مفرح الشمري
ليست كل الفعاليات الوطنية مجرد احتفال عابر، فبعضها يتحول إلى لحظة وجدانية تستحضر التاريخ، وتوقظ في النفوس مشاعر الانتماء والفخر، ومن هذا المنطلق جاء حفل «وطني»، الذي نظمه مركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي تزامنا مع الذكرى الـ 65 لاستقلال دولة الكويت، ليقدم تجربة فنية تمزج بين الأصالة والإبداع، وتعيد للأغنية الوطنية مكانتها في الوجدان، من خلال أمسية استثنائية أعادت إحياء الأعمال التي شكلت ذاكرة الكويتيين على امتداد أكثر من ستة عقود.
شهدت الأمسية حضورا جماهيريا كبيرا، وافتتحها الفنان القدير جاسم النبهان الذي تصدى لتقديم الحفل بأسلوبه الراقي وصوته الدافئ، مضيفا على فقرات الأمسية بعدا وجدانيا يتناسب مع قيمة المناسبة الوطنية، فيما قاد المايسترو د.خالد نوري الفرقة الموسيقية، ليقدم رؤية موسيقية معاصرة حافظت على روح الأغنية الوطنية الكويتية وأعادت صياغتها بتوزيعات أوركسترالية باهرة.
ولأن الأغنية الوطنية في الكويت كانت ولا تزال مرآة لتاريخ الوطن، جاء برنامج الحفل ليأخذ الجمهور في رحلة عبر الزمن، مستذكرا أبرز الأعمال التي رافقت مسيرة الكويت منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا، فكان من أبرز محطات الأمسية الأغنية الخالدة «حماة العرين» التي صدح بها الفنان القدير شادي الخليج عام 1961، لتبقى رمزا للفخر والاعتزاز بالوطن، كما أعاد الحفل تقديم الأغنية المحببة «أحنا عشقناها» التي ارتبطت بوجدان الكويتيين منذ عام 1981، إلى جانب أغنية «بلادنا حلوة» للفنان عبدالرحمن العقل والفنانة استقلال أحمد التي قدمت عام 1978 بالإضافة إلى أغنية «أم السلام» التي غناها الفنان محمد البلوشي عام 1986، وأغنية «بلدي الكويت» للراحل عبدالكريم عبدالقادر، بالإضافة إلى أغنية «شمس الأعياد» لفرقة التلفزيون التي تغنت بها عام 1989 وصولا إلى أغنية «وطن النهار» التي قدمها الراحل عبدالكريم عبدالقادر عام 1991.
كما خصصت الأمسية مساحة وفاء للملحن الراحل راشد الخضر، من خلال ميدلي موسيقي جمع نخبة من ألحانه الوطنية التي تركت أثرا عميقا في تاريخ الأغنية الكويتية، فكان استحضارا لمسيرة أحد أبرز المبدعين الذين أسهموا في تشكيل الهوية الموسيقية الوطنية.
ولعل أكثر ما ميز الحفل هو ذلك التفاعل الصادق بين الجمهور والكورال، حيث لم يكتف الحضور بالاستماع، بل شاركوا في ترديد كلمات الأغنيات التي حفظوها عن ظهر قلب، فتحولت القاعة إلى لوحة إنسانية توحدت فيها الأصوات والمشاعر، في مشهد أكد أن الأغنية الوطنية لاتزال حاضرة في الذاكرة الجمعية، وقادرة على جمع الأجيال حول حب الكويت.
لم يكن حفل «وطني» مجرد أمسية موسيقية، بل كان رسالة وفاء لكل شاعر كتب للكويت، ولكل ملحن صاغ لحنا يلامس القلوب، ولكل مطرب حمل اسم الوطن في صوته، فبقيت أعمالهم خالدة تتناقلها الأجيال، لقد أعاد الحفل التأكيد على أن الأغنية الوطنية ليست إرثا فنيا فحسب، بل جزء من الهوية الكويتية، وذاكرة تحفظ تاريخ الوطن وإنجازاته، وتروي للأبناء قصة عشق لا تنتهي اسمها الكويت.