منى الأربش:
- القانون أسند الولاية التعليمية للحاضن ولا يجوز أن تتحول الخلافات بين الوالدين إلى عائق أمام دراسة الطفل
- الولاية التعليمية لا تتعارض مع ولاية الأب على النفس أو التزامه بالنفقة ومصلحة الطفل يجب أن تحكم الإجراءات والقرارات
أحمد الفيلكاوي:
- تعليم الطفل لا يعلّق بسبب خلافات الكبار.. فالعام الدراسي يمضي والطفل لا يستطيع استعادة ما فاته
- يجب ضمان استمرار تعليم الطفل حتى أثناء النزاع بين الوالدين والسؤال ليس من انتصر في الخلاف بل من حمى مستقبل الطفل
شريفة الدريس:
- تعطيل تعليم الطفل يضاعف الضغوط النفسية عليه وقد يحوله من متلق للخلاف إلى طرف يدفع ثمنه
- النزاع الأسري وانقطاع الدراسة قد يهزان شعور الطفل بالأمان ويؤثران في تحصيله وسلوكه وثقته بنفسه
خالد الخراز:
- تعليم الأبناء أمانة شرعية ولا يجوز أن يكون الطفل ضحية للخلاف أو وسيلة للضغط أو الانتقام بين الوالدين
- تعطيل تعليم الطفل دون عذر معتبر إضرار به وتضييع للأمانة والخلاف بين الوالدين لا يبرر حرمانه من حقه في التعليم
عبدالكريم أحمد
تزامنا مع بدء الموسم الدراسي الجديد، يعود ملف الولاية التعليمية إلى الواجهة، حاملا معه أسئلة تتجاوز حدود الخلافات الأسرية إلى حق الطفل في أن يبدأ عامه الدراسي ويواصل تعليمه دون أن يصبح طرفا في نزاع لا علاقة له به.
فبينما ينشغل الوالدان أحيانا بالخلاف حول من يملك حق التسجيل أو النقل أو اختيار المدرسة، قد يجد الطفل نفسه أمام نتيجة لا يملك فهم أسبابها بين مقعد دراسي شاغر، أو تسجيل متأخر، أو انقطاع عن بيئة اعتاد عليها، في وقت لا يمكن فيه استعادة الأيام الدراسية التي يفقدها بسهولة.
وفي الكويت، حسم المشرع جانبا أساسيا من المسألة بإسناد الولاية التعليمية إلى الحاضن بما يحقق مصلحة الطفل، إلا أن التطبيق العملي قد يواجه تحديات عندما تختلف إرادة الوالدين أو تظهر عوائق إدارية أو خلافات تتصل بالولاية على النفس أو الالتزامات المالية.
فأين تبدأ المشكلة وأين تنتهي؟ وهل يكفي النص القانوني لضمان استمرار تعليم الطفل؟ وماذا يحدث عندما تتداخل الحقوق القانونية للوالدين مع مصلحة طفل لا يملك سوى الانتظار؟
«الأنباء» تفتح ملف «الولاية التعليمية» من زاوية القانون والتربية وعلم النفس والشريعة، للبحث في سؤال أساسي، وهو كيف نضمن ألا يدفع الطفل ثمن خلاف الكبار؟
إشكالية الولاية
بداية، تحدثت المحامية منى الأربش في الجانب القانوني، مبينة أن الإشكالية في الولاية التعليمية لا ترتبط بغموض النص القانوني، وإنما تظهر بصورة أكبر عند اختلاف الوالدين أو وجود عائق يحول دون تمكين الحاضن من مباشرة شؤون الطفل التعليمية، مبينة أن المادة 40 من قانون حقوق الطفل أسندت الولاية التعليمية إلى الحاضن، وربطت ممارستها بما يحقق مصلحة الطفل.
وأشارت إلى أن ثبوت الولاية التعليمية للحاضن لا يعني إقصاء الطرف الآخر عن متابعة تعليم أبنائه، وإنما يحدد صاحب الصفة القانونية في مباشرة الإجراءات التعليمية، لافتة إلى ضرورة عدم الخلط بين الولاية التعليمية والولاية على النفس أو الالتزامات المالية، فمسؤولية الأب عن النفقة التعليمية، أو ثبوت الولاية على النفس له، لا تعني انتقال الولاية التعليمية إليه متى كانت ثابتة للحاضن.
وأضافت الأربش أن الإشكال العملي يظهر عند اختلاف إرادة الوالدين، خصوصا إذا ارتبط القرار التعليمي بالمسؤولية عن المصروفات، إذ قد يمتد الخلاف إلى تسجيل الطفل أو نقله بين المدارس أو اختيار نوع التعليم أو المدرسة المناسبة له، وهو ما قد ينعكس في النهاية على الطفل واستقراره الدراسي.
وبينت أن الأصل، متى ثبتت الحضانة، أن يتمكن الحاضن من مباشرة الإجراءات التعليمية دون الحاجة إلى موافقة الطرف الآخر في كل إجراء، موضحة أن الحاضنة لا تحتاج من حيث الأصل إلى حكم قضائي ينشئ لها الولاية التعليمية، لأن القانون يمنحها هذا الحق، ويكون اللجوء إلى القضاء عند وجود منازعة أو عائق يحول دون ممارسة هذا الحق.
ولفتت إلى أن من أبرز الإشكالات التي تظهر عمليا وجود بعض الإجراءات المتعلقة بتسجيل الطلبة المستجدين في المدارس الحكومية التي تشير إلى ضرورة حضور الأب شخصيا، أو عدم السماح لطرف آخر بإتمام التسجيل إلا بموجب توكيل رسمي أو حكم قضائي، معتبرة أن مثل هذه الإجراءات تستدعي مواءمتها مع النص التشريعي الذي أسند الولاية التعليمية إلى الحاضن.
وأكدت أن هذه المسألة تظهر بصورة واضحة في حالة الأم الأرملة التي تتولى حضانة أبنائها، إذ إن الأصل أن تكون لها الولاية التعليمية، ولا يفترض أن يتوقف تسجيل أبنائها على موافقة شخص آخر لمجرد وجود ولي على النفس، كالجد، ما لم تكن الحضانة لشخص آخر أو محل نزاع قضائي.
وحذرت الأربش من أن تحول الخلاف بين الوالدين إلى عدم تسجيل الطفل أو انقطاعه عن الدراسة يخرج المسألة من نطاق الخلاف العائلي إلى المساس بحق قانوني أصيل للطفل، موضحة أن قانون التعليم الإلزامي يرتب مسؤولية على ولي الأمر عند عدم إلحاق الطفل بالتعليم الإلزامي أو عدم مواظبته دون عذر مقبول، كما اعتبر قانون حقوق الطفل حرمان الطفل من التعليم الأساسي أو تعريض مستقبله التعليمي للخطر من حالات تعرضه للخطر.
وأوضحت أن تحديد المسؤولية في كل حالة يستلزم معرفة من كان مكلفا قانونا بالإجراء، ومن تسبب فعليا في تعطيل التعليم أو الامتناع عن التسجيل، مشيرة إلى أن المنازعات في هذا المجال قد تشمل أيضا رفض تسليم المستندات، أو نقل الطفل من مدرسة إلى أخرى، أو الخلاف حول التعليم الحكومي أو الخاص، أو اختيار مدرسة بعيدة عن محل إقامة الحاضن، وقد وصلت مثل هذه المنازعات إلى القضاء الكويتي.
وقالت إن القانون وفر آلية سريعة لمعالجة بعض هذه الحالات، من خلال تمكين قاضي الأمور الوقتية، وفق المادة 11 من قانون محكمة الأسرة، من إصدار أمر على عريضة بشأن تسجيل المحضون في المدارس الحكومية أو الخاصة، بما يتيح معالجة العائق دون انتظار الفصل في دعوى موضوعية طويلة.
وشددت على أن الأفضل ألا يتحول اللجوء إلى القضاء إلى شرط لممارسة حق قرره القانون للحاضن، وإنما يكون وسيلة لحسم النزاع عند وجود عائق حقيقي، داعية إلى توحيد إجراءات وزارة التربية والمدارس الحكومية والخاصة، والاعتراف بالحاضن صاحب الولاية التعليمية مباشرة متى ثبتت صفته، مع إنشاء ربط إلكتروني بين وزارة التربية والجهات القضائية والرسمية للتحقق من صفة الحاضن.
واقترحت كذلك وضع آلية عاجلة للفصل في المنازعات التعليمية خلال مدة قصيرة، مع ضمان عدم توقف قيد الطفل أو تعطيل دراسته بسبب النزاع بين والديه، واستمرار وضعه التعليمي القائم مؤقتا إلى حين حسم الخلاف، ما لم تقتض مصلحته خلاف ذلك.
وختمت الأربش بالتأكيد على أن الولاية التعليمية ليست امتيازا للأب أو الأم، وإنما وسيلة لحماية حق الطفل في التعليم واستقرار مستقبله الدراسي، وأن مصلحة الطفل يجب أن تبقى المعيار الحاكم للتشريع والإجراءات والقرارات القضائية.
تعليم الطفل لا يعلق
من جانبه، قال الخبير في الشؤون التعليمية والتربوية د.أحمد الفيلكاوي إن استمرارية الطفل في التعليم يجب أن تكون أولوية لا تتأثر بالخلافات أو الإجراءات، مشيرا إلى أن العالم خلال جائحة كورونا حرص على استمرار تعليم الأطفال رغم إغلاق المدارس، عبر التعليم عن بعد والمنصات الإلكترونية، لأن بقاء الطفل بلا تعليم كان أمرا يصعب القبول به.
وأضاف الفيلكاوي أن السؤال يعود اليوم بصورة أكثر إيلاما، متسائلا: «إذا كنا قد حاربنا كي لا يوقف الوباء تعليم أبنائنا، فكيف يمكن أن يوقفه خلاف بين الكبار؟».
وأوضح أن الطفل لا يفهم معنى «الولاية التعليمية» ولا يعرف من يملك حق التوقيع، وإنما يعرف معلمه ومقعده وصديقه وطابور الصباح الذي اعتاد عليه، ولذلك فإن غيابه عن المدرسة يعني بالنسبة إليه صباحا ضاع منه.
وأوضح أن المشكلة لا تقتصر على درس يفوته الطفل، وإنما تمتد إلى الاستقرار الذي توفره المدرسة، خصوصا في سنواته الأولى، مبينا أن الطفل لا يبني معرفته فقط، بل يبني علاقة مع المدرسة وشعورا بالانتماء وإيقاعا يوميا يمنحه الأمان، وأن هذا الاستقرار يمثل جزءا من عملية التعلم نفسها.
وأشار إلى أن دراسة حديثة نشرت في دورية «Early Childhood Research Quarterly» تابعت 18.775 طفلا، ووجدت أن الاستمرار في البيئة المدرسية نفسها عند الانتقال من مرحلة ما قبل المدرسة ارتبط بنتائج أكاديمية أفضل لاحقا، معتبرا أن القضية لا تتعلق فقط بصفحات دراسية لم تقرأ، وإنما بما قد يترتب على الانقطاع من اضطراب في علاقة الطفل بالبيئة التي يتعلم فيها.
وأكد الفيلكاوي أنه عند الحديث عن الولاية التعليمية لا ينبغي أن يكون السؤال «من انتصر؟»، وإنما «من حمى الطفل؟»، موضحا أن الإطار القانوني الكويتي ربط الولاية التعليمية بما يحقق مصلحة الطفل، وبالتالي فإن تحول الأداة التي وضعت لحمايته إلى سبب في تعطيل تعليمه يعني الحفاظ على الإجراء وخسارة الغاية.
ورأى أن القاعدة التربوية ينبغي أن تكون واضحة: «تعليم الطفل لا يعلق»، بحيث يأخذ النزاع مساره وتحسم الحقوق في جهاتها، بينما يستمر الطفل في الذهاب إلى مدرسته، داعيا إلى إيجاد مسار عاجل يضمن تسجيل الطفل واستمراره، ويحمي ملفه الدراسي من التعطيل، ويعطي الأولوية لأي إجراء قد يؤدي تأخره إلى غيابه عن صفه.
واقترح تفعيل آلية مؤقتة وسريعة فور ظهور النزاع، تمنح المدرسة والجهات المختصة صلاحية حماية استمرارية الطفل التعليمية إلى حين حسم الخلاف، بحيث لا يمنع من التسجيل أو يحتجز ملفه الدراسي، مؤكدا أن القرار المؤقت في هذه الحالة لا ينتصر لطرف، وإنما يحمي وقت الطفل الذي لا يمكن تعويضه.
وختم الفيلكاوي بالتأكيد على أن الانشغال بمن يملك حق التوقيع قد يجعلنا ننسى من يحمل الحقيبة، مشيرا إلى أن الكبار يملكون الوقت للتخاصم والانتظار، بينما العمر الدراسي للطفل لا يعود إلى الخلف، وأن الخلاف قد يحتمل التأجيل، لكن الطفولة لا تعرف زر الانتظار.
نمو نفسي
بدورها، قالت الاستشارية التربوية والأسرية د.شريفة الدريس إن حرمان الطفل من التعليم أو تأخره في الالتحاق بالمدرسة لا يعني فقط حرمانه مما سيفوته من المنهج الدراسي، بل قد يفوته أيضا جزء مهم من نموه النفسي والاجتماعي، مشيرة إلى أن المدرسة بالنسبة للطفل ليست كتابا وواجبا وامتحانا فقط، إنما بيئة يتعلم فيها النظام والاستقلالية وبناء العلاقات والشعور بالانتماء والاستقرار وبناء العلاقات الاجتماعية مع أقرانه.
وأوضحت الدريس أنه كلما طالت فترة ابتعاد الطفل عن الدراسة، أصبح من الأصعب عليه اللحاق بأقرانه، ويبدأ يشعر بأنه مختلف عنهم أو متأخر عنهم، ما قد يؤثر في ثقته بنفسه ودافعيته للتعلم، مؤكدة أنه يجب ألا يكون حق الطفل في التعليم معلقا على خلافات الكبار ومشاكلهم، ولا يستغل نهائيا في هذه المشاكل، لأن الوقت في حياة الطفل التعليمية لا يمكن تعويضه دائما بالسهولة التي يتصورها البعض.
وأضافت أن التأخر أو الانقطاع عن التعليم بسبب النزاع الأسري يسبب العديد من المشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية، خصوصا إذا طال الانقطاع وتزامن مع أجواء أسرية متوترة، موضحة أن الطفل في هذه الحالة يتعرض لضغطين في الوقت نفسه، هما فقدان الاستقرار الدراسي والبعد عن روتينه اليومي وحياته مع أصدقائه داخل المدرسة، والعيش وسط نزاع أسري لا يملك القدرة على حله، وهو ما يمكن أن يولد لديه شعورا بالذنب بأنه هو وراء هذه النزاعات والخلافات.
وأوضحت أن أثر ذلك سيظهر على شكل تراجع في التحصيل والتركيز والدافعية، أو رفض للمدرسة وصعوبة في العودة إلى الروتين الدراسي، مشيرة إلى أنه في بعض الحالات قد يعبر الطفل عن توتره من خلال السلوك، كالعصبية أو العناد أو الانسحاب أو العدوانية، ولذلك من المهم ألا ينظر إلى هذه السلوكيات باعتبارها دائما «سوء تربية»، فقد تكون أحيانا رسالة من طفل يعيش ظرفا أكبر من قدرته على التعبير عنه بالكلمات.
وحول أثر استمرار النزاع بين الوالدين حول تعليم الطفل على تحصيله واستقراره النفسي وتكيفه داخل المدرسة، قالت الدريس: «أخطر ما في استمرار النزاع أن الطفل قد يشعر بأنه عالق بين والديه، وأن أمورا أساسية في حياته أصبحت غير مستقرة: أين سيدرس؟ متى سيبدأ؟ ومن صاحب القرار؟».
وأضافت أن هذا النوع من عدم اليقين قد يفقد الطفل الشعور بالأمان، ويشغله نفسيا عن المهمة الأساسية المطلوبة منه، وهي التعلم والنمو، وقد يصل الطفل إلى المدرسة وهو يحمل معه توتر المنزل، فيظهر ذلك في ضعف التركيز أو القلق أو تراجع الأداء أو صعوبة الاندماج مع زملائه.
وأشارت إلى أن الأبحاث تشير إلى أن الصراع المتكرر وغير المحسوم بين الوالدين يرتبط بمخاطر أعلى للمشكلات النفسية والسلوكية والاجتماعية والدراسية لدى الأبناء، كما أن بعض الأطفال قد يحملون أنفسهم مسؤولية خلافات والديهم، وهذا بحد ذاته قد ينعكس على تحصيلهم وتكيفهم النفسي، مؤكدة أنه حتى عند الانفصال أو الاختلاف بين الوالدين، يحتاج الطفل إلى رسالة واضحة من الطرفين: «قد نختلف نحن، لكن تعليمك ومستقبلك أهم ما في حياتنا».
وأكدت الدريس أن تحول تعليم الطفل إلى وسيلة للصراع بين الوالدين يعد من أخطر أشكال إدخال الطفل في الصراع الأسري، لأن التعليم من المفترض أن يكون أحد أكثر عناصر حياته ثباتا وأمانا، لا ورقة ضغط أو وسيلة لإثبات من ينتصر على الآخر.
وأضافت أنه عندما يستخدم تسجيل الطفل أو نقله من مدرسة أو تأخير دراسته ضمن النزاع بين الوالدين، فإن الرسالة التي قد تصل إليه هي أن احتياجاته ومستقبله أقل أهمية من خلاف الكبار، مشددة على ضرورة الفصل تماما بين الخلاف الزوجي أو الأسري وبين المسؤولية الوالدية.
وقالت إن الزوجين يمكن أن يختلفا أو ينفصلا، ولكن تظل هناك مساحة يجب أن تكون محمية من هذا الصراع، وفي مقدمتها تعليم الطفل وصحته وأمانه النفسي، مؤكدة أن الطفل ليس طرفا في النزاع، ولا ينبغي أن يكون وسيلة للضغط والكر والفر بين الأزواج، ولا أن يتحمل تكلفة خلاف لم يصنعه.
وختمت الدريس بالقول: «في أي خلاف يتعلق بالتعليم وفي حياة الطفل بشكل عام، دائما نسأل أنفسنا: ما ذنب هذا الطفل في هذه النزاعات؟ وما الذي سأزرعه مستقبلا في نفسيته وذاكرته من أمور تترك ندبا عميقا لا يختفي؟».
أعظم الأمانات
ومن الناحية الشرعية، قال د.خالد الخراز إن تعليم الطفل ورعايته من أعظم الأمانات التي حملها الشرع للوالدين، مشددا على أنه لا يجوز أن يكون الطفل ضحية للخلافات الزوجية أو النزاع على الحضانة والولاية، أو أن يستخدم مستقبله الدراسي وسيلة للضغط والانتقام بين الأبوين.
وأوضح الخراز أن الله تعالى قال: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا) (التحريم: 6)، مبينا أن من مقتضيات هذه الوقاية تعليم الأهل وتأديبهم، كما قال النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه، وهو ما يجعل الوالدين مسؤولين شرعا عن حفظ مصلحة الطفل وتعليمه ما يحتاج إليه من أمور دينه ودنياه.
وأشار إلى قول النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت»، معتبرا أن من صور التضييع ترك الطفل بلا تعليم أو تعطيل تسجيله في المدرسة من غير عذر معتبر، خصوصا إذا كان ذلك نتيجة الخصومة بين الأب والأم.
كما أكد أن قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» تمنع استخدام الحضانة أو الولاية للإضرار بالطرف الآخر على حساب الطفل، لأن الولاية في الشريعة ولاية رعاية ومصلحة وليست ولاية تسلط أو انتقام.
وبين الخراز أن من تعمد منع الطفل من التعليم أو تعطيل تسجيله، مع قدرته على تيسير تعليمه ومن دون عذر معتبر، فإنه يأثم بقدر ما تسبب فيه من ضرر وتضييع. فإذا كان أحد الوالدين يسعى إلى تسجيل الطفل والآخر يمنعه، تحمل المانع مسؤولية فعله، أما إذا اشترك الوالدان في التعطيل أو رضي كل منهما باستمرار الطفل بلا دراسة مع القدرة على إزالة الضرر، فتتوزع المسؤولية بينهما بحسب تقصير كل واحد منهما.
واستشهد بقوله تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) (البقرة: 233)، موضحا أن الآية تقرر أصلا شرعيا يتمثل في منع اتخاذ الولد وسيلة للإضرار بالطرف الآخر، وأن الإضرار بالطفل نفسه أولى بالمنع، وبناء على ذلك، فإن الخلاف حول الحضانة أو الولاية لا يعد عذرا شرعيا لتعطيل التعليم، لأن مصلحة الطفل ورفع الضرر عنه واجب مستقل.
وشدد الخراز على أن مسؤولية تعليم الطفل تقع على الوالدين، كل بحسب دوره وقدرته، ولا يسقط تقصير أحدهما مسؤولية الآخر، فإذا كان أحدهما قادرا على إزالة الضرر ولم يفعل، فإنه يتحمل تبعة تقصيره، بينما يخف الإثم عمن بذل وسعه في حماية حق الطفل ولم يتمكن من ذلك.
وحذر من جعل الطفل ورقة ضغط في النزاع الأسري، مؤكدا أن مصلحة الصغير يجب أن تتقدم على الخلافات بين الوالدين، مستشهدا بقول النبي ﷺ: «اعدلوا بين أولادكم».
ونقل الخراز ما أورده الإمام ابن قيم الجوزية في «تحفة المودود بأحكام المولود» من أن الله سبحانه يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة قبل أن يسأل الولد عن والده، مستشهدا بقوله تعالى: (قوا أنفسكم وأهليكم نارا)، وبما نقل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «علموهم وأدبوهم»، كما أشار إلى ما ذكره ابن القيم من أن إهمال تعليم الأبناء وتركهم دون توجيه من أعظم صور الإساءة إليهم.
وخلص الخراز إلى أن تعمد حرمان الطفل من التعليم أو تعطيل دراسته وتسجيله من غير عذر معتبر، متى ترتب عليه تفويت مصلحة أساسية أو ضرر على مستقبله، يعد من صور تضييع الأمانة والإضرار بالمحضون، ويأثم المتسبب فيه بقدر ضرره وتقصيره.
وأكد أن الخلاف بين الوالدين ليس مبررا شرعيا لتعطيل الدراسة، وأن الواجب هو ضمان استمرار تعليم الطفل، أو اللجوء إلى جهة مختصة لحسم النزاع بما يحفظ حقه ويحول دون ضياع مستقبله، لأن الحضانة والولاية شرعتا لتحقيق مصلحة الطفل وحمايته، لا لتحويله إلى ضحية لخلافات الكبار.
حالات تعطل الولاية التعليمية.. وحلّ مقترح
طرح المختصون عددا من الحالات التي قد تعطل استمرار تعليم الطفل عند حدوث خلاف أسري، منها:
٭ اختلاف الوالدين: الأب والأم يختلفان حول التسجيل أو النقل أو نوع التعليم أو المدرسة.
٭ الإجراء الإداري: قد تظهر اشتراطات عملية تتعلق بحضور الأب أو التوكيل أو السند القضائي.
٭ الطفل: تأخر التسجيل أو تعطلت الدراسة أو اضطرب استقراره المدرسي.
٭ القضاء: قد يلجأ الحاضن إلى القضاء لإزالة العائق وحماية استمرار التعليم.
٭ الحل المقترح: إجراءات موحدة وتحقق إلكتروني من صفة الحاضن ومسار عاجل للنزاع وعدم تعطيل تعليم الطفل.
مقترحات لحماية تعليم الطفل
اقترح المختصون عددا من الإجراءات والخطوات لحماية تعليم الطفل واستمرار تعلمه دون انقطاع، وتمثلت في الآتي:
1 - توحيد الإجراءات: مواءمة إجراءات وزارة التربية والمدارس الحكومية والخاصة مع النص القانوني المنظم للولاية التعليمية بحيث تكون صفة الحاضن واضحة وقابلة للإثبات دون إجراءات متباينة.
2 - إثبات إلكتروني للحضانة: ربط وزارة التربية بالجهات القضائية والرسمية للتحقق إلكترونيا من صفة الحاضن بدلا من تحميل الأسرة إجراءات ورقية إضافية.
3 - مسار عاجل للنزاعات: تخصيص آلية سريعة للمنازعات المتعلقة بتسجيل الطفل أو نقله أو استمرار دراسته بحيث لا ينتظر الطفل انتهاء دعوى موضوعية طويلة.
4 - التعليم لا يتوقف: عدم وقف قيد الطفل أو تعطيل دراسته لمجرد نشوء خلاف بين الوالدين مع استمرار وضعه التعليمي مؤقتا إلى حين حسم النزاع ما لم تقتض مصلحته خلاف ذلك.
5 - فصل التعليم عن الصراع المالي: عدم تحويل الخلاف حول الرسوم والنفقات إلى سبب لتعطيل حق الطفل في التعليم مع ترك الفصل في الالتزامات المالية للجهات المختصة.
6 - مصلحة الطفل أولا: اعتماد مصلحة الطفل واستقراره الدراسي والنفسي معيارا أساسيا عند اتخاذ أي قرار يتعلق بتعليمه.
ماذا يقول القانون؟
خلص المختصون إلى أن هناك عددا من النصوص القانونية التي قد تؤكد أحقية الطفل في عدم انقطاعه عن التعليم حال حدوث نزاع أو خلاف أو حتى انفصال بين الوالدين، ومنها:
٭ المادة 40 من قانون حقوق الطفل: تسند الولاية التعليمية إلى الحاضن بما يحقق مصلحة الطفل.
٭ الولاية التعليمية تختلف عن الولاية على النفس: ثبوت الولاية على النفس لا يعني بالضرورة امتلاك الولاية التعليمية متى أسندها القانون إلى الحاضن.
٭ مباشرة التعليم: تشمل الإجراءات المرتبطة بتسجيل الطفل ومتابعة شؤونه التعليمية ونقله واختيار المؤسسة التعليمية في حدود مصلحته والضوابط المنظمة.
٭ اللجوء إلى القضاء: لا يفترض أن يكون الحكم القضائي منشئا للولاية التعليمية متى ثبتت صفة الحاضن، وإنما يظهر دوره عند وجود نزاع أو عائق يحول دون ممارسة الحق.
٭ قانون محكمة الأسرة: أجاز لقاضي الأمور الوقتية إصدار أمر على عريضة بشأن تسجيل المحضون في المدارس الحكومية أو الخاصة.
٭ التعليم الإلزامي: يرتب القانون مسؤولية عند عدم إلحاق الطفل بالتعليم الإلزامي أو عدم مواظبته دون عذر مقبول.
٭ المعيار الأهم: مصلحة الطفل واستمرار تعليمه بعيدا عن تحويل المدرسة إلى ساحة للخلاف بين الوالدين.