Note: English translation is not 100% accurate
رحلة دافوس من قرية مجهولة إلى قلعة صناعة القرار
27 يناير 2012
المصدر : دافوس ـ كونا
«طاب لي المقام في تلك القرية المتواضعة وأنا على ارتفاع 1500 متر فوق سطح البحر فالهواء نقي جميل والهدوء يلف المكان والشمس الساطعة تمنحني الدفء عندما اجلس خلف زجاج النافذة أراقب الجبال الشاهقة تكسو الثلوج قممها». تلك كانت الأسطر التي خطها الطبيب الألماني الكساندر شبنغلر في عام 1853 عندما حط الرحال في قرية (دافوس) في أقصى شرقي سويسرا ليبدأ فيها عمله كطبيب ريفي ولكنها كانت الأسطر التي قادت تلك القرية الفقيرة المغمورة الى ما هي عليه الآن كموئل لصناعة القرار السياسي والاقتصادي العالمي. وأدرك الطبيب الشاب ان جو هذه القرية الساحر والغذاء الجيد هما مكونان أساسيان لأفضل علاج لأمراض الرئة فشرع في تجاربه للتأكد من احتمالات الشفاء ثم بدأ في استقطاب المرضى من أثرياء أوروبا إليها تدريجيا.
وتسجل وثائق مدينة (دافوس) ان أول مريضة أجنبية وصلت القرية كانت زوجة بحار هولندي يدعى وليام هولسبور في عام 1866 الذي وجد انه يقف على منجم سياحي غير مستغل فترك زوجته للعلاج وبدأ مع الطبيب شبغلر في دراسة تكثيف الترويج لهذا الكنز المطمور.
ولم يمض عامان إلا وأول مستشفى (شبنغلر ـ هولسبور) تأسس في تلك القرية التي بدأ سكانها يشاهدون وجوه أثرياء أوروبا يصلونها تباعا بحثا عن الاستشفاء والهدوء فراجت في القرية حركة تشييد غير عادية لإقامة المشافي وتعبيد الطرقات. ولما كانت المواصلات الشاقة أحد العوائق التي تعرقل تدفق الباحثين عن الاستشفاء والراحة فما كان من الطبيب الألماني وشريكه البحار الهولندي إلا ان أسسا شركة لخطوط السكك الحديدية تربط تلك القرية النائية بالمدن القريبة.
وما ان بدأ القرن العشرين إلا وكانت دافوس تودع حياة القرى وتعلن نفسها مدينة تعج بالفنادق المتميزة والفيلات الخاصة والمستشفيات وما يواكب كل هذا من خدمات، فدبت الحياة في تلك القرية التي قدمت ما لديها لإشفاء المرضى فأخروجها من فقرها المدقع.
ومع انتعاش الحياة الاقتصادية في اوروبا مطلع القرن العشرين وتحسن تقنيات في المناطق المواصلات الجبلية بدأ الإقبال يتزايد على (دافوس) ليس للاستشفاء فقط بل ايضا لمزاولة الرياضات شتاء مثل التزلج على الجليد وصيفا مثل المشي والعاب الكرة على اختلاف انواعها والتريض بالخيل.
وتشير وثائق أرشيف (دافوس) الى ان القرية تحولت تدريجيا من التخصص في علاج أمراض الرئة الى الاستشفاء بصفة عامة والتريض والنقاهة فتم تحويل المستشفيات الى فنادق فاخرة مع الحفاظ على وحدة علاج وابحاث طبية كمركز استقطاب لها خصوصياتها.
ومع نهايات القرن التاسع عشر بدأت صحافة المجتمع تهتم بإبراز الشخصيات المتميزة التي تحط الرحال في القرية بحثا عن الراحة لتشجيع غيرهم على الاقتداء بهم ثم ابتكرت دافوس رياضة التزلج بالعربات وفي عام 1906 نظمت اول بطولة في العالم للحركة الايقاعية على الجليد.
ووفق الوثائق يشكل عام 1930 بداية الحقبة الثانية من شهرة القرية التي بدأت تدخل في اهتمامات كبار الشخصيات من أدباء ورسامين وموسيقيين آنذاك فقصدها على سبيل المثال الروائي البريطاني ارثر كونان دويل مبتكر شخصية (شرلوك هولمز) البوليسية وأقام بها الرسام الألماني ارنست كريخر 21 عاما كاملة حتى 1938 حيث وافته المنية.
ويؤكد المؤرخون ان 3 أعمال روائية من اشهر المؤلفات الأوروبية شهدت بداياتها في دافوس وهي (الجبل المسحور) للروائي الألماني توماس مان والرواية المشهورة (جزيرة الكنز) للاديب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون وقصة (التميمة) للشاعر السويسري كونراد فرديناند ماير.
ويشير المؤرخون الى ان المرحلة الثانية من مسيرة دافوس بدأت في عام 1930 واستمرت حتى عام 1970 إذ بدأت في مرحلة نضج اقتصادي وظفت فيه جميع الإمكانات المتاحة لها للاستفادة من الاسم البراق الذي اكتسبته فاحتضنت 4 مراكز متخصصة للابحاث العلمية وعددا كبيرا من المسابقات الفنية والرياضية على مدار العام.
وتعد النقلة الثالثة هي الأهم في تاريخ دافوس حيث بدأت عام 1971 مع توجه «المنتدى الاقتصادي العالمي» إليها على يد استاذ علم الاقتصاد الشاب آنذاك كلاوس شفاب الذي نجح في استقطاب كبار رؤساء الشركات والمؤسسات المالية للقاء اشهر الاكاديميين ومعهم ايضا صناع القرار السياسي من رؤساء حكومات ودول ووزراء.
لم يكن التاريخ يعرف اسم (دافوس) قبل عام 1213 حين ظهر اسم تلك البقعة النائية من الأرض في أحضان جبال الألب تحت اسم (تافاوس) ثم بدأ عشائر (فاز) التي كانت ترتحل بين جبال الالب في الاستيطان بها بترخيص من قبائل (فالزر) الجرمانية التي كانت تهيمن على منطقة جبال الالب من أقصى غرب سويسرا الى النمسا مرورا بشمال ايطاليا.
ومع هذا الاستيطان الذي بدأ في عام 1288 بدأت سكان (دافوس) يشكلون حياتهم اعتمادا على الرعي والزراعة دون ان يلتفت اليهم احد حتى حط هذا الطبيب الالماني شبنغلر رحاله فغير مسار تلك القرية وادخلها التاريخ ثم جعلها الاقتصادي الالماني ايضا كلاوس شفاب مركزا لصناعة القرار.