- الطبطبائي: لو تعاملنا بالأخلاق النبوية وكنا على قلب رجل واحد نكون فعلياً خير أمة أخرجت للناس
- العليم: البشرية أحوج ما تكون إلى استلهام هديه صلى الله عليه وسلم وأن نجعل سنته منهاجاً في حياتنا
ونحن على أعتاب ذكرى المولد النبوي الكريم يجب علينا ان نتأسى بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ونتحلى بها، خاصة الصفات الأخلاقية التي تدعو إلى الرحمة التي شملت أهله وأصحابه والأمة قاطبة، فقد كان صلى الله عليه وسلم خير الناس وخيرهم لأمته وللناس جميعا، فلم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا صاخبا ولا يجزى بالسيئة السيئة ولكنه يعفو ويصفح، فلم يسبق يوما غضبه رحمته، وحول ينابيع الحب في سيرة الخلق صلى الله عليه وسلم ورحمته وحبه ماذا قال الدعاة؟
يحدثنا د.السيد محمد الطبطبائي حول ما يجب علينا كمسلمين من التأسي بسيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: جميع مواقف الرسول صلى الله عليه وسلم هي المثل الأعلى لكل مسلم حتى مع أعدائه ومن تعمد إيذاءه، كان يدعو الى العفو والسماحة يقول الإمام ابن عياض في كتاب «الشفاء» انه لا يخفى على احد ان كان حليما قد عرفت منه زلة وخطفت عنه هفوة ولكنه صلى الله عليه وسلم كان لا يزيد من كثرة الأذى إلا صبرا وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، ولذا كانت تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: «ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا ان تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله.
وعندما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم احد شق ذلك على اصحابه وقالوا لو دعوت عليهم يا رسول الله فقال: اني لم أبعث لعانا ولكنني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
القدوة
وزاد: وعلينا الاقتداء بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: ويكون ذلك بالتأسي بأفعاله وأخلاقه وتعامله واستحضار عظمة خلقه التي وصفها الله تعالى فقال: (وإنك لعلى خلق عظيم)، فلم نجده يوما متعاليا، بل كان متواضعا يتعامل مع الناس بصدق وأمانة حتى ان أهل مكة أطلقوا عليه لقب الصادق الأمين، ومن أخلاقه صلى الله عليه وسلم تركه ما لا يعنيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه»، وحسن التعامل مع الناس وأنه كان صلى الله عليه وسلم مؤلفا للقلوب يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه ويعود المريض ويشهد الجنائز، ونحن بحاجة الى استعادة التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأن نتعامل بالأخلاق النبوية الكريمة وألا تكون بيننا صراعات ويكون المسلمون على قلب رجل واحد فنكون فعليا خير أمة أخرجت للناس، كما وصفنا الله تعالى.
الرسول القدوة مع أعدائه
وحول معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعدائه، قال د.الطبطبائي: معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع أعدائه أدهشت العالم فلم يظهر في التاريخ أرحم منه مع أعدائه رغم ما كان يلاقيه منهم من الأذى والتشريد، فعندما فتحت مكة ودانت للدين الجديد القبائل والوفود وصار جميع الأعداء الذين كانوا يحاربونه بالأمس ويحاربون دعوته تحت يده وتصرفه نادى فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، وعندما ذهب إلى الطائف لعله يجد من ينصره هناك استقبله بنو ثقيف بالطرد، ولحقه صبيانهم بالحجارة والشتائم حتى أدمت قدماه، جاءه ملك الجبال وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا.
فما أحوج الناس إلى هذا الخلق العظيم في هذا العصر المتلاطم الأمواج، حيث حلت الوحشية محل الرحمة والنفاق محل الصدق والإخلاص، وما نراه على مدار الساعة ما بين القتل والتشريد والحرمان والفقر في العالم هي من نتائج غياب الأخلاق والقيم التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة.
نور النبوة... وهداية الإنسانية
من جهته، قال الداعية محمد ناصر العليم: حين أذن الله تعالى بميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لم يكن ذلك حدثا يخص أمة بعينها أو حقبة زمنية محددة، بل كان إيذانا بفجر جديد أشرق على الإنسانية كلها. فقد بعثه الله رحمة للعالمين، وحمل على عاتقه رسالة الهداية التي انتشلت البشر من ظلمات الشرك والجهل والفرقة، إلى نور الإيمان والعلم والعدل والرحمة.
لقد وصف الله تعالى رسوله بقوله: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فكانت رسالته رحمة للإنسان، ورحمة للمجتمع، ورحمة حتى للكون من حوله. ولم يكن نور النبوة نورا يرى بالأبصار، وإنما نور يهدي القلوب، ويزكي النفوس، ويبني الإنسان على أسس الإيمان والأخلاق والقيم.
وحين نتأمل سيرته نجد أن أعظم ما ميزه هو اكتمال الأخلاق، فقد كان صادقا قبل البعثة وبعدها، أمينا في معاملاته، رحيما بالضعفاء، عادلا بين الناس، متواضعا رغم مكانته، حليما مع من أساء إليه، حتى أثنى عليه ربه بقوله: (وإنك لعلى خلق عظيم).. ولذلك كان الإسلام ينتشر بأخلاقه قبل كلماته، وبسيرته قبل خطابه.
واليوم، في عالم يموج بالصراعات، وتتنازعه الأهواء، وتنتشر فيه خطابات الكراهية والانقسام، تبدو البشرية أحوج ما تكون إلى استلهام هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الصراع، بقدر حاجته إلى الرحمة، ولا إلى مزيد من الجدل، بقدر حاجته إلى الصدق، ولا إلى مزيد من المصالح الضيقة، بقدر حاجته إلى العدل الذي جاء به الإسلام.
إن أعظم صورة نعبر بها عن محبتنا لرسول الله ﷺ هي أن نجعل سنته منهاجا في حياتنا في بيوتنا وأعمالنا، وتعاملاتنا، وتربيتنا لأبنائنا. فالمحبة الصادقة لا تقتصر على الكلمات، وإنما تظهر في الاقتداء، والالتزام، وحسن الخلق، وإتقان العمل، والإحسان إلى الناس.
لقد ترك لنا النبي صلى الله عليه وسلم ميراثا خالدا، يتمثل في كتاب الله وسنته، وهما النور الذي لا يخبو، والهداية التي لا تنقطع، فمن تمسك بهما سلم من الفتن واستقام على طريق الحق، ونال خير الدنيا والآخرة.
وفي هذه الأيام التي نستحضر فيها مولد خير البرية، فإن أجمل ما نقدمه لأنفسنا أن نجدد العهد مع القرآن الكريم، وأن نكثر من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نحيي في واقعنا أخلاقه العظيمة، لتظل رسالته نورا يبدد ظلمات الجهل، وهداية تنير طريق الإنسانية إلى يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا من المتمسكين بسنته العاملين بهديه، المحشورين تحت لوائه، وارزق أمتنا عزا ووحدة وأمنا واستقرارا، إنك سميع مجيب.