Note: English translation is not 100% accurate
سلسلة "الأنباء" عن ثورات الربيع (12)
تونس.. الشعب يريد
21 أغسطس 2011
المصدر : الأنباء







بن علي فرّ في نهاية احتجاجات تاريخية شاهدها العالم على الهواء مباشرة
بقلم: محمد الحسينيرغم التسميات الكثيرة التي أعطيت لكل من ثورات تونس ومصر وغيرها من الحركات الاحتجاجية في العالم العربي لتصنيفها ضمن «ثورات الألوان» فضل العرب استخدام التواريخ للدلالة على ثوراتهم وهو امر ليس بغريب على الثقافة العربية.
في تونس جرى اعتماد تاريخ 14 بانفييه (يناير) وهو يوم فرار الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الرئيس الثاني لتونس بعد الاستقلال عن فرنسا عام 1956 وقد تابع العالم الثورة التونسية على الهواء مباشرة عبر الفضائيات ولعبت وسائل الاتصال الحديثة دورا محوريا فيها.
تولى بن علي الرئاسة منذ 1987 عندما خلف الرئيس الحبيب بورقيبة اثر انقلاب نفذه ضده بحجة عجزه عقليا وصحيا بناء على تقرير من الاطباء في حركة 7 نوفمبر 1987 رغم وجود تعديل دستوري يعود الى 1974 نص على تولي بورقيبة الرئاسة مدى الحياة.
وبن علي رجل استخبارات وعسكري سابق، تدرج في مناصب عديدة، فكان ملحقا عسكريا في المغرب ثم سفيرا في پولندا ووزير دولة ثم تسلم مقاليد وزارة الداخلية في 1986 ووزيرا اول في اكتوبر 1987 ليستولي بعدها على الرئاسة التي بدا متمسكا بدوره بها مدى الحياة رغم كلماته في خطابه الاخير قبل الفرار والذي ردد فيه: لا رئاسة مدى الحياة.. لا رئاسة مدى الحياة!
قبل فراره مع زوجته ليلى الطرابلسي السيدة القوية والنافذة هي وأسرتها سياسياً واقتصادياً حاول بن علي إقناع الجيش بالمشاركة في مواجهة الانتفاضة الشعبية إلا ان المؤسسة العسكرية قررت البقاء على الحياد.
اليوم ومع اقتراب الذكرى الأولى للثورة لم تتضح الصورة النهائية لنتائجها بعد بينما تعبر تونس مرحلة انتقالية باتجاه مجتمع ديموقراطي حقيقي يتطلع التونسيون لأن يؤمن لهم الحرية والمعالجة لمشاكلهم الاقتصادية التي كانت الأساس في اندلاع الثورة.
في يوم 17 ديسمبر 2010 أضرم المواطن محمد البوعزيزي وهو من حاملي الشهادات العاطلين عن العمل النار في نفسه احتجاجا على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي بوزيد لعربة فاكهة كان يكسب منها قوته ورفضها قبول شكواه ضد شرطية قامت بصفعه. واعتبارا من اليوم التالي 18 ديسمبر انطلقت احداث الثورة، فعلى مدى ايام الاسبوع الثاني للحادثة شهدت «سيدي بوزيد» اتساعا لرقعة الاحتجاجات تفاعلا مع مأساة الشاب وخرجت في مدن الولاية المختلفة تظاهرات حاشدة تطالب بالحرية وتوفير فرص العمل وتعرضت احدى هذه المظاهرات في مدينة منزل بوزيان يوم 24 ديسمبر الى اطلاق نار حي من رجال الامن ما ادى الى قتل الشاب محمد العماري وهو ايضا من حملة الشهادات العليا العاطلين عن العمل فزاد الغضب الشعبي، ووصل الى تونس العاصمة اعتبارا من 25 ديسمبر حيث بدأت سلسلة وقفات احتجاجية ومواقف تفاعلية مع المحتجين.
اول رد رسمي لبن علي كان في 28 ديسمبر حيث ألقى خطابا مستفزا دان فيه ما وصفه بـ «اعمال الشغب» التي تضر بصورة البلاد وتعهد بتطبيق القانون، وأعقب خطابه بتعديل وزاري محدود.
في 5 يناير توفي البوعزيزي في وقت كانت فيه قوات الامن تخوض مواجهات يومية بمواجهة الاحتجاجات وبدأ المحتجون باستهداف الدوائر الحكومية الأمنية وردت قوات الأمن بحملة اعتقالات لنشطاء، بدأ عدد الضحايا يزداد، ففي 8 يناير سقط 8 قتلى في تالة والقصرين.
في 10 يناير أطل بن علي في خطاب جديد لتهدئة المجتمعين في خطاب هادئ اللهجة تعهد فيه بخلق 300 ألف فرصة عمل لكنه لم يلق الصدى المطلوب، وتواصلت التظاهرات بوتيرة أعلى واستمر معها سقوط القتلى الذين بلغ عددهم حتى يوم 15 يناير (اليوم التالي لفرار الرئيس) 219 شخصا.
في 12 يناير وفي محاولة جديدة لتهدئة الشارع أقال بن علي وزير الداخلية وعين وزير داخلية جديدا حاول فرض منع تجول في المدن الكبرى لكنه لم ينجح.
في 14 يناير اعلن بن علي حالة الطوارئ وإقالة الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة، ثم مع اقتراب المساء اعلن انه غادر وعائلته الى جهة غير معلومة قيل انها مالطا ثم فرنسا، ولكن تبين لاحقا انه لجأ الى جدة في المملكة العربية السعودية.
إثر فرار الرئيس اعلن الوزير الأول محمد الغنوشي توليه الرئاسة مؤقتا وفق المادة 56 من الدستور التي تنص على أنه «لرئيس الجمهورية إذا تعذر عليه القيام بمهامه بصفة وقتية ان يفوض بأمر سلطاته الى الوزير الأول ماعدا حق حل مجلس النواب. واثناء مدة هذا التعذر الوقتي الحاصل لرئيس الجمهورية تبقى الحكومة قائمة الى ان يزول هذا التعذر ولو تعرضت الحكومة الى لائحة لوم. ويعلم رئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين بتفويضه المؤقت لسلطاته».
لكن المجلس الدستوري اعلن في اليوم التالي انه بعد الاطلاع على الوثائق لم يكن هناك تفويض واضح من الرئيس الفار الى الوزير الأول وان الرئيس لم يستقل بل هرب في ظروف غامضة، وبعد إعلانه حالة الطوارئ كما ان هروبه يعني عجزه عن الاستمرار بالحكم، ولذلك تم اللجوء الى المادة 57 من الدستور التي تنص على انه «عند شغور منصب رئيس الجمهورية لوفاة او لاستقالة او لعجز تام، يجتمع المجلس الدستوري فورا ويقر الشغور النهائي بالأغلبية المطلقة لأعضائه، ويبلغ تصريحا في ذلك الى رئيس مجلس المستشارين ورئيس مجلس النواب الذي يتولى فورا مهام رئاسة الدولة بصفة مؤقتة لأجل أدناه خمسة واربعون يوما واقصاه ستون يوما.... إلخ».
بعد هذا التاريخ شكل محمد الغنوشي حكومتين متعهدا بمحاسبة المسؤولين عن «سقوط الشهداء» في الثورة ومحاربة الفساد وملاحقته من اثروا على حساب الشعب والتأسيس لحياة سياسية جديدة على اسس الحرية والديموقراطية لكنه اضطر الى الاستقالة في 27 فبراير وتم تكليف الباجي قائد السبسي بقيادة الحكومة الانتقالية.
ألهمت ثورة تونس احتجاجات شعبية شبيهة بما شهدته من احداث ابرزها في مصر التي شهدت ايضا سقوطا مدويا لنظامها في ظل حياد الجيش بينما صمدت انظمة دول عربية اخرى تدخل فيها الجيش الى جانب النظام.
رفع التونسيون شعار «الشعب يريد»، الذي استخدم في كل الثورات والاحتجاجات اللاحقة كل حسب حاجته «اسقاط الرئيس».. «إسقاط الحكومة».. «تغيير الحكومة».
ونظرا لكونها شكلت شرارة البداية، تكتسب الثورة التونسية اهمية كبيرة بين ثورات الربيع العربي وقد حجزت مكانا مهما لها في كتب التاريخ رغم ان فصولها لم تكتمل بعد، في ظل انتظار نتيجة الانتخابات التشريعية في 23 أكتوبر 2011 والتي قال رئيس الوزراء السبسي انها ستقام بموعدها.
ثورات الربيع
من صراع القوميات الذي تصاعد إلى حربين عالميتين، إلى صراع الأيديولوجيا الذي أدخل العالم في حرب باردة بين «الجبارين»، وصولا الى ما يسمى بعصر القطب الواحد والعولمة، شهد العالم ثورات وانتفاضات شعبية لن تُنسى لاسيما تلك التي اتسمت بالطابع السلمي.
بعد انتصارها في الحرب الباردة واجهت الولايات المتحدة عمليات استهداف معادية من جماعات إسلامية سبق ان دعمتها أميركا في حربها الضروس ضد الاتحاد السوفييتي في افغانستان. وصلت حركة طالبان إلى السلطة في افغانستان عام 1994، ووفرت ملاذا آمنا لتنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن بين عامي 1988 و1989 أعلن حربه رسميا على الولايات المتحدة، وأولى عملياته البارزة كانت محاولة تفجير برج التجارة العالمي في 1993، ثم استهدف السفارتين الأميركيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998، قبل أن ينفذ هجمات 11 سبتمبر التي كرست عمليا نظرية كان قد أطلقها استاذ العلوم السياسية صامويل هنتنجتون عام 1993 عن «صراع الحضارات» اعتبر فيها أنه بعد الحرب الباردة ستكون المواجهة الأعنف على أساس الحضارة، مستعرضا عددا من المواجهات المحتملة للحضارة الغربية مع الاسلام والحضارتين الصينية والاندوكية (الهندية).
مسار الأحداث والصراع بين «القاعدة» والغرب أعطى النظرية زخما منقطع النظير ودارت نقاشات مطولة، غالبا ما كانت تنتهي إلى أن المجتمعات الإسلامية ممانعة بحضارتها وموروثاتها للديموقراطية، مستشهدين بالثورة الإيرانية التي لم تفض إلى ديموقراطية بمفهومها الغربي رغم سلميتها، واستبعد كثير من الخبراء وبينهم هنتنجتون أن يشهد العالم العربي ثورات شبيهة بتلك الثورات التي حررت دول أوروبا الشرقية قبل وبعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي.
رحل هنتنجتون عام 2008 قبل 3 سنوات من أحداث اجتاحت فجأة العالم العربي فيها الكثير من سمات الحركات التحررية والديموقراطية السلمية التي سبق ان شهدها الغرب بدءا من أحداث 1968 في فرنسا إلى ربيع براغ ثم سقوط الجدار، كما لم يشهد قبل وفاته أحداث النرويج في 22 يوليو 2011 والتي تؤكد أن اليمين المسيحي ليس بأقل تطرفاً من اليمين الإسلامي.
ارجاء كثيرة من العالم العربي المسلم بغالبيته شهدت خروج ملايين الشباب إلى الشوارع بحماس منقطع النظير، بدأ في تونس وامتد الى دول أخرى تحت شعار «الشعب يريد إسقاط النظام» مستفيدين من ثورة التكنولوجيا القادمة من الغرب والإعلام الجديد الذي قدمته شبكة الإنترنت.
قوبلت الثورات بترحيب غربي وبذلت الدول الغربية وسفاراتها جهودا كبيرة على غرار تلك التي بذلتها في نهاية الثمانينيات في أوروبا الشرقية.
وحاولت مساعدة الثوار في أكثر من حالة كان أوضحها ليبيا على تشكيل سلطة مؤقتة بديلة تتولى المرحلة الانتقالية خلال وبعد سقوط النظام.
بمناسبة ما أطلق عليه «الربيع العربي» نستعيد بالذاكرة بعض الثورات المشابهة في اوروبا والعالم خلال العقود الماضية منها الثورة المخملية في تشيكوسلوڤاكيا والثورة الوردية في جورجيا والبرتقالية في أوكرانيا وثورة التوليب في قيرغيزيا وثورة البلدوزر في صربيا وثورة الغناء في دول البلطيق، إضافة إلى بعض تجارب القرن الماضي في مجال النضال السلمي للحركات التحررية وصولا إلى الثورات العربية.
واقرأ ايضاً:
الحلقة الأولى: ثورة تشيكوسلوفاكيا المخملية غيّرت وجه أوروبا
الحلقة الثانية: بالغناء خاضت دول البلطيق ثورتها وتحررت من الاتحاد السوفييتي
الحلقة الثالثة: «ثورة البلدوزر» أطاحت بميلوسيفيتش أكبر ديكتاتوريي العصر الحديث
الحلقة الرابعة: بالورود وشعار «كفاية» أطاحت الثورة الوردية بنظام شيفرنادزه في جورجيا
الحلقة الخامسة: ثورة أوكرانيا البرتقالية.. أنشودة ديموقراطية عابرة؟
الحلقة السادسة: سقوط جدار برلين.. ثورة الثورات
الحلقة السابعة: «الثورة الصفراء».. «قوة الشعب الأولى» أنهت 20 عاماً من ديكتاتورية ماركوس في الفلبين بشعار «ارحل».. واللون الأصفر
الحلقة الثامنة: «ثورة الطناجر» في الأرجنتين أتت بـ 5 رؤساء في أسبوعين
الحلقة التاسعة: أحداث 1968 في فرنسا..«منع الممنوع»
الحلقة العاشرة: «ثورة التوليب».. الثوار أطاحوا بالرئيس ثم اختلفوا
الحلقة الحادية عشرة: «الديكتاتورية» و«نيّة التوريث» أطاحتا بتشاوشيسكو ديكتاتور رومانيا في ثورة 1989