ليلى الشافعي
بين مدير مركز تعزيز الوسطية في وزارة الأوقاف د.عبدالله الشريكة بعض ما حدث له أثناء الأسر على يد الجنود العراقيين، وكيف خرج من الأسر، وما الذي قدمه خلال تلك الفترة حتى تحرير البلاد.
وقال: إنها أيام لا تنسى سيخلدها التاريخ، كما روى كيف نجا من حكم الإعدام في اللحظة الأخيرة. وتحدث عما لاقاه في تلك الفترة العصيبة، وفيما يلي نص الحوار.
حدثنا عن بداية أسركم من قبل القوات العراقية.
٭ في اليوم الثاني من الغزو الصدامي، الموافق الثاني من أغسطس 1990، وكان يوم خميس، كنت وقتها عسكريا في وزارة الداخلية. وقبل ذهابي إلى العمل صباحا، وأثناء تناول الفطور مع والدتي - رحمها الله - سمعنا صوت قصف قوي، وكان بيتنا قريبا من الحرس الوطني الكويتي، لكن لم يخطر ببالنا أنه اعتداء على الكويت.
وخرجت إلى عملي، وأثناء الطريق رأيت آليات وجنودا، لكن الآليات لم تكن تابعة للجيش الكويتي. وواصلت السير إلى مقر عملي، وعرفت أن هناك غزوا، فمكثت في البيت مدة أسبوع تقريبا، وكانت الأمور أمامنا ضبابية، ولم يكن أحد يعلم ما الذي يحدث، ولماذا، ومن وراء ذلك.
فطلب الوالد الخروج إلى المملكة العربية السعودية، وخرجت معه لإخراج الأهل، وكان قرار والدي حكيما. ولم يكن هناك من يقود السيارة سوى أنا ووالدي، وعند وصولنا إلى المملكة العربية السعودية سكنا في منطقة المجمعة، في قرية اسمها حرمة، ومكثت مع والدي ووالدتي أسبوعين، ثم عدت إلى الكويت بعد تأمين إقامة الأهل للمشاركة في المقاومة مع الشباب الكويتي.
وكنا نظن أننا سننجح في المقاومة، لكننا صدمنا بالواقع، حيث جاءت فيما بعد توجيهات من القيادة السياسية الكويتية في الخارج بتخفيف العمليات، لأن النتائج لن تكون حكيمة، ولن تستطيع المقاومة إحداث ضرر كبير في العدو، بينما كان يقوم بتدمير البلاد والمدن وقتل العائلات، ولذلك كانت الحكمة أن نتوقف، للأسف، عن المقاومة.
حدثنا عن فترة القبض عليكم وما تعرضتم له؟
٭ عند عودتي من المملكة العربية السعودية إلى الكويت مع أصدقائي الكويتيين للمشاركة في المقاومة، تعطلت بنا السيارة في الطريق، وكنا سبعة من الشباب، منهم من توفي - رحمهم الله - ومنهم من لا يزالون على قيد الحياة، وتم اقتيادنا إلى مخفر الجهراء، وبقينا مسجونين فيه فترة، ثم نُقلنا إلى اللواء 35، ثم إلى اللواء السادس، وبعد التحقيق معنا حولونا إلى الزبير، ومكثنا فيه ثلاثة أسابيع، ثم نقلونا إلى سجن صفوان، وهم طبعا لا يعلمون أننا عسكريون، ثم نقلونا إلى منطقة البصرة لتنفيذ حكم الإعدام.
لكن عندما وصلنا إلى قائم مقام البصرة آنذاك، وجد أن هناك قصورا في التوقيعات في بعض الأوراق، وقد ألهمه الله، عز وجل، أن يرفض تنفيذ الحكم، وطلب من الجنود العراقيين إعادتنا لاستكمال التوقيعات من السلطات التي كانت في الكويت آنذاك، حيث كانوا يعتبرون الكويت محافظة من محافظات العراق.
كيف استطعت الخروج من السجن؟
٭ خرجنا من السجن بعد دفع رشوة مالية عن طريق محام عراقي ساعدنا في ذلك، وأمرنا بعدم ذكر أي شيء عن دخول البلاد خلسة، وأن ندعي أننا رعاة من البدو ضللنا الطريق، وكنا نبحث عن أغنامنا التي ضاعت منا في الصحراء. وذهبنا في اليوم التالي إلى القاضي، وأبلغناه بالرواية التي لقننا إياها المحامي، فتم الإفراج عنا في اليوم نفسه، وعدنا إلى الكويت عبر الحدود مع العراق، سيرا على الأقدام تارة، وتارة أخرى بواسطة سيارة كانت تقابلنا. وفي إحدى المرات ركبنا في سيارة «بيك أب» فترة، ثم في حافلة، واكتشفنا أن جميع من فيها جنود عراقيون، ولأول مرة أجد كثيرا من الجنود العراقيين متعاطفين معنا، حتى وصلنا إلى الجهراء.
وكيف خرجتم من الكويت؟
٭ أخذنا سيارة أصدقائي، وبدأنا رحلة في الظلام، وأطفأنا الأنوار الأمامية والخلفية حتى لا يتابعنا أحد من جنود صدام. لكن اكتشفنا أننا ضللنا الطريق في الصحراء، لذا قررنا العودة مرة أخرى إلى الكويت.
وفي تلك اللحظة ظهرت أمامنا كشافات إضاءة قوية، وظننا أنها لأحد المعسكرات العراقية، ولم يكن أمامنا إلا تسليم أنفسنا لهم مرة ثانية، لكن من فضل الله ومنته وجدنا أنفسنا أمام حرس الحدود السعودي، فتحققوا من هوياتنا، ودخلنا السعودية مرة أخرى.
أثناء فترة الغزو، كيف كنت تعيش؟
٭ كنا نعيش في ظروف قاسية، وكانت وسائل الاتصال محدودة جدا، ولم نكن نعرف الأخبار إلا من خلال الاستماع إلى إذاعات الإمارات والسعودية والبحرين وقطر، وكنا نسمع نداءات من الكويتيين عبر تلك الإذاعات لنتواصل معهم، ونسأل عن أهلنا وأخواتنا.
ماذا قمت به أثناء وجودكم في المملكة العربية السعودية حتى عدت إلى الكويت؟
٭ التحقنا قبل التحرير بيوم بقوات الداخلية في منطقة المكس بالرياض، ثم نقلونا إلى مدينة الدمام، وهناك سلمونا الأسلحة، ثم نقلونا إلى الكويت مع قوات الداخلية الكويتية.
وعند دخولنا الكويت ذهبنا إلى إدارة الداخلية في جنوب السرة، ثم ذهبت إلى البيت لأتفقده، وكانت المشاعر مختلطة بين الفرح الشديد والحزن على ما كنا نراه من آثار الدمار والخراب، والسيارات المحترقة، والآليات العسكرية المدمرة. وكنا نرى البلد موحشا بعد أن كان مشرقا ومزدهرا، تشع أنواره في كل مكان، وكأنني أرى مدينة أشباح، وكيف دمروا الطرق والبنى التحتية، وحاولوا طمس معالم الكويت. لكن الله برد علينا تلك المشاعر الملتهبة، وحولها إلى مشاعر العزة والشوق لرؤية الأرض الطيبة.
وماذا كان عملك بعد التحرير؟
٭ التحقت بمركز حدود النويصيب بعد التحرير بأسبوعين، وعادت الأمور، بحمد الله تعالى، وعادت الكويت إلى ازدهارها، وبدأت الحياة بعد اندحار المحتلين الغزاة.
ورغم أن أول رمضان بعد التحرير كنا نعيش بلا كهرباء، وكنا نفتقد المياه في منازلنا، وكنا نفطر على ضوء الشموع، فإن سعادتنا بعودة الكويت كانت هي السائدة. إنها أيام لا تنسى سيخلدها التاريخ. قال الله تعالى: «ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين».
والحمد لله، حصلت على وسام التحرير من سمو الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، وتم تكريمنا في أكثر من مناسبة، وحصلنا على زيادات في الرواتب والبدلات.