ندى أبونصر
الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 1990 لم يكن مجرد حدث سياسي وعسكري عابر، بل هو محنة إنسانية حفرت في ذاكرة من عايشوها. ونستعرض شهادات حية وقصصا واقعية ترويها شخصيات عايشت تلك الأيام العصيبة، لتنقل لنا تفاصيل الصمود والألم والأمل والتحرير. وتحدثنا مع مدير أمن حولي السابق الفريق المتقاعد عبدالله العلي عن شهادة شخصية خلال الغزو العراقي، وقال: في صباح الثاني من أغسطس عام 1990، كنت برتبة نقيب وأعمل ضابط تحقيق في مخفر الجابرية.
وبعد انتهاء مناوبتي الليلية عدت إلى المنزل، وفي الصباح الباكر، تلقيت اتصالا من زملائي يبلغونني بأن القوات العراقية دخلت الكويت. في البداية ظننت أن الأمر مزحة، لكن سرعان ما أدركت أن الغزو أصبح حقيقة، وكانت تلك صدمة لا يمكن وصفها. خلال الأشهر الأولى من الغزو، تعاونت مع أحد الأصدقاء في إعداد رخص قيادة ودفاتر سيارات وهويات بلدية بأسماء مستعارة، بهدف مساعدة الضباط والعسكريين على التحرك بأمان بعيدا عن ملاحقة قوات الاحتلال. وأضاف أنه من المواقف التي لا أنساها، زيارة الشهيد أحمد قبازرد، رحمه الله، وهو زميل وصديق وضابط في وزارة الداخلية. كان خارج الكويت عند وقوع الغزو، لكنه عاد إلى وطنه رغم المخاطر، في موقف يجسد شجاعته وإخلاصه للكويت.
طلب مني إعداد هويات وأوراق مزورة له ولعدد من الضباط، ووعدته بأنها ستكون جاهزة في اليوم التالي، لكنه لم يعد لتسلمها.بعد نحو أسبوعين، تلقيت اتصالا من إحدى المعارف في مستشفى مبارك تخبرني بأن قوات الاحتلال ألقت بجثمان الشهيد أحمد قبازرد عند مدخل المستشفى. توجهت مع اثنين من أصدقائي إلى مغسلة الموتى في منطقة شرق، رغم الحراسة المشددة ونقاط التفتيش المنتشرة في ذلك الوقت.
هناك خضعنا لتفتيش دقيق قبل السماح لنا بالدخول. وكان والد الشهيد ووالدته وعدد قليل من أصدقائه في انتظار وصول الجثمان. وعندما وصلت سيارة نقل الموتى، حملنا جثمانه إلى الداخل استعدادا لتغسيله.
بعد هذه الحادثة، أصبح الوضع الأمني أكثر خطورة، ووصلت إلى قوات الاحتلال معلومات تفيد بأنني أقوم بتزوير الهويات والرخص لخدمة رجال المقاومة.
وعلمت قبل وصولهم أنهم يعتزمون مداهمة منزلي، فغادرته إلى مكان آخر. وقامت القوات العراقية بمحاصرة المنزل وتفتيشه تفتيشا دقيقا، إلا أنهم لم يعثروا على شيء.
وهددوا والدتي وأجبروها على التوقيع على تعهد، بعد أن أخبرتهم أنني خارج الكويت، وتوعدوها بالعقاب إذا عثر علي.
بعد ذلك، أدركت أنا وأحد إخوتي أن بقاء والدتي في الكويت لم يعد آمنا، فقررنا مغادرة البلاد.
وبمساعدة شخص لبناني، تمكنا من الوصول إلى الحدود العراقية، ومنها خرجنا من الكويت، ثم انتقلنا عبر إيران إلى المملكة العربية السعودية، حيث التحقنا بالجيش الكويتي.
وعند بدء عمليات التحرير، كنا ضمن أوائل الدفعات التي عادت مع الجيش الكويتي وقوات الشرطة.
وبعد التحرير، باشرنا أداء واجبنا في وزارة الداخلية، وكلفنا بعدد من المهام الأمنية، واستمررنا في خدمة وطننا بكل إخلاص.
رسالتي إلى الجيل الحالي هي أن يتذكر دائما ما مرت به الكويت، وأن يستخلص العبر من تلك المرحلة الصعبة.
فالوحدة الوطنيــــة والتلاحم بين أبناء الوطن هما أعظم أسباب القوة، ولا مكان للفرقة أو الانقسام.