعلت موجة من الاضطراب في الأسواق. وخلال حديثه عن تحديات وضع السياسة النقدية، قال:«كيف نعرف متى تكون الوفرة غير العقلانية قد أدت إلى تضخيم قيم الأصول بشكل مفرط، والتي تصبح بعد ذلك عرضة لانكماشات مفاجئة وطويلة الأمد، كما حدث في اليابان خلال العقد الماضي؟... يجب ألا نقلل من شأن أو نتهاون بشأن تعقيد التفاعلات بين أسواق الأصول والاقتصاد».
وقد فسرت عبارة «الوفرة غير العقلانية» على أنها إشارة من غرينسبان إلى اعتقاده أن السوق مبالغ في تقييمها. وهبط سوق الأسهم الياباني، الذي كان مفتوحا وقت التصريح، بنسبة 3% بسبب كلماته، ثم تراجعت أسواق أخرى لاحقا. لكن الأسواق تعافت سريعا وواصلت الصعود حتى انفجار فقاعة شركات التكنولوجيا عام 2001.
وقبل ذلك بسنوات، وتحديدا عام 1974، عندما كان غرينسبان رئيسا لمجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، اضطر إلى تفسير موقف الإدارة أمام الكونغرس بشأن سبب عدم شن حرب قوية على التضخم، وهي الحملة التي أطلقت عليها إدارة الرئيس فورد اسم الحرب على ارتفاع الأسعار.
وفي تعبير أصبح مثالا على أسلوب غرينسبان المعقد في الحديث، قال «إنها مشكلة دقيقة تتمثل في إيجاد المعايرة المناسبة للتوقيت، بما يوقف تسارع علاوات المخاطر الناتجة عن انخفاض الدخول، دون أن يؤدي ذلك قبل الأوان إلى إجهاض تراجع علاوات المخاطر الناتجة عن التضخم».
وكتب لينتون ويكس وجون إم بيري في صحيفة واشنطن بوست في مارس 1997: «يفكر بعض الأشخاص، خصوصا مديري الأموال الذين ينقلون كميات هائلة من النقد من مكان إلى آخر، كثيرا في غرينسبان، إنهم يراقبون كل كلمة يقولها، ويتابعون كل حركة يقوم بها، ويرسمون حتى كل ابتسامة له. لأنه بعد الرئيس يمكن القول إن آلان غرينسبان هو أقوى شخص في البلاد... وبضع كلمات مختارة منه يمكن أن ترسل سوق الأسهم للحظات إلى الجنة أو إلى الجحيم».
وفي محاولة واضحة لتجنب هز الأسواق أو كشف نوايا الاحتياطي الفيدرالي قبل الوقت المناسب، كان غرينسبان يغلف تصريحاته بلغة جعلت حتى أكثر العقول حدة بمن فيهم أعضاء الكونغرس الجدليون يحاولون فك رموزها.
وقال الصحافي بوب وودوارد في كتابه الصادر عام 2000 بعنوان «المايسترو: الاحتياطي الفيدرالي بقيادة غرينسبان والازدهار الأميركي»: «جمله الطويلة والمعقدة تبدو كأنها تسحب في نهايتها ما قدمته في بدايتها، بينما تنساب إلى مستويات جديدة من الغموض وعدم الفهم».
وبعد تقاعده من «الاحتياطي الفيدرالي» كشف غرينسبان عن استراتيجيته في استخدام اللغة المعقدة، موضحا أنها كانت مقصودة لتجنب الإجابة المباشرة عن بعض الأسئلة.
وقال في مقابلة مع شبكة CNBC عام 2007 «إنها لغة من الغموض المتعمد لتجنب طرح أسئلة معينة، تعرف أنك لا تستطيع الإجابة عنها، وأن قولك: لن أجيب، أو لا تعليق، هو في حد ذاته إجابة. لذلك عندما يطرح عليك عضو في الكونغرس سؤالا ولا تريد أن تقول: لا تعليق أو لن أجيب، أبدأ بأربع أو خمس جمل تصبح أكثر غموضا تدريجيا، فيعتقد عضو الكونغرس أنني أجبت عن السؤال وينتقل إلى السؤال التالي».