ما أشرقت شمس التحرير من الغزو العراقي الغاشم حتى سارعت وكالة الأنباء الكويتية (كونا) إلى استعادة دورها المهني عائدة إلى مقرها الدائم في البلاد لتطلق بثها الإخباري في 19 نوفمبر 1991 منهية فترة قسرية عصيبة استمرت نحو 14 شهرا لتواصل بعدها مسيرة مهنية تواكب تطورات العصر حتى تصدرت وكالات الأنباء الخليجية والعربية في الخدمات الإعلامية الافتراضية.
لكن تلك الانطلاقة الجديدة من الكويت سبقتها مرحلة مؤقتة من البث من مكتب الوكالة في لندن بسبب استحالة العمل من مقر الوكالة في الكويت نظرا لحالة الدمار الشامل التي شهدها خلال ذلك الغزو إثر نهب محتوياته وأجهزته ونقلها إلى بغداد إضافة إلى حرق وتدمير المواد والأدوات الثقيلة التي استعصى نقلها أو لم تكن للمحتلين حاجة بها.
وحينما أصبح المقر الرئيسي في الكويت جاهزا انطلقت مسيرة إعادة التشغيل التي اكتملت ملامحها بحلول عام 1992 حين استهل البث الإخباري بمعدل يقارب 40 خبرا يوميا كخطوة أولى في مسيرة استعادة العافية الإعلامية ليأخذ مؤشر البث بعدها في الزيادة تدريجيا.
وشهدت الوكالة بعد تحرير البلاد تحولا نوعيا في نهجها الإعلامي حيث وضعت رؤية استراتيجية لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي وترسيخ مكانتها كصوت إعلامي كويتي في المحافل الخارجية من خلال تفعيل شبكة مراسليها في الخارج في أهم العواصم العربية والعالمية.
وحرصت الوكالة على توطيد علاقاتها مع وكالات الأنباء الإقليمية والعالمية من خلال إبرام وتجديد العديد من الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم لتبادل الأخبار والصور والمطبوعات فضلا عن تبادل الخبرات في مجال التدريب والأمور التقنية.
وشهدت الوكالة تطورا تدريجيا في خدماتها الإخبارية خلال تلك المرحلة ابتداء من 17 ديسمبر عام 1994 حين أطلقت الوكالة «خدمة كونا للأخبار الشخصية عبر الهاتف 120» التي تعتبر مبادرة ريادية في مجال وكالات الأنباء والصحافة المكتوبة كونها نافذة إخبارية تقدم ملخصا وافيا لأهم المستجدات المحلية والدولية عبر الهاتف.
وفي 11 سبتمبر عام 1995 أنشأت الوكالة «مركز كونا للتدريب وتطوير القدرات الإعلامية» بهدف تدريب العاملين في الوكالة في المجال الإعلامي وتنمية قدراتهم المهنية ثم امتد نشاطه ليشمل الكوادر الإعلامية الوطنية والخليجية والعربية من خلال تنظيم دورات تدريبية متقدمة وورش عمل تخصصية.
وتتويجا لجهود إعادة الإعمار والنهوض بعد مرحلة التحرير وما واكبه من توسع أنشطة الوكالة وزيادة أعداد العاملين فيها افتتحت الوكالة في 31 مارس عام 1997 مقرها الجديد في منطقة الشويخ بمدينة الكويت ممثلا مرحلة جديدة في تطوير بنيتها المؤسسية والتقنية.
وشهد يوم 22 ديسمبر عام 1998 تولي الزميلة إقبال الأحمد منصب رئيس التحرير في «كونا» لتكون بذلك أول امرأة تتولى منصب رئيس التحرير في وكالة أنباء رسمية على مستوى الوطن العربي في خطوة جسدت الريادة الكويتية في تمكين الكفاءات النسائية الوطنية وتأكيد جدارتها في صناعة القرار الإعلامي.
وفي إطار استراتيجيتها الطموحة لمواكبة ثورة الاتصالات دشنت الوكالة في 11 فبراير عام 2007 خدمتها الإخبارية المبتكرة «خدمة الرسائل النصية القصيرة SMS» لتمثل تحولا مهما في آلية إيصال المادة الإعلامية ونشرها للجمهور وإتاحة المعرفة الإخبارية الفورية لجميع فئات المجتمع.
ومواكبة لانتشار الانترنت وتغير طبيعة العمل الصحافي في العالم بدأت «كونا» الانتقال التدريجي إلى نموذج أكثر اعتمادا على النشر الإلكتروني حيث دشنت موقعها الرسمي على شبكة الانترنت في عام 1998 ثم طورته في السنوات اللاحقة ليتوافق مع أحدث معايير النشر الالكتروني.
ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية سارعت الوكالة إلى إطلاق حساباتها على تلك المنصات فأطلقت في 17 مارس عام 2011 حساباتها على منصات «اكس» تويتر سابقا و«انستغرام» و«فيسبوك».
وتجسيدا لمسؤوليتها الاجتماعية أصدرت الوكالة في عام 2014 مجلتين الأولى هي مجلة «الدريشة» التي تهدف إلى تعزيز القيم الأخلاقية والوطنية وتعزيز روح المواطنة في حين كانت الثانية «كونا الصغير» الموجهة إلى الأطفال لتسليحهم بالوعي والمعرفة وتثقيفهم بمجالات العمل الصحفي وتعريفهم بفنون الكتابة والقراءة بأسلوب إعلامي مبسط.
وشهد يوم 12 مارس عام 2018 انطلاق البث الرسمي لنشرة الوكالة باللغة الفرنسية باعتبارها إحدى أبرز اللغات الحية في المنظومة الدولية لتنضم تلك اللغة إلى شقيقتيها العربية والإنجليزية ممثلة إضافة نوعية لخدمات الوكالة الإعلامية.
وخطت الوكالة خطوة رائدة في مجال عمل وكالات الأنباء في الرابع من مايو عام 2023 عندما أطلقت مساحتها الافتراضية الخاصة على منصة (Spatial) العالمية لـ(الميتافيرس) لتكون أول وكالة أنباء خليجية وعربية تستحدث هذه الخدمة الإعلامية المتطورة.
ودشنت الوكالة في 30 أغسطس عام 2023 «واحة كونا الذكية» لتمثل استجابة مهمة لمواكبة الثورة الرقمية وتبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الناشئة في فضاء صناعة المواد الخبرية.
وأطلقت الوكالة في 22 سبتمبر عام 2024 «مرصد كونا للتحقق من الأخبار والرد على الشائعات» تعزيزا لدور الإعلام الرسمي في حماية الجبهة الداخلية والتصدي لحملات التضليل الممنهجة والأخبار الزائفة التي تستهدف تقويض سمعة العمل الحكومي والإنجازات الوطنية.
وفي السادس من أكتوبر عام 2024 دشنت الوكالة تطبيقها الإخباري المطور للهواتف الذكية واضعة خدماتها في قالب عصري يليق بهويتها وبأعلى معايير تجربة المستخدمين.
وتزامنا مع ذكرى إعادة تدشين بثها الإخباري بعد التحرير أطلقت «كونا» في 19 نوفمبر عام 2024 هويتها البصرية الجديدة التي تعبر بوضوح عن تحول الوكالة نحو الإعلام الرقمي مع المحافظة الراسخة على إرثها التحريري.
ووضعت الوكالة قضية تمكين ذوي الهمم وصقل مواهبهم وتبني إمكاناتهم في مقدمة مسؤوليتها الاجتماعية ورسالتها الإنسانية والمهنية فاستقطبت عددا منهم للعمل لديها تماشيا مع السياسة الراسخة للبلاد الداعية إلى تعزيز دورهم في المجتمع وإيلائهم اهتماما بالغا وفتح آفاق العطاء أمامهم.
وتوجت «كونا» خلال مسيرتها بعدد من الجوائز تقديرا لمكانتها وإنجازاتها واعترافا بدورها كمؤسسة إعلامية مميزة استطاعت من خلال خططها الاستراتيجية في صقل الكوادر الوطنية وتبني معايير الصحافة المسؤولة الحصول على حصاد مشرف يعكس التزامها بمسؤوليتها الإعلامية الوطنية.